تركيا.. عندما تتحول ارغينكون إلى قضية انتقام!

في الوقت الذي كانت فيه جماعة غولن مصدر إزعاجٍ لجماعات الإسلام الراديكالي؛ بحديثها المستمر عن خطاب المصالحة، والديمقراطية، والحوار بين الأديان، كانت القطاعات الأخرى ذات التوجه العلماني، التي تبحث عن طوق نجاة ينتشلها مما هي فيه، تراقب نشاط هذه الجماعة باهتمامٍ بالغ. إذ أحدث التأثير المتنامي للإسلام الراديكالي، في تلك الفترة، حالةً من الاضطراب، أخذت تتزايد في العديد من قطاعات الدولة؛ لأن جماعة غولن كانت تتعاون مع كل شخصٍ أو كل جهة تمدّ يدها إليها. كما أنها كانت تبدي اهتمامًا كبيرًا بإعلاء القيم السامية، وتقديم الدين بالشكل الذي يمكن للآخرين أن يتقبلوه.

لقد أثمر ذلك الوضع الفائدة المرجوة؛ مثل التطرق كثيرًا لمفاهيم مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات، ومناقشتها. الأمر الذي ظل أنصار جماعات الإسلام الراديكالي يتحاشون التطرق إليه. غير أن هذا الوضع كان ينطوي، في الوقت نفسه، على مخاطرة كبيرة.

كانت الجماعة تخشى أن تتوافق مع هذه الأفكار، ثم تُضطر بعد ذلك إلى تغيير آرائها، إذا فشلت في نهجها هذا. الأمر الذي سيضعها في موقف سيء حينئذٍ. وعلى الجانب الآخر، كان اتجاه الجماعة إلى استخدام لغة العلمانيين، الذين تابعوا أيضاً نشاط الجماعة بشك وريبة، يمثل خسارة فادحة بالنسبة للجماعات الدينية، التي لم تعد تثق بدورها في جماعة غولن.

كانت هذه المفاهيم، وما تحمله من قيمٍ، حسنة كانت أو سيئة، هي نقطة الخلاف، التي ظهرت على الملأ بين هاتين الجماعتين المتناحرتين. وكان من الطبيعي أن يدين الفهم الإسلامي الراديكالي، الذي يرى الديموقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات "بروتستانتية دينية"، هذه المفاهيم، انطلاقًا من تجربته السلبية معها.

وفي الوقت الذي تذرع فيه الإسلاميون باقتناعهم بمفاهيم مثل الديموقراطية، وحقوق الإنسان كانوا يتخذونها مطيةً لهم للوصول إلى أهدافهم، كانوا يستغلون هذه الصراعات في حين أنهم لم يجدوا في داخلهم ما يمنع من تكرار المواجهة التاريخية مرات أخرى. وجعل الإسلاموفوبيا الذي تتصاعد وتيرته في الغرب كل من يحاول الالتقاء على أرضية مشتركة مع هذا الفكر الديني، والعلماني في وضع لا يحسدون عليه، ليس هذا فحسب بل وعزَّز كذلك من وجهات النظر المتضاربة.

بدأت قضية إرغينكون انطلاقاً من فكرة المحاسبة؛ محاسبة الحزب الحاكم على سلوكه، بعد فضائح 367 (المقصود بها النسبة المطلوبة لانتخاب رئيس الجمهورية في أحداث 2007، عندما تعذر حصول الحزب الحاكم على نسبة الأصوات؛ فتحايل على ذلك بالدعوة لانتخابات مبكرة) التي أخذت بعدًا سياسياً في عام 2007. لقد كانوا يُشبِّهون زكريا أوز بأشهر رجال القضاء في إيطاليا، وتُعلِّق الجماعة المحافظة  آمالاً عريضة عليه في هذه القضية.
أضافت مذكرة الادعاء جماعة فتح الله غولن على قائمة المنظمات الإرهابية الجديدة. وجرى الحديث، بعد ذلك، في اتجاه أن المدعي العام زكريا أوز، لا بد أن يتمتع بحماية فائقة، وأن هناك حاجة ماسة إلى توسيع صلاحياته. وفي أثناء المحاكمة، أثار مجلس الدولة، الذي جرى تطويره خلال هذه القضية، الادعاءات بأن ألب أصلان ، الذي استرعى الانتباه بشخصيته غير المتوازنة، كان يُستغل من قبل بعض الناس، في إشارة لوجود  نظريات المؤامرة.

وكان أصحاب الفكر المحافظ، الذين ينبغي لهم أن يكونوا قادرين على مواجهة تسييس القضية، في ضوء توفر مبدأ الاستقلال القضائي، يلجئون أيضاً إلى  نظريات المؤامرة نفسها. ولم يفهم بعد أولئك الذين ينزعجون من تسييس قرار 367 أنهم قد وقعوا، هم أيضًا، في تسييسٍ مشابه في قضية ارغينكون.

وعندما تكون إرغينكون هي القضية التي تغذي فكرة الانتقام، ستقل قيمة الحجج، والأسانيد القانونية، التي يمكن تقديمها. وبالتالي سنتحدث عن التسييس من جديد. وقد أدت هذه النتيجة المؤسفة إلى اختطاف فرصة تاريخية كان من الممكن أن تحدث تغييرًا كبيراً.
أدى العجز عن استيعاب المتدينين مكنون الخطاب الديمقراطي، بشكل كافٍ، إلى خوضهم تجربة سيئة، وإلى تفريغ المفاهيم من محتواها.

وفي الإطار نفسه، رسبت الحكومة وجماعة غولن، التي عانت أشد المعاناة من جرَّاء تسييس السلطة القضائية في أوقات ضعفها، وذلك عند اختبارها في قضية إرغينكون، بعد أن صارت في موضع القوة. وتضاءلت الثقة في إجراءات المحاكمات، بعد أن تحوَّل احتجاز المتهمين؛ من مجرد احتجاز لمدة مبالغ فيها، إلى عقابٍ طويل الأمد. ونتيجة لذلك، فقد أثارت هذه القضية حفيظة المدافعين عن حقوق الإنسان، والأقليات المسلوب حقها، والأكراد بطبيعة الحال.

ومع ذلك، لم تراعِ الحكومة، وجماعة فتح الله غولن – من خلف هذه القضية- تغليب القانون. كانت قضية إرغينكون فرصة عظيمة؛ لأن ظهور الدولة العميقة، على المدى القريب، كان من الممكن أن يصبح موضع تقديرٍ كبيرٍ في المواجهة الديمقراطية.

ولم يكن لهذا التطور أن يأخذ شكل عناوين عريضة، مثيرة، تدعو إلى فتح الباب على مصراعيه؛ لاستخدام أي شيء لكسر ظهر المعارضة. وبذلك فقدنا فرصة عظيمة للاتجاه نحو الديمقراطية. لم يكن هناك مجال في خضم النتيجة السيئة للوقوف مع النفس، أو للنقد الذاتي الصحيح. فلو أن هذه القضية أخذت مسارها الصحيح، بما يتوافق ومبادئ القانون الحقيقية، لقُطِع دابر الفكر المتطرف، الذي يتحدث عن الديمقراطية، عندما يشعر بالحاجة إلى هذا فقط، وقد يصبح الوعي الديمقراطي أكثر نضجاً حينها.

وفي النهاية بدأت المعركة. أخذت الخلافات، والتوترات بين أردوغان وغولن تتزايد يوماً بعد يوم. وللمرة الأولى يطفو الاحتكاك الذي ظل يتوارى لفترة طويلة خلف علاقة الرجلين؛ ليتحول إلى معركة حامية الوطيس.

وكان إغلاق الفصول الدراسية، وظهور قضايا الفساد على السطح، بمثابة تطورات ستفتح الطريق أمام وضع خط النهاية للديمقراطيات المتخلفة. وبالتالي تحولت الأنظار بعيداً عن مفاهيم مثل الديموقراطية، والحريات التي عانت منها الأوساط الدينية المتناحرة، التي لا يجمعها سوى الكراهية، والحقد، والغضب، في خضم هذه البيئة القتالية.
ومع انقلاب 15 يوليو تعرّضت الديموقراطية لهزِّة عنيفة، تحت زعم المحافظة على الديمقراطية نفسها، التي أراد الانقلاب أن ينقض عليها. ومرة أخرى، لم تحدث المواجهة اللازمة مع الانقلاب، وكانت الضحية تتحصن بالقوة، بديلًا عن اللجوء إلى ترياق الديموقراطية. ولم تكن حالة الطوارئ المعلنة تتماشى، أو تتفق مع مبادئ الدستور. كان من الواضح أن  خفافيش السلطة، هي القوة المهيمنة على الوضع في البلاد؛ فصرنا إلى وضعٍ يمكن أن نعتبر من يبحث عن الحق فيه، مذنبًا يتعين محاسبته.
اتهمت الحكومة، بعد محاولة الانقلاب، القاعدة الشعبية لجماعة غولن بالوقوف خلف هذه المحاولة الفاشلة، وأخذت تعتقل أتباع الجماعة، وتُنزل بهم عقابًا شديدًا للغاية. وانتهجت الدولة نهجًا يقضي بتوقيع عقوبات قاسية للغاية على المتهمين؛ تحسبًا للجوئهم إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في المستقبل، التي قد تخفِّض العقوبة. وأدت هذه العقوبات المبالغ فيها إلى سحق قاعدة جماعة غولن، التي تعرضت لمعاملة لا إنسانية.
لا أعتقد أن المديرين التنفيذيين لجماعة غولن لم يتحسبوا بما يكفي؛ لاحتمال أن تسفر هذه المعركة عن هذا الوضع الصعب الذي يعيشونه اليوم.

أعتقد أن قيام المسئولين الكبار في جماعة غولن بمحاسبة أنفسهم؛ فيما يخص حالة الاعتقالات طويلة الأمد، والعقوبات المشددة، وحالة الشتات التي تعيشها الجماعة، ستجعلهم يراجعون مواقفهم. ومن ثم سيصبح لديهم القدرة على الصمود، والمواجهة، والمحاسبة.

لقد كان لإعلان حالة الطوارئ، في مجتمعٍ أغلبه من المحافظين، والمتدينين، تأثير الصدمة. وكان أبرز مظاهر هذه الصدمة، هو تعرُّض المحافظين، الذين تعرَّضوا للظلم، إلى خيبة أمل من تيارٍ محافظٍ آخر؛ حتى إنْ كان هذا التيار يختلف عنهم، بعض الشيء، في طريقة التفكير.

وقد اعترف الكثير من ضحايا مراسيم القرار، بحرجٍ كبيرٍ؛ لكون معظم الذين تعرضوا للإبعاد حتى اليوم، هم من أكبر المؤيدين؛ من اليساريين، والأكراد، والعلويين. وكانت هذه التطورات، في الواقع، فرصةً لتقديم كشف حساب؛ يُعرض على الملأ؛ من أجل مفهوم الديمقراطية التي وصلت إلى الحضيض.

أعتقد أن خوض هذه التجربة كان من الأهمية بمكان بالنسبة لأي فرد ينتمي لهذه الجماعة المحافظة، لم يفكر، حتى وقت قريب، في الانفصال عن سلطة الجماعة بعد هذه التجربة المريرة.

 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: