ديميتار بيشيف
ديسمبر 11 2017

تركيا.. فرصة ضائعة في اليونان

فرصة ضائعة. إنها العبارة الوحيدة التي يمكن بها وصف زيارة الرئيس رجب طيب اردوغان إلى اليونان في الأسبوع الماضي.

ما كان يتوقع أن تصبح خطوة باتجاه تحسين العلاقات الاقتصادية والسياسية عبر منطقة بحر إيجة تدنى ليصبح شجار أشبه بعراك الشوارع في حي قاسم باشا الذي نشأ فيه اردوغان.

وسواء ينبغي مراجعة معاهدة لوزان المبرمة في عام 1923 أم لا، فلم يكن من اللائق أن تكون على رأس جدول أعمال حكومة أنقرة.

وأيضا ما كان ينبغي أن تكون (المعاهدة) الاهتمام الرئيسي لليونان مع أنه لا ينبغي تغطية وإغفال قضايا السيادة بهذه البساطة.

لكن توجد قضايا كثيرة أكثر إلحاحا بين تركيا واليونان، ومنها على سبيل المثال لا الحصر انهيار محادثات إعادة توحيد جزيرة قبرص وقضية اللاجئين.

ومما يدعو للسخرية، هو أن معاهدة لوزان كانت تهدف وقت إبرامها إلى منح تركيا فرصة للبدء من جديد.

كان ينبغي إن تنهي مشكلات رسم حدود صارمة وتبادل للسكان ( على نطاق لم يسبق له مثيل إلى الآن) وحبس حقوق اليونانيين في اسطنبول والأتراك المسلمين والمسلمين البلغار والروما الغجر في إقليم تراقيا الغربي باليونان وأن يتقدم البلدان إلى الأمام.

لكن وكما نعرف جيدا، لم يستغرق الأمر كثيرا حتى دب الخلاف مجددا بين تركيا واليونان.

وتحميل "الإرث القديم المسمم" مسؤولية ما حدث الأسبوع الماضي يبعدنا عن أساس المشكلة.

إنه فشل قيادة أكثر منه الظلال الطويلة للتاريخ. والطرفان متورطان.

قبل عام، أثار إردوغان قضية معاهدة لوزان من أجل إيذاء خصومه العلمانيين في تركيا.

ويرى إردوغان أن الاتفاقية لم تكن تتويجا لإنجاز دبلوماسي تركي وليست إقرارا بانتصار الحركة الكمالية في حرب الاستقلال ولكنها تنازلت عن أراض إلى اليونانيين.

لكن كان ذلك في سبتمبر 2016. وبالتأكيد لم يرغب إردوغان في إثارة موضوع مراجعة معاهدة لوزان مرة أخرى في مقابلة مع صحيفة كاثميريني اليونانية قبيل زيارته لليونان.

وتثير تصريحاته حتما ردا من الرئيس بروكوبوس بافلوبولوس خلال المؤتمر الصحفي المشترك الأمر الذي يفتح دائرة مفرغة كما أعتقد.

وجه إردوغان انتقادا شديدا لرئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس لعدم عنايته بالمواقع التاريخية العثمانية وضمان الحقوق الدينية للمسلمين وأيضا عدم القيام بإجراء بشأن الفجوة  الاقتصادية بين الأقلية التركية والأغلبية.

رد تسيبراس بالشكوى من انتهاك طائرات حربية تركية للمجال الجوي اليوناني في منطقة بحر إيجة.

ومما زاد الأمور سواء عدم تلاقي الطرفين بشأن ثمانية ضباط أتراك لجئوا إلى اليونان عقب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا يوم 15 يوليو 2016.

وتقول الحكومة اليونانية إن تسليم الضباط الأتراك أمر تحدده المحاكم.

ولاختصار الأمور، رأى إردوغان أن التودد إلى قاعدته أكثر أهمية من إنجاز المهام المطلوبة مع اليونانيين. وبالمثل، اضطر رئيس وزراء اليونان للرد تحاشيا أن يظهر في صورة لينة أما تركيا.

جزء من الفشل سببه التخطيط السيئ من الجانب اليوناني أيضا. وبالتأكيد، كان ينبغي لرئيس وزراء اليونان أن يتوقع خطورة حدوث حرب كلمات خلال الزيارة. ولكن، ربما سعيا للهدوء لكنهما قررا أيضا انتهاز الفرصة.

في الواقع، العلاقات اليونانية التركية ليست بهذا الشكل السيئ الذي يعرضه هذا الفشل الدبلوماسي.

اليوم الثاني من زيارة إردوغان، الذي حظي فيه باستقبال الأبطال خلال زيارته للأتراك في مدينة كوموتيني بإقليم تراقيا الغربية، مر دون من أي فضائح.

وليس إردوغان الزعيم التركي الوحيد الذي يزور المدينة مؤخرا. ففي يونيو الماضي زار المدينة رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم ( وقال لمضيفيه "أنكم جميعا مواطنين يونايين") وأيضا نائبه هاكان جاويش أوغلو في نوفمبر.

أيضا التعاون الاقتصادي بين تركيا واليونان يتقدم إلى الأمام.

مجلس التعاون عالي المستوى الذي يضم حكومتي البلدين لا يزال حيا وقد عقد اجتماعه الرابع في إزمير في مارس 2016 ومن المقرر أن يعقد جلسة أخرى في مدينة ساولنيك باليونان العام المقبل.

ورغم أن الأزمة المالية اليونانية تسببت في انخفاض التبادل التجاري بين البلدين بواقع النصف تقريبا خلال الأعوام الخمسة الماضية، فإن الصادرات التركية سجلت نموا متواضعا.

وفي عامي 2019-2020، وبمجرد بدء تشغيل خطي أنابيب "تاناب" و"تاب" ستصبح اليونان وتركيا جزءا من "ممر الغاز الجنوبي" الذي سيربط منطقة بحر قزوين بالاتحاد الأوروبي.

وحتى من زاوية عضوية الاتحاد الأوروبي، التي عطلت التقارب اليوناني التركي منذ عام 1999، فإن الاندماج الاقتصادي يتقدم للأمام.

لكن للأسف، الفرص الاستثمارية ليست حلا سحريا. إنها تحتاج إرادة سياسية كي تبدد القضايا الصعبة التي تثقل كاهل العلاقات اليونانية التركية منذ عقود سواء كانت مسألة حقوق الأقليات أو النزاعات بشأن السيادة في منطقة بحر إيجة.

والآن، لا توجد مؤشرات تذكر عن وجود هذه الإرادة.

يمكن قراءة هذا المقال باللغة الانكليزية أيضا: