جان تيومان
نوفمبر 23 2018

تركيا دخلت قائمة أكبر عشر دول استيراداً للحوم في العالم

حمل تطرُّق الرئيس رجب طيب أردوغان، في حديثه الأسبوع الماضي، لموضوع ارتفاع أسعار اللحوم، وحديث وزير الزراعة التركي بكير باكدميرلي من بعده عن الموضوع ذاته، دلالة قوية على خطورة الوضع، وما أثير حوله من جدل بين أبناء الشعب التركي.

صرَّح أردوغان ووزيره أن الدولة لجأت إلى استيراد اللحوم الحمراء من الخارج، وأرجع السبب وراء ذلك إلى زيادة القوة الشرائية للشعب التركي، وبالتالي زيادة الإقبال على شراء اللحوم. ومن جانبه قال الوزير باكدميرلي، محاولاً التأكيد على ما ذهب إليه أردوغان، إن الاستهلاك السنوي للفرد من اللحوم قد ارتفع من ستة كيلو غرامات سنوياً في عام 2002، أي قبيل مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة؛ ليبلغ الآن 15 كيلو غرام في العام. 

وعلى الطرف الآخر، كان المواطنون يشكون من غلاء المعيشة في تركيا، وأن هذا الغلاء جعل استهلاكهم من اللحوم الحمراء يكاد يكون منعدماً.

لم يكن التضارب في وجهة النظر بين السلطة والمواطنين بهذا الشكل الكبير، واختلافهم على مقدار اللحوم، التي تقدم على مائدة المواطن، أمراً مستغرباً، خاصة وأننا تعودنا منهم ذلك في الكثير من مناحي الحياة الأخرى؛ لأن كل مواطن تركي يرى هذه الأرقام بنفسه، ولا يحتاج لمن يتحدث باسمه. ومع هذا، فعندما ننظر إلى الأرقام المعلنة، ندرك أن تركيا تعاني بالفعل من أزمة كبيرة في استهلاك اللحوم.

وعلى الرغم من قول أردوغان "إذا اقتضى الأمر، فلن نولي العجز في التجارة الخارجية أهمية، وسنتجه للاستيراد"، إلا أن البيانات المعلنة في هذا الخصوص قد أشارت إلى أن تركيا قد اتخذت قرار الاستيراد بالفعل كسياسة اقتصادية لها. وتشير البيانات الصادرة عن مؤسسة الإحصاء التركية كذلك إلى أن تركيا قامت بالفعل باستيراد لحوم حمراء من الخارج في الفترة بين يناير إلى سبتمبر الماضي بما يعادل 1.6 مليار دولار.

قامت تركيا، خلال هذه الفترة، بشراء مواشٍ حية بما يعادل 1.38 مليار دولار، ومواشٍ مذبوحة بقيمة 215 مليون دولار أميركي. وبذلك يكون إجمالي واردات اللحوم الحمراء قد ارتفع بنسبة 104% ، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. بلغ وزن اللحوم المستوردة 300 ألف طن في عام 2017، وارتفع هذا الرقم بعد مرور تسعة أشهر فقط من هذا العام إلى 400 ألف طن. وتشير الإحصائيات كذلك إلى أن ما يزيد عن 5%  من إجمالي قيمة العجز في الميزان التجاري خلال الربع الثالث من هذا العام، أي ما يعادل 30 مليار دولار، كان سببها اتجاه الدولة لاستيراد اللحوم فقط.

وفي حين ذكر تقرير عن وزارة الزراعة الأميركية أن تركيا قامت خلال العام الماضي باستيراد اللحوم الحمراء من 26 دولة، نجد أن هذا العدد قد ارتفع هذا العام، بعد إضافة دولة روسيا إلى قائمة هذه الدول، وبذلك تكون تركيا قد دخلت إلى قائمة أكبر عشر دول استيراداً للحوم في العالم.

وفي سياق متصل، ذكر تقرير آخر لمؤسسة الإحصاء في تركيا أن إجمالي اللحوم الحمراء، التي أنتجتها تركيا خلال الشهور التسعة الأولى من العام الجاري، بلغت 859 ألف طن، وهو معدل يزيد بنسبة 9.1% عن معدل الإنتاج خلال نفس الفترة من العام الماضي. وتشتمل هذه الكمية أيضاً على 345 ألف طن حيوانات حية. أضف إلى هذا أن 54 ألف طن أخرى مواشي مذبوحة، وبذلك يصبح إجمالي الاستهلاك 903 ألف طن على أقل تقدير. وعندما نقوم بطرح مقدار اللحوم المستوردة من إجمالي الكمية، ندرك أن الإنتاج المحلي للحوم الحمراء قد تراجع إلى 514 ألف طن، أي بما يعادل 13.5% عن العام الماضي.

وبقسمة إجمالي الكمية على 81 مليون، هم إجمالي عدد السكان في تركيا، ندرك أن نصيب الفرد خلال الأشهر التسعة لم يتعد 11.1 كغم، أي 1.24 كغم شهرياً. وبالمنطق نفسه، فإن نصيب الفرد من اللحوم الحمراء لن يتعدى 15 كغم سنوياً. وتؤكد البيانات المتاحة تصريح وزير الزراعة باكدميرلي. وعندما نفكر في أن إجمالي استهلاك اللحوم في عام 2002 كان 390 ألف طن؛ تقسم على عدد السكان حينها، والذي لم يتجاوز 65 مليون نسمة، ندرك أن نصيب الفرد قد زاد بالفعل بمعدل مرة ونصف. 

من ناحية أخرى، فهذه الأرقام هي الأرقام الإجمالية؛ أي من الممكن أن يوجد أعداد أخرى من السكان، تماماً كما يحدث عند حساب الدخل القومي، تحدث بعض التعقيدات؛ فلو أننا نتذكر أن تركيا لم تكن تعاني من وجود سكان مهاجرين بها في عام 2002، وهو أمر غير متحقق الآن، مع وجود 9-10 مليون مهاجر، من بينهم خمسة ملايين لاجئ سوري على الأقل. وعندما نضع هذه النقطة في الحسبان، مع اقتراب عدد السكان إلى 90 مليون نسمة، ندرك أن نصيب الفرد الفرد من اللحوم الحمراء قد انخفض إلى 1.12 كيلو غرام شهرياً، أما نصيبه السنوي فلن يتجاوز، هو الآخر، 13.5 كيلو غرام، ولا يعبر هذا الرقم بالطبع عن صافي الاستهلاك فقط.

ومن ناحية أخرى، تؤكد الإحصائيات كذلك أن تركيا استقبلت ما يربو عن 36 مليون سائح خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، وأنها نظمت لهم 337 مليون ليلة سياحية داخل تركيا. وبحساب متوسط ما يستهلكه السائح في اليوم، ندرك أنه لن يقل عن 1 كيلو غرام من الغذاء وثلاثة لترات من المشروبات، وأن خُمس هذا الطعام عبارة عن لحوم حمراء، ومنتجاتها.

ويشير هذا أيضاً إلى أن السياح، الذين قدموا إلى تركيا خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، قد استهلكوا ما لا يقل عن 67.5 ألف طن من اللحوم الحمراء خلال هذه الفترة. وبطرح ما يستهلكه السياح خلال هذه الفترة ندرك أن الفرد يستهلك شهريا من اللحوم الحمراء 1 كيلوغرام و44 غراما، و 12.5 كيلوغراما سنويا. ومع ذلك ، تكشف هذه البيانات أن استهلاك الفرد من اللحوم الحمراء خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية قد تضاعف أيضاً، وهذا يعني أن المواطنين المحليين، مضافاً إليهم المهاجرون واللاجئون، يستهلكون 845 ألف و500 طن من اللحوم الحمراء. تؤدي بنا هذه الأرقام في النهاية إلى القول "إن نصيب المواطن التركي من اللحوم الحمراء لا يتجاوز 1 كيلو غرام و44 غرام شهرياً، أي ما يعادل 12.5 كيلو غرام سنوياً".

من ناحية أخرى، تشير البيانات الصادرة أيضاً إلى أن استهلاك الفرد من اللحوم الحمراء قد تضاعف في ظل حكم حكومة العدالة والتنمية. ومع هذا، فليس من الخطأ أيضاً لو قلنا إن معدل الطلب غير الرسمي على اللحوم الحمراء في عام 2002 والسنوات السابقة عليه، كان مرتفعاً أيضاً، وإن الإقبال على شراء اللحوم قد انخفض خلال السنوات الأخيرة. وهذا يدحض مصداقية الأرقام الخاصة بعام 2002، التي استندت إليها الحكومة في بيانها. فعلى سبيل المثال، بلغ إجمالي استهلاك الفرد من اللحوم الحمراء خلال عام 1994 ما يعادل 20.7 كيلو غرام، وفقاً لحسابات اتحاد غرف الزراعة في تركيا. 

وحتى إن كان استهلاك اللحوم قد تضاعف في الأشهر الستة عشر الأخيرة، فإن الإنتاج المحلي للحوم لم يسجل ارتفاعاً بالنسبة نفسها. وإذا قلنا إن تركيا كانت تستهلك 390 ألف طن من اللحوم في عام 2002، فينبغي علينا أيضاً أن نتذكر كذلك أنها لم تلجأ إلى الاستيراد في ذلك الحين. أما الآن فتركيا تستورد ما يقرب من 45% من إجمالي استهلاك اللحوم خلال 9 أشهر. خلاصة القول إن المواطن التركي يستهلك ما يقرب من كيلو غرام واحد من اللحوم الحمراء شهرياً، منه 450 غرام يتم استيرادها من الخارج.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/et-ithalati/ayda-bir-kilo-et-yiyoruz-450-grami-ithal
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.