مايا أراكون
مارس 27 2018

تركيا.. عواقب تداخل الجماعات الدينية مع الدولة.. المحسوبية والفساد

في حقيقة الأمر هناك فروقات كبيرة للغاية بين الجماعات والطرق الصوفية، وهذا أمر قد لا يعلمه جيدًا كما ينبغي الرأي العام. وفي هذا الصدد ليس من الصواب بمكان النظر إلى الجماعات على أنها طرق صوفية. وفي سعي منه لتوضيح الفرق بين الجماعة والطريقة الصوفية، قال "روشن تشاقير":

"الطرق الصوفية كما هو واضح من اسمها تتبع مدرسة متأصلة قائمة على التصوف، تضرب في أعماق التاريخ بجذورها التي تمتد لقرون من السنين. وفي هذه الطرق ثمة شيخ يكون له الولاء، وثمة أنشطة يقوم بها أتباع الطريقة كالذكر وما شابه".
وتابع "روشن تشاقير في ذات السياق قائلا:
"فحركات مثل النور والسليمانية التي تعتبر من الحركات القوية لا سيما خلال الفترة الأخيرة بتركيا، تعتبر كيانات مختلفة للغاية حتى وإن كانت لها في فترة من الفترات بعض العلاقات مع الطرق الصوفية. وهذه الحركات لها أيضًا قائد، لكنه ليس كشيخ الطريقة، فهو يتمتع بمكانة مختلفة كثيرًا عن ذلك الشيخ. كما هذه الحركات لا تطبق طقوس الطرق الصوفية. ومن ثم فإنه سيكون من الصواب أكثر أن نسمي هذه الحركات بالمدارس الإسلامية، كما لا ينبغي أن ننظر إلى هذه المدارس كما ننظر إلى طرق صوفية مثل النقشبندية، والقادرية، والمولوية".
ومن الفروق الأخرى بين الطرق والجماعة، هو أن الطرق يكون لها عدة فروع، على عكس الجماعات. وقاموس مجمع اللغة التركية عرّف الطريقة على أنها إحدى الطرق التي يلجأ إليها مجموعة من البشر داخل الدين الواحد؛ من أجل الوصول إلى الله تعالى ومعرفته، ولكل طريقة من هذه الطرق اختلافات في التأويل والتطبيق، فضلا عن اختلافها عن بعضها البعض في بعض المبادئ. أما الجماعة فوردت لها ثلاثة تعريفات في ذات القاموس 1) الأشخاص الذين يؤدون الصلاة خلف إمام، 2) المجموعة المزدحمة من البشر، وتجمع الأفراد، 3) الجماعة ممن هم من نفس الدين أو العرق.
ووفق تعريف الدكتور أورهان جانيكلي أوغلو، فإن هناك فروق هامة بين الجماعات والطرق، بينها هو على النحو التالي ذكره:
"يقود الجماعة زعيم ديني واحد فقط. أما الطرق الصوفية فالأساس فيها وصول المريد لعدد من المراتب المعنوية المعروفة، وذلك من خلال بعض طرق التدريب. والجماعات لا توجد بها هذه المراتب المعنوية. ففي الطرق صاحب المصنع أو الثري من الممكن أن يجثو على ركبتيه أمام راعٍ للأغنام أعلى منه رتبة من الناحية المعنويىة، ويسمع حديثه. لكن البروز في الجماعات يكون من نصيب شخص واحدٍ فقط".
وبحسب جانيكلي أوغلو فإن معضلة الأمر في هذه العلاقة تتكشف من خلال العلاقة بين الرئيس والمرؤوس في الجماعات والطرق، فلا شك أن انعكاس العلاقة بهذا الشكل على الحياة اليومية، أمر قد يؤدي إلى وصول من لا يملكون أية كفاءة لمناصب ومواقع هامة داخل تلك الطرق والجماعات. وأضاف جانيكلي أوغلو قائلا:
"أحد أهم التهديدات المحدقة بأمن الدولة، هو جهود المؤسسات التي تم تطويرها خلال سنوات، للنيل من القواعد والأسس والهياكل الهرمية بالدولة. ولا شك أن أكبر ضرر يلحق بالبناء التقليدي الذي نتحدث عنه، يأتي من التجمعات التي تبدو في ظاهرها قانونية، وتأتي على رأس هذه التجمعات، الطرق الصوفية والجماعات".
وفيما يلي يفسر لنا جانيكلي أوغلو العلاقات بين الدول والطرق والجماعات: "تجدر الإشارة أن الأحزاب السياسية في تركيا ترى العشائر في شرق وجنوب شرقي البلاد، وكذلك الجماعات والطرق الصوفية، على أنها مستودع أصوات انتخابية، ما جعل الأجواء السياسية تتهيئ بشكل أو بآخر لتطور هذه الكيانات، وكل هذا كان سببًا في كبر حجم الخطر الذي نتحدث عنه".
وبحسب جانيكلي أوغلو فإن الجماعات والطرق تعتبر تهديدًا لأمن الدولة، لعدة أسباب يمكننا عرضها على النحو التالي:
1.    لأنها لا تخضع للسيطرة والرقابة الصحية لمعرفة أهدافها السياسية، ومواردها المالية، وأعضائها، وكادرها القيادي، واتصالاتها الخارجية والداخلية، ولكونها كيانات مؤسساتية مغلقة وغير شفافة.
2.    لقيامها بتشكيل تنظيمات داخل الدوائر التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وفي المؤسسات، والمنظمات العامة، وفي أجهزة الأمن، والقوات المسلحة، والإعلام، والتعليم، وغيرها من المؤسسات التجارية والاقتصادية.
3.    ولاعتمادها على أنظمة بسيطة، واستماع أعضائها لكلام قادتهم إذا اختلط عليهم الأمر بين مصالح الجماعة أو الطريقة، ومصالح الدولة.
4.    ولتشكيلها أحد أكثر أهم الكيانات التي تقع في دائرة اهتمام أجهزة الاستخبارات الأجنبية؛ وكذلك لقدرتها على التغلغل بسهولة داخل الدولة.
في تركيا نجد أن بعض الجماعات تتبوأ مكانة أكثر أهمية من غيرها من حيث مسألة العلاقات مع الدولة والسياسة. وأكثر ما يتردد اسمها بين هذه العينة من الجماعات، هو الجماعة "المنزلية".
و"المنزلية" جماعة من الطريقة النقشبندية، وتعتبر امتدادًا لشيخ عائلة كردية الأصل هاجرت من ولاية "سيرت" إلى ولاية "آديامان" بتركيا، واتخذت اسمها من قرية موجودة هناك. ولهذه الجماعة الكثير من المريدين داخل تركيا وخارجها. وبحسب ما قاله "روشن تشاقير"، فإن هذه الجماعة سعت جاهدة للابتعاد على السياسة لفترة طويلة، لكن الساسة ليس بإمكانهم الوقوف بعيدًا عن الجماعة. لا سيما أن هناك أقاويل تتردد حول انتساب محسن يازيجي أوغلو (قضى في حادث طائرة عام 2009) الزعيم الراحل لحزب "الاتحاد الكبير"، وانتمائه لهذه الجماعة. كما يقال أن وزير الطاقة التركي السابق، تانر يلديز ينتمي لنفس الجماعة التي بدأت في السنوات الأخيرة الانفتاح على الخارج، ولديها محطات إذاعية، وقنوات تلفزة، وصحف خاصة بها.
وبحسب "روشن تشاقير"، فإن أتباع جماعة "المنزلية" لديهم أنشطة وفعاليات كبيرة في المجال الإعلامي، واستثمارات ضخمة للغاية في القطاع الصحي، كما أن العلاقات بين الجماعة والحكومة التركية، وبالتالي حزب "العدالة والتنمية" متميزة. وبحسب قواعد الجماعة المذكورة، فإن الناس يمكنهم الانتساب لها بعد بلوغهم سنًا معينًا. ومن المهم للغاية أيضًا أن يكون هناك ولاءً لشيخ الجماعة، وزيارته في منزله بقرية "منزل" التي من اسمها أخذت الجماعة اسمها. ولا جرم أن هناك أناسًا من داخل تركيا وخارجها يرون في هذه القرية مكانًا جديرًا بالزيارة.
كما أن هناك مزاعم تذهب إلى القول بأن الجماعة "المنزلية" ستسد الفراغ الذي تركته جماعة "فتح الله غولن". ولما لا وهي تعتبر أحد أقوى الكيانات في تركيا حاليًا، بعد أن لفتت الأنظار إليها بأنشطتها المختلفة في مجالات التجارة والصحة وغيرها، فضلا عن علاقاتها الجيدة بالحكومة. لكن "روشن تشاقير"، يستبعد احتمال أن تقوم تلك الجماعة بسد فراغ جماعة "غولن".
وبخلاف أتباع الجماعة "المنزلية"، فهناك أيضًا أتباع الجماعة السليمانية التي تتمتع بقوة كبيرة أيضا في تركيا. فهذه الجماعة تعتبر كيانا دينيا قديما مثله مثل جماعة "النور" تقريبًا.
وأوضح "تشاقير" أن "أهم ميزة تتميز بها جماعة السليمانية، هي تعليم القرآن"، وتابع في تعريفه لهذه الجماعة قائلا "هي حركة بدأت بدورات تعليم القرآن الكريم وتدريسه في مخابئ تحت الأرض في السنوات الأولى لتأسيس الجمهورية التركية التي شهدت حظرًا على دراسة القرآن، وفيما بعد، ولا سيما في عهد تورغوت أوزال واصلت تقديم هذه الدورات فوق الأرض بعد أن أعاد أوزال مسألة تعليم القرآن لطبيعتها".
 وهذه الجماعة لها علاقات بالسياسة. وخير دليل على ذلك أن كمال قاجار الذي تولى قيادتها خلفًا لمؤسسها سليمان حلمي طونهان، كان نائبًا بالبرلمان. كما أن "عارف دنيز أولغون" الذي ترأس الجماعة الأصلية بعد حدوث انشقاق في صفوف "السليمانية"، عمل لفترة نائبًا في البرلمان عن حزب "الوطن الأم"، كما أنه تولى حقيبة وزارة المواصلات. وعندما توفي أولغون حفيد سليمان حلمي، شارك في جنازته مريدون وساسة من كافة أنحاء تركيا.
حتى إن بعض السياسيين المنتمين لحزب "الوطن الأم" سبق وأن أدلوا بتصريحات للصحفي "يالجين دوغان"، قالوا فيها "لما دأب حزب الطريق القويم على أن يكون له نواب من الطريقة السليمانية، اتفقنا مع المرحوم دنيز أولغون من أجل الإبقاء على نفس التواصل". والنتيجة التي خرج بها الصحفي يالجين دوغان من هذا الأمر، هي أن الأحزاب المحافظة على وجه الخصوص، لم تتخلَ بأي شكل من الأشكال عن الطرق والجماعات.
ومما قيل أثناء تشييع جنازة "دنيز أولغون" إنه من أتباع جماعة السليمانية، ودنيز أولغون نفسه، لم تكن لهم علاقات طيبة بحزب العدالة والتنمية الحاكم. وفي المقابل يرى "روشن تشاقير" أن "بايزيد دنيز أولغون" شقيق "عارف دنيز أولغون"، اضطلع بمكان له داخل الحزب الحاكم منذ اليوم الأول لتأسيسه، بل وأصبح نائبًا عن الحزب في البرلمان. لكن لا شك أن جزءًا كبيرًا من أنصار هذه الجماعة بعيدون عن "العدالة والتنمية"، ولهذا السبب فقدت الجماعة كثيرًا من قوتها خلال السنوات الأخيرة.
وفي مقابل هذا نشرت صحيفة "بيرغون" خبرًا يوم 11 أغسطس 2017، تحدثت فيه عن قيام جماعة السليمانية وعلى نحو سريع بسد الفراغ الذي خلفته جماعة "فتح الله غولن" في مجال التعليم. ومن ضمن ما قيل في الخبر أيضًا هو أن الجماعة تقدم التعليم الديني في مساكن الطلاب التابعة لها والتي تقدر بأكثر من  2000 مسكن في عموم البلاد. وقيل كذلك إن أتباع الجماعة يلقنون الأطفال الإيدولوجيات الرجعية خلال الندوات التي تعقد بالمدارس، وذلك في إطار "برتوكول تعليم القيم" الموقع بينهم وبين وزارة التعليم الوطني التركية.
ولا ننسى أنه في يوم 9 نوفمبر من العام 2016 اندلع حريق قي سكن طالبات للتعليم المتوسط التابع لجماعة السليمانية في  بلدة "آلاداغ" بولاية أضنة، وأسفر عن مقتل 11 طفلة، وإصابة 24 بجروح مختلفة. وفيما بعد اتضح من خلال التحقيقات التي أجرتها لجنة برلمانية أن المكان كان يفتقر للتدابير الأمنية اللازمة، بل وكان مبنيًا بشكل مخالف. وقالت أسر الطالبات التي التقتها اللجنة إن الطلاب كانوا يجبرون على دخول الدروس الدينية.
واتضح كذلك من التحقيقات أن سلم الطوارئ الخاص بالحريق يصل فقط للطابق الثاني من البناية المكونة من ثلاث طوابق، كما أن باب السلم كان مغلقًا بأحد الأقفال، ومفتاحه كان موجودًا لدى أحد المشرفين، كانت كل هذه معلومات وحقائق تضمنها ملف القضية التي رفعت بهذا الخصوص.
بدورها قالت وزارة التربية والتعليم أنها أجرت تفتيشًا على المكان من قبل لثلاث مرات، وأنه لم تكن به أية نواقص، وأنه تم اتخاذ كافة التدابير المتعلقة بالحرائق. ورغم تصريحات الوزارة بهذا الشكل، خرج فيما بعد التقرير الخاص بواقعة الحريق، وأثبت أن كافة هذه التدابير والضوابط كانت مزيفة، وأن هناك عدة نواقص تم التغاضي عنها.
وفيما بعد أيضا قالت عائلات الأطفال الذين قضوا في الحريق، أن وزارة التربية والتعليم هي من وزعت أطفالهم على هذا السكن الطلابي للحيلولة دون إغلاقه. وبهذا الشكل يمكننا القول إن الجهات المعنية غضت الطرف عن العديد من التجاوزات في سكن طلاب غير مرخص له كان يتعين إغلاقه، وذلك لأن أصحابه من أتباع جماعة السليمانية، الأمر الذي أدى إلى سقوط جرحى وقتلى في الحريق.
وختامًا يمكننا القول إنه ليس من الخطأ أن نشدد على أن من بين أهم عواقب تداخل الجماعة مع الدولة والسياسة، هو المحسوبية والتزوير وفساد النظام.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/cemaatler/cemaatler-ve-tarikatlar-devlet-cemaat-iliskisi-4#&nbsp