تركيا شريك غير مرجح مع تبني أميركا استراتيجية مناهضة لإيران

قال خبراء ومراقبون لموقع "أحوال تركية" إن تركيا شريك إقليمي غير مرجح للولايات المتحدة في مساعيها لاحتواء إيران، وذلك في ظل أحدث تحول في سياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب، والذي تخلى فيه عن اتفاق إيران النووي وتبنى سياسة أكثر عداء لإيران.
وانخرط مسؤولون ورجال أعمال أتراك في الآونة الأخيرة في صفقات مع إيران تنتهك العقوبات المفروضة عليها. كما اقتربت تركيا من إيران مع تعاون البلدين مع روسيا في جهود حل الصراع الدائر في سوريا، حيث تعقد الدول الثلاث محادثات سلام في أستانة تقوض محادثات السلام المدعومة من الغرب في جنيف.
على الجانب الآخر، قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لدى إعلانه عن استراتيجيته الجديدة تجاه إيران في 21 من مايو، "سوف نتعقب العملاء الإيرانيين ووكلاءهم في حزب الله الناشطين في أنحاء العالم وسوف نسحقهم. لن تتمتع إيران مرة أخرى أبداً بتفويض مطلق للهيمنة على الشرق الأوسط".
وانضم الآن مايك بومبيو، الذي هدد بالفعل وكلاء إيران في المنطقة، إلى إدارة ترامب التي تعرف بكونها إحدى أشد الإدارات المناهضة لإيران منذ عقود. ولا يزال توجهه بخصوص الشؤون التركية غير واضح، برغم أنه عندما تبين أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد تغلب على محاولة الانقلاب في يوليو 2016 اتهم بومبيو أردوغان في تغريدات على تويتر بتحويل تركيا إلى دكتاتورية إسلامية.
وقال جوناثان شانزر، نائب رئيس الأبحاث لدى مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية أميركية "لأحوال تركية"، "لا أعتقد أن بومبيو لديه أي أوهام بشأن أردوغان".
وأضاف شانزر "لم أر حتى الآن بيانا من وزير الخارجية الجديد بشأن تركيا وسياستها الخارجية. آمل أن يتبنى نهجا أشد صرامة ويطالب أنقرة بالعودة إلى كنف حلف شمال الأطلسي. بدون رسالة واضحة وفق تلك الخطوط، فنحن شبه متيقنين من أن تركيا سوف تبتعد أكثر عن واشنطن وباقي الغرب".
وفي مؤشر على احتمال حدوث ذلك، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، يوم الخميس الماضي، عقوبات على مواطن تركي وثلاث شركات تركية لدعمهم شركات إيرانية، كانت خاضعة سابقا للعقوبات الأميركية، ولها صلات بجماعات مصنفة على أنها إرهابية.
وقال شانزر الذي عمل سابقا محللا مختصا بشؤون تمويل الإرهاب بوزارة الخزانة الأميركية "العقوبات الجديدة على شبكات توريد في تركيا هي علامة على أنه لا تزال هناك مشكلات غير قانونية موجودة في تركيا من عهد ضراب. في الماضي، ربما كانت وزارة الخزانة تحاول التعامل مع هذا بمزيد من الهدوء من أجل المساعدة في إبقاء التحالف على مسار إيجابي. أرى أن فرض العقوبات علامة على تنامي خيبة الأمل لدى الولايات المتحدة".
وكان رضا ضراب، وهو تاجر ذهب إيراني تركي، الشاهد الرئيسي للحكومة الأميركية في محاكمة جرت في نيويورك، في نوفمبر الماضي، لمحمد حقان عطا الله؛ المسؤول التنفيذي في بنك خلق التركي الذي اتهم بمساعدة ضراب في برنامج شمل شحن سبائك ذهبية إلى إيران في مقابل نفط بما ينتهك العقوبات. وأدين عطا الله بخمس تهم شملت المساعدة في تسهيل مخطط ضراب وحكم عليه الأسبوع الماضي بالسجن 32 شهرا. ونظرا لضلوع مسؤولين أتراك في انتهاك العقوبات، أدى هذا إلى مزيد من التوتر في العلاقات التركية الأميركية.
ولم تنته بعد تبعات قضية ضراب وعطا الله. ويتوقع خبراء ومراقبون أن تفرض السلطات الأميركية عقوبة مشددة على بنك خلق لدوره في مساعدة إيران في التحايل على العقوبات، وخاصة في الفترة بين 2011 و2015. 
وقال شانزر إن بنك خلق والسلطات الأميركية يتفاوضان حاليا. وأضاف "مساعي التوصل إلى تسوية متفق عليها بشأن انتهاك بنك خلق للعقوبات مستمرة، وهناك مؤشرات على أن الطرفين توصلا إلى اتفاق. لا أعتقد أن أردوغان يمكن أن يوافق على أي تسوية قبل الانتخابات، في الواقع ربما لعب هذا دورا في قراره تقديم موعدها".
وقال ستيفن كوك خبير شؤون تركيا والشرق الأوسط لدى مجلس العلاقات الخارجية "لأحوال تركية"، "يزعم الأتراك أنهم سيقبلون غرامة مناسبة، لكنهم لا يوضحون ما يعنيه هذا. يقولون أيضا إن غرامة كبيرة جدا سينظر إليها على أنها غرامة سياسية. في ظل تلك الملابسات، يبدو مرجحا أن العلاقات ستزداد توترا نتيجة ذلك". 
وأقر مجلس النواب الأميركي، يوم الخميس الماضي، مشروع قانون يعاقب تركيا على قرارها شراء نظام الدفاع الجوي الروسي إس-400، ويمنعها من شراء الطائرات إف-35، ويضعها تحت طائلة مزيد من العقوبات في فترة اضطراب اقتصادي وقبيل الانتخابات المقررة في 24 يونيو.
وتتحول إيران إلى مشكلة أكبر بين أنقرة وواشنطن. وفي وقت سابق من مايو عبر الرئيس أردوغان عن تأييده للاتفاق النووي مع إيران برغم قرار الولايات المتحدة الانسحاب منه.
وقال نيكولاس دانفورث كبير محللي السياسات لدى مركز سياسة الحزبين "لأحوال تركية": "ربما كانت استراتيجية أميركية تركز على احتواء إيران على الأرض في سوريا- باستخدام قوات أميركية وليس وحدات حماية الشعب- لتنال دعما حقيقيا من أنقرة".
وقالت وكالة أنباء "صباح اليومية" الموالية للحكومة التركية في افتتاحية لها، في فبراير، إنه من أجل احتواء إيران، ستكون المساعدة التركية ضرورية. ودعت واشنطن إلى التخلي عن دعم وحدات حماية الشعب الكردية. 
كانت ميليشيات تدعمها إيران قد ساعدت الأكراد لفترة وجيزة في فبراير، عندما هاجمت تركيا عفرين، وقصفت تركيا تلك الميليشيات بكثافة.
لكن في الوقت نفسه دارت اشتباكات ومنافسة بين قوات سوريا الديمقراطية المرتبطة بوحدات حماية الشعب وميليشيات تدعمها إيران في محافظة دير الزور السورية.
وفي الوقت الحالي، ما زالت واشنطن تدعم قوات سوريا الديمقراطية في معركتها ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ويقول خبراء إنه ينبغي أن تحصل قوات سوريا الديمقراطية على دعم أميركي متواصل من أجل احتواء النفوذ الإيراني.
وتعتبر وزارة الدفاع الأميركية مشاركة الجيش الأميركي في جهود إرساء الاستقرار بشرق سوريا ضرورية لمنع إيران ووكلائها من شغل الفراغ الأمني الذي ربما يظهر إذا لم يحدث ذلك. 
وفي وقت سابق قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه يريد الانسحاب من سوريا، برغم أنه غير رأيه بعد ذلك فيما يبدو. 
وقال نيكولاس هيراس الباحث لدى مركز الأمن الأميركي الجديد في واشنطن "لأحوال تركية"، "فكرة أن الولايات المتحدة تحتاج تركيا للحد من نفوذ إيران تعتمد في جوهرها على قراءة محددة لتركيا كدولة عثمانية جديدة، تحت رعاية الرئيس أردوغان، تتطلع إلى إعادة بناء سلطتها في أرجاء الشرق الأوسط الكبير". 
ووفقا لهيراس، فإن البعض يرى الدولة التركية كمنافس طبيعي وكابح للنفوذ الإيراني، لاسيما الدول العربية في الشرق الأوسط. وأضاف "في سوريا، ستكون الفكرة أنه إذا تمكنت الولايات المتحدة من التقارب مع تركيا، فسوف تسيطر تركيا والولايات المتحدة معا على منطقة كبيرة لحلف شمال الأطلسي بطول شمال سوريا يمكن أن تضيق الخناق على الأسد وإيران".
غير أن سينج ساجنيتش الباحث لدى مركز موشيه دايان لدراسات الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب يرى أن هذا غير منطقي في ظل الوضع الحالي. 
وأبلغ "أحوال تركية"، "خلافات تركيا مع الولايات المتحدة عميقة بدرجة لا تسمح لأنقرة بالتحالف مع واشنطن ضد إيران".
وأضاف "بشكل خاص، المشاعر المناهضة للغرب المتنامية بسرعة والتي تغذيها الحكومة تعد إحدى العقبات الرئيسة أمام اتخاذ أنقرة مثل هذا الموقف ضد إيران. ويضاف إلى هذا شراكة تركيا مع روسيا وإيران في عملية أستانة". 
لذلك فإن الوضع لا يبدو ورديا بالنسبة لأنقرة، برغم أن برنامج حزب العدالة والتنمية الحاكم الانتخابي يتعهد "بالتغلب على المشكلات مع الولايات المتحدة". وإعادة فرض العقوبات الأميركية على إيران ستؤثر بالتأكيد على تركيا. 
وقال المحلل دانفورث "لأحوال تركية"، "إلا أن استراتيجية تركز بالأساس على العقوبات يمكن أن تزيد التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا. حتى عند معارضة دور إيران الجيوسياسي التوسعي في المنطقة، كانت أنقرة تحرص على الحفاظ على علاقات تجارية مربحة للطرفين مع إيران".
وقال ستيفن كوك "من الواضح جليا أن الولايات المتحدة هي صاحبة النهج الناشز بين حلفائها التقليديين الأوروبيين وفي حلف شمال الأطلسي. ويعتقد الأتراك بوضوح أن الاتفاق النووي هو أفضل سبيل لوقف تطوير برنامج إيران النووي. وهناك أيضا مساع تركية طويلة الأمد (تسبق عهد حزب العدالة والتنمية) لتطوير علاقات تركيا التجارية مع إيران".
وأضاف "إذا قامت شركة تركية بأعمال تجارية في إيران، فستكون هدفا لعقوبات ثانوية أميركية. ويمثل ذلك مشكلة لا ترغب الحكومة في الوقت الحالي في التصدي لها، برغم أن ضعف الاقتصاد التركي، هو بالفعل نتيجة أسباب هيكلية ويحتاج إلى تغييرات مؤلمة". 
وتابع يقول "نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة بسبب الغموض حول مستقبل الاتفاق النووي، وتزايد احتمال نشوب صراع بين الولايات المتحدة وإيران، يزداد عجز ميزان المعاملات الجارية التركي اتساعا. هذا مشكلة". 
ووفقا لساجنيتش فلن يكون لهذا بالضرورة تأثير مباشر على تركيا أو على الأصول التركية حول العالم، ما دامت الحكومة التركية لا تكرر نفس الأخطاء التي وقعت فيها على مدى العقد المنصرم.
لكن ساجنيتش يتوقع أن تسعى طهران على الأرجح لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع تركيا (لاسيما شراء الذهب) للتحايل على مشكلات السيولة في حالة استئناف فرض العقوبات.
وقال "بعبارة أخرى، ربما تحاول الحكومة الإيرانية إحياء القنوات القديمة التي استخدمتها في السابق لتجاوز العقوبات الدولية، إحداها تركيا، بعض البنوك التركية ورجال الأعمال الأتراك بدعم مزعوم من الحكومة نفسها".
وأضاف "ينبغي للحكومة التركية أن تكون أكثر حذرا نظرا لأن تعاملاتها الاقتصادية مع إيران ستخضع للمراجعة بالتفصيل إذا استؤنفت العقوبات".
ومن المستبعد أيضا أن تساعد تركيا الولايات المتحدة في احتواء إيران في ظل استمرار النزاعات بين تركيا والولايات المتحدة بشأن سوريا، وقضية غولن، والدعم الأميركي للجماعات الكردية.
وقال ساجنيتش "لا يمكن توقع أن تكون تركيا شريكا للحكومة الأميركية في احتواء إيران، ولا يبدو أيضا أن تركيا لديها مثل تلك النوايا".

ولذلك، فقد أشار إلى أن من الأفضل لتركيا البقاء بعيدا عن المعاملات التجارية مع إيران والحفاظ على الحياد في النزاع الأميركي الإيراني "(...) بدلا من (لعب) لعبة خطيرة للاستفادة من وضع إيران المعزول المحتمل."


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.