تركيا غاضبة وتتجه إلى مستقبل قاتم

تبدو حالة البلاد قاتمة. فقد تسللت الكآبة والإحباط والشك وعدم الثقة والكراهية إلى كل قطاعات المجتمع. الغضب يستبد بتركيا. 

كل شخص في البلد يبحث عن أعداء، والكل يبحث عن الثأر. والإعلام الذي تهيمن عليه أعلى مستويات الحكومة، يقنع العامة بكراهية من تعلنهم أحدث أعداء للدولة. 

وكلما زادت تركيا نفسها عزلة عن باقي العالم، زاد الضرر الذي تلحقه بنفسها عن طريق زيادة التوتر لدى المواطنين ولدى الحكام الذين يتغذون على هذا التوتر.

ولطالما حُرم مواطنو هذا البلد، الذين يتلقى 90 بالمئة منهم الأخبار من قنوات تلفزيونية تخضع لسيطرة حكومية مشددة، من حقهم في فهم التطورات التي تؤثر على حياتهم اليومية.

وبرغم أن معدل قراءة الصحف يتراجع، فإن تأثير الصحافة التي نادرا ما توجه انتقادات، يتلاشى سريعا.

وبطريقة أو بأخرى، فقد حُكم على بلدنا أن يعيش في واقع بديل من الخطاب الرسمي.

وبات من شبه المستحيل على مواطني هذا البلد البالغ عددهم قرابة 81 مليون نسمة إدراك العلاقة بين أسباب وتأثيرات سلسلة الأزمات التي تؤثر في مستقبل وطننا. وإصرار الحكومة على اتهام أعداء في الداخل والخارج بالمسؤولية عن كل حادثة يمكن أن تعرض المستقبل للخطر هو في حد ذاته مؤشر على ضخامة المشكلة التي تواجه البلاد. 
والأزمة المنهجية التي قادت الحكومة البلاد عن عمد للدخول فيها تضر بمختلف الأصعدة، السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ويتحول إصلاح الأضرار سريعا إلى مهمة مستحيلة.

وعلى النقيض من الدعاية التي يروج لها الرئيس رجب طيب أردوغان، فإن النظام الرئاسي الجديد الذي بدأ سريانه منذ انتخابات 24 يونيو يعرقل أي إمكانية للتوصل إلى حل ديمقراطي لمشكلات تركيا المستعصية، ويؤخر إلى أجل غير مسمى حلم الوصول إلى مجتمع سلمي ومزدهر.

وفي بيئة عرضة للفساد، حيث تحول الفصل بين السلطات إلى صهر السلطات وحيث لا توجد ضوابط وتوازنات، لا يمكن لنموذج سياسي مثل هذا سوى أن يزج بتركيا في طريق مظلم ويضر بالدولة والمواطنين.

وليس أردوغان وحزبه وحدهما هما المسؤولان عن سقوط تركيا. فأحزاب يمين الوسط لا تزال متمسكة بقوالبها القديمة التي عفا عليها الزمن، كما أن الأحزاب اليسارية المتزمتة والمتعصبة بما فيها المعارضة الرئيسية العلمانية الكمالية تشترك في المسؤولية عن تدهور حال الديمقراطية في هذا البلد. والشيء المحزن أنه بدلا من أن تتحمل المسؤولية أمام الناخبين، تضيع تلك الأحزاب الوقت في صراعات داخلية. 

وستظل مشكلات تركيا، سواء في الداخل أو على المستوى الدولي تواصل النمو في المستقبل. لا يمكننا أن نتجاهل احتمالية أن يحول نظام الحكم الصارم هذا تركيا إلى قنبلة جاهزة للانفجار.

وتتجه تركيا سريعا صوب أزمة مالية. والوضع أشد إزعاجا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. فتركيا لا تزال تضع قدما في الغرب بينما تهرول الأخرى صوب أوروسيا والصين.

ويبدو أن أردوغان عازم على فرض نموذج علاقة وشراكة قائم على المعاملة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومن المستبعد بشدة أن يتخلى عن هذا النموذج قريبا. 

وتشير كل تلك التطورات إلى أزمة هوية. فربما فهم أردوغان انتخابات 24 يونيو على أن الأغلبية تنضم إليه في نبذ الديمقراطية، أو أنها شيك على بياض لتقرير اتجاه البلاد حيثما شاء. هذا ما تدل عليه أفعاله.

هل هناك سبيل للخروج؟ من المستبعد استمرار هذا الوضع في المدى المتوسط أو البعيد. لا يمكننا تحقيق الاستقرار الاجتماعي، ناهيك عن الديمقراطية الحقيقية، التي تعتمد فيها الأحزاب الحاكمة والمعارضة على سياسة الهوية. فالحزبان اللذان يشكلان الائتلاف الحاكم لا يملكان برنامجا شاملا باستثناء الاستجابة لمطالب أنصارهما من الإسلاميين والقوميين المتعصبين.  

والوضع في تركيا الآن ليس أكثر من مجرد صراع مدمر وشرس على السلطة حيث تحكم الأغلبية.

قضية تركيا الحالية ليست فيمن سيقود البلاد، وإنما في الوصول إلى توافق مقبول لإعادة إرساء الديمقراطية وسيادة القانون. في ظل الظروف الراهنة، وبغض النظر عمن يقود البلاد، فالحرية والعدالة والمساواة غير مسلم بها- خاصة في ضوء الثقافة السياسية الفاسدة والاستبدادية في تركيا.

كل ما تمخضت عنه انتخابات 24 يونيو: الحكومة المتعطشة للسلطة، والبرلمان الذي تحول إلى ناد نقاشي مدفوع الأجر، والمعارضة العقيمة الواهنة، كل هذا يظهر أن السياسة في تركيا وصلت إلى طريق مسدود.  

تركيا تحتاج إلى أحزاب سياسية جديدة تملك خططا ملموسة، ولغة جديدة ووعودا يمكن أن تتحقق على خلفية أيديولوجية جديدة وتبتعد عن سياسة الهوية القديمة الشعبوية. 

وبقدر ما يمكن لأهل بلدنا - بغض النظر عن أولوياتهم السياسية - أن يدركوا هذا الواقع والمخاطر التي تنطوي على التقاعس عن فعله، يمكنهم البدء في رؤية الضوء في نهاية النفق. 

وإذا لم يحدث هذا، سيكون مستقبلنا حالك السواد.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/turkey-warpath-bleak-future
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.