تركيا.. عندما تضعُف القوة الشرائية للشعب يعجز التجار عن سداد القروض

 

تسبّب ضعف القوة الشرائية للشعب في السنوات الأخيرة- مع اتجاه الوضع العام في البلاد تدريجياً نحو التأزم- في إنهاك التجار وأصحاب الحرف في تركيا. وكان صغار التجار أكثر الفئات تأثراً بالتقلبات الاقتصادية التي نتعرض لها اليوم.
لم يشعر هؤلاء التجار بالراحة المنشودة عند تعاملاتهم مع البنوك أو عند حصولهم على القروض التي توفرها لهم الحكومة حتى يتمكنوا من الاستمرار فى أعمالهم  والنهوض بها. إذ لم يستطع هؤلاء التجار أن يستفيدوا من هذه القروض. إما بسبب عجزهم عن الوفاء بشروطها، أو عجز الذين حصلوا عليها عن سداد الأقساط المُستحقة عليهم.
مصطفى أوزتشليك خبير في صناعة الحلويات يعمل في أحد المحال منذ 29 عاما. أنفق مصطفى مدخراته - بالإضافة إلى قرض حصل عليه - في تجهيز محل للحلويات خاص به افتتحه قبل عامين في أحد الشوارع الجانبية في منطقة بي أوغلو بإسطنبول.
كان مصطفى يشعر بسعادة غامرة لأنه أصبح صاحب العمل في نهاية الأمر. ومع هذا لم تكفِ مدخراته والنقود التي اقترضها لسداد ما عليه من ديون.
"اضطررت في بادئ الأمر أن اقترض من البنك الاقتصادي التركي قرضاً بقيمة 30 ألف ليرة تركية بفائدة قدرها 1.90 %. دفعت منه 15 ألف ليرة لصاحب الحانوت الجديد، وأنفقت المبلغ المتبقي في ترميم الحانوت وتجهيزه.
لم يمر وقت طويل حتى بدأت أتردد على البنك من أجل الحصول على 30 ألف ليرة أخرى، لأن النقود التي كانت معي لم تكن كافية لتأسيس الحانوت الجديد. عندئذ اشتريت كل ما أحتاج إليه في الحانوت.
أسدد للبنك في الوقت الراهن مبلغ 2.150 ليرة تركية كل ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى بعض المصاريف الأخرى الخاصة بالكهرباء، والماء، والغاز الطبيعي والتي لا يقل مجموعها عن 2.500 ليرة شهرياً. لقد أسست هذا المكان لنفسي كي أكبُر، ولكن ما حدث هو أنني سقطت في مستنقعات الديون."
أوزتشليك الذي لم يقم بطلاء محله منذ عامين هو رب لأسرة تتكون من أربعة أفراد هو عائلهم الوحيد المسئول عن تلبية كافة احتياجاتهم.
"يضيع كل ما أربحه في سداد ديون القروض التي تراكمت عليَّ. ولأن الحانوت بالإيجار، وكذلك البيت الذي نقيم فيه، لم أستطع تحقيق أي شيء غير سداد الديون. وبالطبع لم يتبق لدي مليم لأدخره."
على الرغم من أن مكان عملي في مكان مميز على ناصية الشارع إلا أن تجارتي قد أصابها الكساد. وهذا الأمر لا ينسحب عليَّ أنا فقط . فالجميع من حولي يعانون الشيء نفسه. وفيما سبق كان يعمل معي شخص آخر في هذا الحانوت. أما الآن فأنا وحدي ههنا. أقوم بإعداد المنتجات والبيع للزبائن في آن واحد. أبدأ عملي في الخامسة صباحاً من كل يوم، وفي الثامنة مساءً أغلق الحانوت وأتوجه إلى منزلي."
يحكي أوزتشليك عن حجم المعاناة التي بدأ يعيشها بعد تردّي حال العمل في الحانوت...
"لا يوجد بيع لعدم وجود تصدير. فجميع البضائع التي نشتريها هي بضائع مستوردة نجتلبها بأثمانٍ باهظة. وعلى الرغم من هذا، لا نستطيع إنتاج مثلها ههنا لذلك نرفع الأسعار .
أضف إلى هذا أن القوة الشرائية صارت منخفضة هي الأخرى، كما أن الكثير من الناس صاروا مجبرين على شراء "السميط". ولم يقتصر الأمر على شراء الزبائن من عدمه، فالضرر واقع في الحالتين، لأنني أبيع نصف المنتجات، وألقي النصف الآخر في سلة المهملات. والأسوأ من هذا كله أنك لا تستطيع بعد كل ما أنفقته في هذا المكان أن تترك هذا العمل وتبحث عن آخر."
القوة الشرائية للشعب

 

على الرغم من أن التاجر أوز تشليك يعمل في الحانوت الجديد خمس عشرة ساعة يومياً، إلا أنه يحاول جاهداً أن يبحث عن عمل إضافي آخر.
"كنت أعمل خبيراً في صناعة الحلويات في مكان آخر بصاري قبل أن أفتتح الحانوت الخاص بي. لم أجد بُداً من الاتصال بصاحب الحانوت القديم بحثًا عن فرصة عمل لديه مرةً أخرى، وهو الأمر الذي أحاول القيام به في الوقت الحالي. سأعمل في محليّ الخاص في الفترة الصباحية، أما في المساء فسأتوجه إلى مكان عملي القديم. ليس في إمكاني فعل شيء آخر لأسدد الأموال التي اقترضتها."
لقد تلاشت أحلام مصطفى أوزتشليك في أن يُنمي تجارته، أو أن يفتتح حانوتاً جديداً، ولم يعد لديه سوى رغبة واحدة هي العودة إلى بلدته مرة أخرى بعد سداده القروض التي أخذها من البنك.
أما أُفق هاصجول فأغلق هو الآخر المقهى الخاص به في منطقة تقسيم، وافتتح متجرًا جديداً في قاضي كوي. يرى أُفق هاصجول أن التاجر يحاول عبثاً أن ينهض على قدميه رغم كل ما عليه من ديون تكبل حركته.
"استدنت أنا الآخر كي أتمكن من افتتاح متجر جديد في منطقة قاضي كوي. يكلَّفني المتجر 5 آلاف ليرة شهرياً. كما أسدد أيضاً أقساط قروضا بقيمة ألفي ليرة تقريباً. يقولون إننا لا نعاني من أية أزمات اقتصادية، والحقيقة أن الناس يدفعون ثمن كل شيء ببطاقات الائتمان حتى كوب الشاي الذي يشربونه.
كان الناس قديماً يسددون نقداً مقابل ما يأكلون أو يشربون. أما الآن فلم يعد هناك شيء كهذا. فأنا أعمل بالتجارة منذ عامين، ومن يومها وأن أشعر مع كل يوم يمر عليّ في هذه المهنة بضيق الحال عن سابقه. الجميع هنا يحاول تدبير احتياجاته الأساسية التي تضمن لحياته الاستمرار."
يقول هاصجول إن التجار لم يستفيدوا من القروض التحفيزية التي طرحتها الدولة، ويشكو من ذلك الحال الذي آل إليه التجار بقوله "أعرف بعض التجار منذ خمسة عشر عاماً، أدرك جيداً أنهم لم يستفيدوا بشكل حقيقي من تلك القروض على الرغم من لجوئهم أكثر من مرة إلى الاستدانة، لأن هذه القروض تأتي بشروط تعجيزية من شأنها هدم العمل نفسه. لا نعلم تاجراً واحداً يمكن القول إنه استفاد- بشكل صريح- من هذه القروض. لا أجد من حولي تاجراً حقق هذا الأمر."
تركيا أزمات اقتصادية

 

يوضح هاصجول أنه يتوجب على أي شخص يسعى للاستفادة من تلك القروض أن يفي أولاً بمجموعة من الشروط التي لا مفرّ من توافرها، ويضرب على هذا المثل بقوله:
"على سبيل المثال، لم يستفد أي من التجار الذين استدانوا من جمعيات الكفالة، أو لجؤوا إلى إدارة دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة (KOSGEB) وتطويرها من هذه القروض الحسنة (قروض بلا فوائد). لم أجرّب هذا الأمر، ولكني أتحدث عن تجربة خاضها أصدقاء لي. لم ينجح هؤلاء في الحصول على هذه القروض المزعومة على الرغم من سجلهم التجاري النظيف. وكانت النتيجة أنهم أغلقوا متاجرهم بالأقفال."
مصطفى أوزتشليك، وأُفق هاصجول نموذجان لتاجرين لم يتمكنا من الاستفادة من القروض المدعومة من جانب الدولة. وعلى الرغم من هذا يأتي وزير التجارة والجمارك بولنت توفنكجي قبل بضعة أيام، ويتحدث عن حجم القروض التي منحتها الدولة للتجار خلال عام 2017.
يذكر أوزتشليك كيف أن التجار استفادوا خلال عام 2017 من مبلغ 13 مليار ليرة وفرتها الحكومة في شكل قروض، وأن الجمعيات التعاونية منحت تلك القروض في هذه الفترة تحديداً إلى 188 ألف من التجار وأصحاب الحرف.
وهذا يعني أيضًا أن حجم الإقراض قد ارتفع إلى 85 ضعفاً  بعد أن  كان 153 مليون ليرة في عام 2002. وفي الإطار نفسه يؤكد الخبير الاقتصادي أرول قاطيرجي أوغلو أن الدعم الذي تقدمه الحكومة من خلال هذه القروض لم يقدم حلاً حقيقياً، وأنها اختارت نظاماً مهترئاً لتحقق به النمو. 
يلفت قاطيرجي أوغلو  النظر كذلك إلى أن الحكومة قد حققت بالفعل معدل نمو مذهل خاصة في الربع الثالث من العام المنصرم حيث ارتفعت النسبة لتصل إلى 11.1 %، حيث يقول "يمكننا القول إن حال التجار مع هذه القروض لم يكن بالشكل الذي يجعلنا نطري عليه. فلو أننا أمعنا النظر قليلاً لرأينا الوضع بشكل مخالف تماماً لما يجري الحديث عنه. وإذا انطلقنا في حديثنا هذا من نسبة النمو المرتفعة التي حققتها الحكومة نقول إن القروض التي تُمنح من صناديق ضمان القروض كانت السبب وراء تحقيق هذه النسبة المرتفعة." 
"بدأت الدولة في منح القروض لصغار التجار والحرفيين الذين عجزوا عن الاقتراض في ظل إجراءات الإقراض العادية، وكانت بهذا تُخاطر بحدوث عجز في الميزانية. بهذه الطريقة تحقق النمو والتطور، ولكن الواقع يقول إن هذا النظام الذي تتبعه الدولة لن يصمد طويلاً . 
لو أن الحكومة التي ينتمي أعضاؤها  لحزب (العدالة والتنمية) قد حققت نجاحاً ما حتى الآن فهذا مرجعه في النهاية إلى سعيها للحيلولة دون ارتفاع نسبة التضخم بشكل أكبر من الموجود في 'عجز الموازنة' من خلال تطبيق البرنامج الذي وضعه الخبير الاقتصادي كمال درويش. لقد اجتهدت السلطة الحاكمة في تركيا لإرساء هذا النظام، ولكن الواضح من سير الأمور أنهم تخلوا عن هذا."
يسترسل قاطيرجي أوغلو  في حديثه مُعرباً عن قناعته في أن السلطة الحاكمة اختارت بدائل لتحقيق هذا النمط من النمو حتى إن كان هذا سيتسبب في إحداث عجز في الميزانية. ويلفت الانتباه إلى أن السلطة الحاكمة تشعر بالرضا من تصرفاتها في ظل وضع متأزم كهذا تسبب في ارتفاع نسبة التضخم، ويقول "لا يشعر أي منهم بالقلق بسبب ارتفاع نسبة التضخم، فهم يحددون خطواتهم وينفذونها عندما يجدون الشعب صامتاً، لا يبدي أي رد فعل."
أما الخبير الاقتصادي قورقوت بوراتاف فيرى أن الدعم الذي تقدمه الحكومة في شكل قروض سيكون له تأثير مُحفِّز على الاقتصاد. ولكنه يشدد على ضرورة تطبيق معايير موضوعية تتعلق بالنظام المصرفي عند تخصيص هذه القروض.
"مما لا شك فيه أن تشجيع التجار على الاقتراض سيكون له تأثيرات مهمة على الاقتصاد، لأن الحكومة لم تضع أية محاذير أمام نقل جزء من ميزانية الدولة من أجل تمويل القروض. فالحكومة تعلم جيداً حجم الإسراف الذي تسببت فيه ميزانية المشاريع العملاقة نفسها، وهو الأمر الذي ننتقده باستمرار، لأن مثل تلك الأوضاع من شأنها الإخلال  بمورد مهم من موارد ميزانية الدولة.
ومع هذا فالدولة لا تضع أية محاذير أمام توزيع الميزانية التي تقتطعها من مصادر مختلفة على التجار. وصار من الطبيعي أن نرى هذا الوضع الذي نعيشه الآن، بل قد لا تتمكن الدولة من مواصلة هذه الخطوات التحفيزية القوية بسبب ما نعانيه من مشاكل أخرى لها علاقة بوضعنا الاقتصادي. هذه هي حقيقة الأمور."  
يقول بوراتاف إن الدولة هي التي تتحمل مسئولية هذه القروض. ومن الضروري بالنسبة إلينا ألا نبحث عن أوجه للتشابه بين هذه القروض وتلك التي تمنحها البنوك.
"أي أن الدولة لا تنقل مبالغ الديون المُحصَّلة من الخارج إلى الداخل كما تفعل البنوك، كما أنها لا تستخدم القروض التي تتجاوز الودائع كما هو الحال في البنوك. أي أن الدولة هي التي تتحمل مسئولية هذه القروض التي تمنحها للتجار. ولكن إن ثبت أنها تًحوِّل الديون المأخوذة من الخارج إلى الداخل فهذا سيؤدي حتماً إلى حالة من الشلل."
على الرغم من أن قورقوت بوراتاف ينظر إلى الوضع بنظرة المتفائل، إلا أنه عاد ليؤكد على أن استمرار تركيا على هذا النهج سيؤدي لا محالة إلى أزمات اقتصادية.
تقوم الحكومة كل عام تقريباً باتخاذ بعض الإجراءات لتحسين حالة التجار، وظهر ذلك من خلال تصريحات المسئولين للصحافة في الأيام الماضية بشأن إعداد خطة عمل جديدة لتحسين أحوال 2.5 مليون تاجر وحرفي.
ومن المنتظر أن يُفصح رئيس الجمهورية قريباً عن خطة العمل تلك. السؤال الآن ما هي الخطوط العريضة التي ستتناولها خطة العمل المُزمع الإعلان عنها؟.
"عشر خطوات سيخطوها صغار التجار والحرفيون من خلال نموذج "جيل التجار الجديد" كي تتغير أحوالهم ويصبح لديهم شركات عملاقة مثل كوتش، وصابانجي، وأجزاجي باشي الذين بدأوا حياتهم تجاراً صغاراً.
•    ستعمل الدولة على تيسير حصول صغار التجار والحرفيين على القروض المُقدمة من قِبَل الدولة التي من المُنتظر أن تصل إلى 140 مليار ليرة في هذا العام. أى أن الدولة ستُبدي مرونة أكبر في موضوع شروط الحصول على القروض.
•    ستخطو الدولة خطوة أخرى باتجاه منح امتيازات إضافية لمثل هؤلاء التجار بشأن تأجير بعض المواقع في مراكز التسوق. وستقوم على سبيل المثال باتخاذ إجراءات لحل المشاكل الخاصة بسعر السوق التي يواجهها التجار في مراكز التسوق.
•    بالإضافة لما سبق ستعمل الحكومة من خلال "خطة العمل" كذلك على اتخاذ إجراءات خاصة من شأنها تخفيض مصاريف خدمات الشحن والتوصيل.
 
لا يشعر الخبراء بتفاؤل بشأن جدوى خطة العمل الجديدة على تحسين أوضاع التجار والحرفيين. ويرجع السبب في ذلك إلى العملية العسكرية التي تقوم بها تركيا في عفرين السورية، حيث يعتقد خبراء الاقتصاد أن سلوك تركيا في عفرين هو الذي سيحدد شكل الاقتصاد، كما أن علاقات تركيا المتأزمة مع عدد من الدول- على رأسها الولايات التحدة الأميركية وروسيا- ستزج بتركيا إلى أزمات اقتصادية مشابهة لما عانته في فترة ماضية.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/halk-tuketemeyince-esnaf-banka-kredisini-odeyemiyor