مايا أراكون
نوفمبر 11 2017

تركيا .. "فيلم كوميدي مُحزِن"

تعلمون أنه لدينا - نحن الأتراك- اعتقاد غريب بأن كل ما أنجزه العالم أجمع هو بفضلنا نحن.

كل مكان هو تركيا. الجميع يحسد تركيا. نحن أعظم دولة. و إن وقع أمرٌ سيئ- لا قدر الله- فمن الآخرين بالـتأكيد وليس منا. نحن الأفضل والدول المجاورة هى الأسوأ. يحسدوننا على تشييدنا للجسور، والطرق المزدوجة؛ لذلك ينتقدوننا دائما فى كل ما يخص حقوق الإنسان، والديمقراطية، والحريات لتركنا أخلاق الغرب، واستفادتنا من تجاربهم الحديثة فقط.

لا أحد يسأل أو يفكر"الغرب يملك أيضا جسورا عظيمة، وطرق مزدوجة .فلماذا سيحسدوننا؟" فالأتراك يظنون أن الأوربيين يحسدونهم.

العالم بالنسبة للمواطن التركى عبارة عن قرى تركيا الصغيرة، ومقاطعاتها، ومدنها، وما يحيط به من أصدقاء ومعارف. ويصدر المواطن التركى أحكاما قاطعة فى غاية الجمال عن الأماكن التى لم يذهب إليها، والأمور التى لا يعرف عنها شيئا، فتعتقد أنه قضى نصف حياته يفكر فى هذا الموضوع.

مثلما ذكرت آنفا نحن أمة تظن أنها السبب فى جمال كل شئ بالعالم. لذلك لا نُرهق عقولنا ونهتم بكيفية رؤية العالم لبلادنا. فلترنا أوروبا كيفما تشاء.

بعدما كان الجميع يتحدث عن اسطنبول، والجامع الأزرق، والكفتة النيئة  أخذوا يسألون: " كيف حدث هذا وتحولت دولة مثل تركيا إلى الديكتاتورية فجأة؟ "

أصبح الجميع يعلم أنه فى فترة إعلان الطوارئ تم إغلاق سبعين محطة تليفزيونية وإذاعية، وحبس عدد كبير من الصحفيين والكُتاب، وطرد أكثر من  مائة ألف شخص من وظائفهم بحجة الانقلاب، وفصل موظفون من مؤسسات الدولة المختلفة وألغيت جميع حقوقهم الشخصية، تبعه اتهام رئيس الجمهورية لزعماء دول الاتحاد الأوروبى بالنازي (في خطوة تعد كبيرة للدول التى عاشت النازية).

 ثم اضطرار الأكاديميين المحترمين فى الدولة إلى مغادرة البلاد بسبب الدعاوى القضائية المرفوعة بحقهم، وفصل من لم يستطع المغادرة منهم من عمله وإلغاء جوازات سفره بل وتسجيل أنهم فصلوا بقرار حكومي في سجلات الضمان الاجتماعي الخاصة بهم كي يحرموا من العمل داخل البلاد وخارجها حاكمين عليهم هكذا بالجوع والموت المؤلم البطئ، مما دفع بعضهم للانتحار نتيجة عدم تحمله لهذا الوضع وببعضهم الآخرلبيع حبات الليمون لتوفير قوت اليوم لعائلتهم. وامتد الأمر لاعتقال الأكاديميين الذين يضربون عن الطعام رغبة فى العودة إلى عملهم؛ بتهمة محاولة الهروب، فى بيئة تسمح لزعماء المافيا بتهديد الجميع علنا.

وزاد على ذلك المطالبة بحبس من لم يُسجنوا بعد سبع سنوات ونصف بتهمة الدعاية للمنظمات الإرهابية، وتعيين بدلا منهم الباحثين الأكاديميين الذين يستوفون شرط: "العمل على التعليم البشرى الذى يحارب الشيطان بتوجيه من القرآن والسنة". بل وفتح كادر لأقاربهم، كما تم إزالة نظرية التطور من المناهج الدراسية واستبدالها بمجموعة من المغالطات الدينية، والابتعاد تماما عن كل ما هو علمي، واعتقال مساعدي جمعيات حقوق الإنسان والديمقراطية مثل: عثمان كافالا. وبناء مسجد لم يستخدمه أحد فى منتصف مدرج قلعة رومانية تاريخية والتى تعد تراثا ثقافيا عالميا.

ولا يمر يوما إلا ونجد تركيا مذكورة فى الصحف الخارجية بعبارات مهينة- خاصة الصحافة الأوروبية التى سرعان ما تنشر ما تخطوه تركيا من خطوات غير منطقية، لمتابعتها لتركيا عن كثب منذ العملية التى بدأت قبل الاستفتاء.

والجميع يعلم  بشكوك منظمة الأمن والتعاون الأوروبي فى نتيجة الاستفتاء وتصريحها بذلك، ويمكن لأى شخص في الدنيا يستطيع القراءة والكتابة  أن يعلم أن تركيا هي ثالث أكبر دول العالم في استغلال الأطفال، وأنها تفرج  عن مغتصبي الأطفال. بجانب زيادة نسبة العنف ضد المرأة في تركيا بنسبة تصل لـ1400% فى الخمس عشرة سنة الأخيرة، وعدم معاقبة من يغتصب امرأة حتى إن كاد أن يقتلها .

ومكوث مناضلى الديمقراطية بالسجون لسنوات دون محاكمة أو عرض على قاضٍ، وعدم معاقبة رجال الشرطة الذين يستخدمون القوة المفرطة فى قتل الأطفال، والفراغ السياسي والحقوقى بالدولة، والتخلص من الخصوم السياسيين والمعارضين بتهمة محاولة انقلاب 15 يوليو. واهتمامهم بتنظيم صالونات إزالة الشعر بالليزر من خلال القرارات الحكومية المنشورة فى ظل فترة الطوارئ (فإزالة الشعر بالليزر مسألة حيوية جدا فى بلدنا، لا تقولوا هكذا).

بمعنى أننا مهما وضعنا رؤوسنا فى التراب كالنعام، فالجميع يسمع ويعرف كل شئ . وفي هذا المقام لا يمكنني تفويت الفرصة دون أن أذكر: أنه لم يحدث في تاريخ الجمهورية التركية أن تم سحق الدبلوماسية، ولغة الحوار، والاحترام السياسي بهذا القدر كما تم في هذه الفترة . وللأسف فإن تركيا ولفترة طويلة تذكر مع التطورات السياسية للأحداث العالمية بكلمات مثل "الديكتاتورية"، و"الرجل الأوحد". كما تصف هوية وحجم رئيس الجمهورية أردوغان السياسية على أنه شخص مضاد للديموقراطية بشكل يثير الدهشة.

أما إعلام النظام فنجده يقوم بإصدار الأحكام وإعطاء القرارات حول الأشخاص الذين تم القبض عليهم بدون محاولة معرفة ماهية التهم الموجهة إليهم. كما تم الزج ببعض سياسي أحزاب الأغلبية في هذه المحاكمات. في هذا السياق فقد تم القبض على المدافعين عن حقوق الإنسان في جزيرة الأميرات، وحبسهم ما يزيد عن الثلاثة أشهر وتم نعتهم بـ"أصحاب الأجندات" و"الإرهابيين". لإنه ما من أحد يتحمل المسئولية في هذا البلد. وسيبقي الطين أثر الحصان.

 في الظروف الطبيعية في دولة القانون يكون على وكيل النيابة إثبات التهمة على المتهم؛ بينما في تركيا تجد المتهمين البريئين مجبرين على إثبات براءتهم، وحتى إذا أثبتوا براءتهم فلا تأخذ العدالة مجراها؛ حيث إنه قد تم تشريع قوانين تتيح سجن الناس لشهور وحتى لأعوام بحجج واهية. يمكن لـ"شاهد سري" أن ينهي حياتك بشاهدات كاذبة تمامًا، وتجد نفسك في السجن لشهور حتى تثبت براءتك. لإن الإبقاء عليك في السجن بدون حكم ضدك رسالة لمن في الخارج أيضًا . رسالة تهديد مفادها "إن كنت تتحدث كثيرًا فسوف يكون هذا مصيرك"

ليتهمونا بالغيرة من الغرب كما شاءوا، فالحقيقة واضحة كضوء الشمس. والنقطة التي وصلت لها تركيا اليوم لهي وسيلة لإثارة الجدل والقلق. ولكن على كل حال فإن تركيا خارجيًا تعد شريكًا لا يؤتمن. ولم يعد هناك من يريد السير مع شريك غير موثوق به في طريق سياسي ملئ بالمصاعب. لا يوجد شئ يدعو للاطمئنان من القضايا البيئية للتعليم، ومن السياسة الداخلية للدبلوماسية، ومن الرياضة وصولًا للفن. أصبحت تركيا منذ زمن بعيد فيلمًا كوميديًا لا يثير الضحك. طال كثيرًا ولا يعرف له نهاية.

يمكن قراءة المادة باللغة التركية ايضا: