اومت اوزكرملو
مارس 01 2018

تركيا: روح القومية الجديدة.. عودة لزمن ضياء كوك ألب

كان مشهدا مهيبا ومثيرا للمشاعر بدون شك، حتى إن أحدا لا يمكن أن يمحو من الذاكرة ذاك اليوم عندما حمل أنصار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فتاة صغيرة كانت ترتدي زيا عسكريا مموها إلى المنصة بينما كان الرئيس يلقي خطابا أمام حزبه. 
بعينين مغرورقتين بالدموع لاحظهما الرئيس وقفت الفتاة إلى جواره فضمها إلى جناحه وقبل وجنتها محاولا تهدئتها وقال "أنظري لدينا قبعاتنا الحمراء، القبعات الحمراء لا تبكي". وأردف قائلا "عمليات الدرك الخاصة ورتبة مقدم وقبعة حمراء... ما شاء الله. وهي في جيبها العلم التركي. إذا صارت شهيدة ستلتحف هذا العلم. إنها مستعدة لكل شي، أليس كذلك؟" 
هذا المشهد المهيب ذكرني بواقعة أخرى مشابهة حدثت في عام 2008 عندما تلقى رئيس الأركان وقتها يسار بويوكانيت علما تركيا مطليا بدماء 13 من طلبة المدارس الثانوية وذكرت الصحيفة التي تولت التغطية الإعلامية "للمناسبة" آنذاك أن "العلم هز مشاعره".
بعد ذلك أخذت أفكر في عنوان تقرير أعده جون هالبين ومايكل ويرز وآلان ماكوفسكي وماكس هوفمان من مركز التقدم الأمريكي، وهو مركز بحثي غير حزبي مقره واشنطن دي.سي، يلخص نتائج مسح جديد حول التصورات الذاتية التركية ويعلق عليها. سأل معدو التقرير "هل تشهد تركيا حالة جديدة من القومية؟" كان ردهم إيجابيا. قدم المسح بالتأكيد بعض الرؤى الأصيلة وغير المسبوقة. لكن لماذا يرى المؤلفون حاجة للإشارة إلى "روح قومية جديدة"؟
للأسف أكدت نتائج المسح بكل بساطة ما نعرفه بالفعل من عشرات المسوح الأخرى المشابهة التي أجريت خلال العقدين الأخيرين. وأجرت المسح الجديد شركة ميتروبول التي عقدت لقاءات مباشرة وجها لوجه مع ألفين و453 شخصا من 28 محافظة في نوفمبر 2017. في هذا الصدد، يمكن قراءة المسح أيضا على أنه تتمة للمسح الذي أجرته جامعة بيلجي بعنوان "أبعاد الاستقطاب في تركيا" والذي ناقشته ببعض التفصيل قبل أسبوعين.
أكدت أغلبية كبيرة من المشاركين (86 بالمئة) أن "انتمائهم للجنسية التركية" جزء مهم من هويتهم. كما أن المفاهيم والتصورات المتعلقة "بما يعنيه أن تكون تركيا" جاءت أيضا متماشية مع نتائج المسوح السابقة، وكان الإيمان بعائلة قوية وتحدث اللغة التركية وأن تكون مسلما مكونات الهوية الثلاثة الأبرز التي تحدث عنها نحو 68 بالمئة من المشاركين الذين قالوا إن تلك العوامل الثلاثة كلها "مهمة جدا" في تعريف الهوية التركية.
ولم تغفل النتائج تسجيل مدى انتشار ومقبولية ما يعرف بمتلازمة سيفر، وهي الاعتقاد بأن الغرب عازم على تقسيم تركيا كما فعل مع الدولة العثمانية. ويوافق نحو 84 بالمئة من المشاركين على أن "النخب السياسية والاقتصادية العالمية لديها الكثير من السطوة على تركيا ويجب مقاومتها". 
يخالط ذلك شعور قوي بمعاداة المهاجرين حيث قال 78 بالمئة إنهم يتفقون مع الرأي القائل إن "تركيا تهدر الكثير جدا من الوقت والمال للعناية بمهاجرين من دول أخرى بينما يجب أن تركز أكثر على مواطنيها". 
وكانت هناك نتيجة أخرى مثيرة، وإن لم تكن غير متوقعة على نطاق واسع، وهي الاعتقاد بأن "تركيا في ظل حكم أردوغان تحقق مفهوم أتاتورك لأمة مستقلة وقوية" وتبنى هذا الرأي في الأغلب مؤيدو حزب العدالة والتنمية.   
وهذه النتائج التي خلص إليها المسح مهمة، لكن ما الذي يقود معدي التقرير إلى استنتاج أن هذه "روح قومية جديدة" ترتكز بقوة على الإسلام ومعارضة دول الغرب والمواطنين غير الأتراك؟"

Erdoğan

إذا كانوا يشيرون إلى مركزية دور الإسلام في تعريف الهوية التركية، كما يبدو أنهم يفعلون عندما يشيرون إلى الثمانين بالمئة الذين يتفقون مع الرأي القائل إن "الإسلام يلعب دورا محوريا في حياتي"، فهذا أمر ليس فيه جديد وهو معروف لجميع المراقبين للشأن السياسي التركي سواء كانوا خبراء أم لا.
وإذا كان المقصود بهذا لفت الانتباه إلى"نموذج جديد من القومية التركية" فإنهم أيضا غير دقيقين لأن الإسلام ظل مكونا مهما في أنماط متعددة من الشعور القومي التركي على الأقل منذ التحول إلى السياسة الحزبية التعددية. 
وكما أشار عدد من المعلقين، هذه الأنماط كانت تختلف عن التصور الأتاتوركي الرسمي فقط في درجة التأكيد على أهمية الدين في تعريف الهوية التركية (أنظر مثلا مقالي المعنون "طوبوغرافيا القومية في تركيا: الفاعلون والحوار والصراع من أجل الهيمنة" في كتاب المحررة ريفا كاستوريانو المعنون "تركيا بين القومية والعولمة"، الناشر روتليدج في لندن سنة 2013؛ أو مقال تانيل بورا بعنوان "حوارات القومية في تركيا" في مجلة ساوث أتلانتيك كوارترلي، العدد 102 (2/3) 2003، 433-51).
لكن الأهم من ذلك هو أن الكتاب يغضون الطرف عن العلاقة المعقدة بين القومية العلمانية الرسمية والإسلام الذي استخدمته النخب الجمهورية لحشد الجماهير الأناضولية حول الأهداف الجوهرية للثورة الأتاتوركية. في واقع الأمر، لقد كان الحل الذي اقترحه أحد الأبوين المؤسسين للقومية التركية، وهو ضياء كوك ألب، لمعضلة هوية الدولة الوليدة توليفة جمعت ما وصفه بأنه العناصر الثلاثة للهوية التركية وهي الانتماء للقومية التركية والإسلام والحداثة وأجمل ذلك في شعار "أن تكون أمة تركية دينها الإسلام وحضارتها أوروبية".
صحيح أنه على المستوى البياني على الأقل، قلل مؤسسو الجمهورية من دور الإسلام عندما جاءوا إلى تعريف معنى أن تكون تركيا "عصريا". بل إنهم تبنوا سلوكا أكثر مواءمة تجاه الدين في التطبيق العملي ليبقوه تحت السيطرة بدلا من محاولة اجتثاثه. وقد كان الإسلام الأداة التي استخدمها الحزب الديمقراطي للتصدي لهيمنة مؤسسة حزب الشعب الجمهوري من عام 1950 فصاعدا.
وما نشهده اليوم ليس صعودا لنوع جديد من القومية، بل هو عودة لضياء كوك ألب الذي وصفه شريكه المؤسس للقومية التركية يوسف آقجورا بأنه "شيخ" أو مرشد روحي في مقال كتبه لعدد خاص من مجلة "تورك يوردو" الأشهر في تركيا وقتها وأفرده لحياة كوك ألب وتعاليمه في أعقاب وفاته عام 1924. كان هذا الوضع بحذافيره كمرشد وشيخ هو الذي أقنع الشباب في تركيا بالانضمام "للأخوية الأمثل على الإطلاق، وهي أخوية القومية التركية". (لمطالعة هذه المقتبسات وما يليها انظر كتاب أوموت أوزكريملي وسبيروس أ. سوفوس بعنوان "المعذبون بالتاريخ: القومية في اليونان وتركيا"، الناشر هيرست آند كو وجامعة أوكسفورد سنة 2008).
يقول كوك ألب إن الأتراك كانوا أمة تتمتع بثقافة ثرية لكنها كانت تفتقر إلى الحضارة وإنها استعارت "مؤسسات الشعوب الأجنبية وأنتجت منها حضارة مصطنعة بدلا من أن تؤسس حضارتها المتفردة". وفسر هذا الأمر أيضا الفجوة بين المتعلمين المثقفين و"عامة الشعب" في تركيا. 
ولمد جسور تواصل بين اولئك وهؤلاء يجب على المثقفين "أن يذهبوا إلى الناس" ويتعلموا منهم أصول الثقافة الوطنية وأيضا يعرِّفوهم بالحضارة الحديثة. كانت المعادلة التي اقترحها بسيطة ومباشرة تماما وهي "دعونا نحاول أن نكتسب كل شيء يتعلق بالتقنيات من أوروبا، لكن لنؤسس أيضا ثقافتنا بروحنا الوطنية فحسب".
هل يبدوا هذا مألوفا لك؟


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: