أحوال تركية
أبريل 11 2019

تركيا راعية الإسلام السياسي تفقد حليفاً استراتيجياً بسقوط البشير

فقدت تركيا التي تعدّ راعية للإسلام السياسي، بتنحية الجيش السوداني للرئيس عمر حسن البشير، حليفاً استراتيجياً كانت تعوّل عليه في تعزيز نفوذها في القارة الإفريقية التي تعد بالنسبة لها منطقة نفوذ، ولاسيما أنها كانت قد عزّزت علاقاتها الاقتصادية ووقّعت العديد من الاتفاقيات معه.

ووجدت تركيا في السودان الذي يعدّ سلّة الغذاء في إفريقيا، ساحة مناسبة لخوض مغامرات سياسية وعسكرية، وممارسة ضغط على كلّ من مصر والسعودية، وتعزيز مكانتها الإقليمية من خلال استغلال ما أمكن استغلاله من ظروف داخلية وخارجية محيطة به.

وحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ الذي يعتبره أنصاره "زعيم العالم الإسلامي"، الالتفاف على خسارة حليفه البشير بالقول إن "أهم ما أتمناه أن يتخطى السودان هذه المرحلة على أساس السلام والمصالحة الوطنية"، وذلك في محاولة منه لمدّ جسور محتملة مع سودان ما بعد البشير.

كما حاول الإعراب عن تمنياته "أن يتمكن السودان الخروج من هذا الوضع بأجواء أخوية، وتفعيل المرحلة الديمقراطية بأسرع ما يمكن". وتعكس لغة أردوغان التي تبدو هادئة ودبلوماسية مدى قلقه، ولاسيما أنه اعتاد اللجوء إلى لهجة خطابية عالية وإطلاق تهديداته ووعوده ضدّ مَن يختلف معه، أو مَن يصفهم بالمتآمرين.

وعملت تركيا على تقوية وجودها العسكري في جزيرة سواكن السودانية التي شكّلت مطمعاً لها سعت من خلاله إلى استعادة ما وصفته بإرث الإمبراطورية العثمانية، لتؤمّن موطئ قدم لها على البحر الأحمر، بما يمكن أن يشكل تهديدا لحرية الملاحة فيه.

كما عمل أردوغان بتصميم كبير على تأسيس منطلق لبلاده على البحر الأحمر في محاولة لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية. وقد افتتحت تركيا قاعدة عسكرية في السودان في أكتوبر 2017 بهدف تدريب الجيش الصومالي، وذلك قبل عام من تأسيس قاعدة مماثلة في قطر.

وشكّلت منطقة البحر الأحمر بالإضافة لخليج عدن أهمية استراتيجية، اقتصادية وأمنية متداخلة يصعب الفصل بينهما، لكل من مصر والسعودية والسودان وإسرائيل، إلى جانب القوى الإقليمية مثل تركيا وإيران والقوى الدولية البعيدة جغرافيا مثل الولايات المتحدة والصين.

ووجدت تركيا فرصة سانحة هناك، وبخاصة أنها أشارت إلى وجود دول ضعيفة بسبب النزاعات الداخلية وقلة الموارد والفقر وعوامل أخرى ساهمت في إضعاف الحكومات المركزية فيها، وهي عوامل ساهمت في لجوء بعض الحكومات لقبول تواجد عسكري أجنبي ونفوذ اقتصادي على أراضيها مقابل مساعدات اقتصادية وعسكرية.

ومع طيّ السودان صفحة الرئيس عمر البشير، تراها تطوي ثلاثة عقود من صفحة مشروع الإسلام السياسي الذي أثبت فشله واقعياً، وتسبب بكوارث على البلاد، وأنتجت تقسيماً وحروباً أهلية ما تزال تداعياتها وتأثيراتها تكبر وتخلف مآسي متجددة.

وفي سياق انهيار جزء من منظومة الإسلام السياسي قال رشيد الخيون، وهو باحث في التراث الإسلامي:

"قلعة أخرى من قلاع الأحزاب الإسلامية الدينية تتهاوى، قضي الأمر ضدّ انقلاب 1989 البشير والترابي، تطبيق الشريعة والجلد وفرض الحجاب، وأكذوبة تبنّي الاقتصاد الإسلامي، وأكذوبة البنك اللاربوي، شخصيات ودول أبدت انزعاجها وبان إحباطها، لأن مشروعهم الإخواني تدهور، فأردوغان سلطان المسلمين، حسب تسمية القرضاوي وقرداغي له، أخذ بالصراخ."

أردوغان أخذ بالصراخ
أردوغان أخذ بالصراخ

وحاول النظام التركي بقيادة حكومة أردوغان الإسلامية استغلال نظام البشير الإسلامي الذي كان يعاني تحت وطأة العقوبات، لتمرير مشاريعه وخططه بالضغط على دول الجوار السوداني، وبخاصة مصر بعد إنهاء حكم الإخوان المسلمين فيها على يدي الرئيس عبد الفتاح السيسي في 2013.

كما سعت حكومة أردوغان إلى أن تكون أراضي السودان بؤرة ضغط على السعودية التي تقف بوجه منظومة الإسلام السياسي الإخوانية.

ولا يخفى أن أي تحرك من قبل الجيش من أجل حماية مؤسسات الدولة، أو الانتصار لمطالب الشعب، يثير سخط أردوغان واستياءه، لأنه يستعيد تجربة محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادتها فصائل من الجيش في منتصف يوليو 2016، وما تزال بالنسبة له مثار قلق ورعب متجددين، برغم استغلاله لها للتنكيل بمعارضيه واعتقال مئات الآلاف منهم، والتضييق على الحريات في البلاد بشكل خطير.

وحاول نظام أردوغان تبييض صفحة البشير ونظامه، من خلال التقرب منه واستغلال وضعه، وتقوية منظومة الإسلام السياسي ومنحه جرعة تعزز هيمنته بالانفتاح عليه، وتجاهل ما تسبّب ما به نظام البشير الذي كان جزءاً من هذه المنظومة، التي تشكّل تركيا رأس الحربة فيها، وتزعم قيادتها، في انفصال جنوب السودان، كما تسبب بحروب أهلية في دارفور وكردفان وغيرهما من المناطق السودانية.

وكان البشير قاد السودان، تحت تأثير حسن الترابي، نحو حكم إسلامي أكثر تشددا. واستضاف في التسعينيات زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ثم عاد وطرده بطلب من الولايات المتحدة.

وسعى للعب على الخلافات الإقليمية والدولية في تحسين وضعه كرئيس لنظام يطيل عمره بالاعتماد على التناقضات الدولية والإقليمية السودان.

ففي عام 2013 استضاف الرئيسَ الإيراني حينذاك محمود أحمدي نجاد في الخرطوم، وبعد عامين انضم البشير للتحالف الذي تدخل بقيادة السعودية في الحرب اليمنية.

كما سعى البشير للتودد إلى تركيا وروسيا في الوقت الذي صعدت فيه الخرطوم تعاونها الأمني مع واشنطن على أمل التعجيل برفع العقوبات المفروضة على البلاد. وقد رفعت العقوبات عام 2017.

ومنذ توليه السلطة في السودان، الذي كان حينذاك أكبر دول إفريقيا مساحة، خاض حربا أهلية طويلة مع متمردين في جنوب البلاد انتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان أكثر من 70 في المئة من نفط السودان.

وقام البشير رئيس المجلس العسكري الذي استولى على السلطة عام 1989 بحل المجلس عام 1993 وحكم البلاد منذ ذلك الوقت بقبضة من حديد واتهمته جماعات حقوقية باللجوء للعنف والتعذيب للتخلص من خصومه السياسيين.

وفي مواجهة الأمر بالقبض عليه الذي أصدرته المحكمة الجنائية الدولية بسبب مقتل عدد يقدر بنحو 300 ألف شخص في دارفور، وتحدى البشير المحكمة الدولية وواصل زياراته للدول الأجنبية الصديقة محاولا إظهار أنه لم يذعن للأمر الدولي بالقبض عليه الذي أصدرته المحكمة.