جنكيز أكتار
نوفمبر 08 2017

تركيا في زمن أردوغان .. حطام الدولة وحطام المجتمع

قال أحد المغردين على تويتر "إذا كان البديل السياسي لتركيا هو الحزب الجديد (الحزب الصالح) فوأسفاه على حالنا"، ومع ذلك فإن هذا "البديل" أيده بعض الكتاب المعارضين. لِمَا لا، إذا كانت القضية تعني الاستيقاظ من الكابوس الحالي.

هناك ثلاثة أمور خاطئة مع الحزب الجيد كبديل؛ أولا وقبل كل شيء، فإنه لا يقدم شكلا جديدا من السياسة، بل يدعو العودة إلى السياسة القديمة تماما، وينبغي التأكيد على ذلك.

ان الحزب الصالح هو مشروع لبقاء الدولة.

انه مشروع إحياء مؤسسات الدولة القديمة مرة أخرى ضد حزب العدالة والتنمية الذي قضى على هذه المؤسسات - التي تدهور معظمها منذ القرن الأخير من الإمبراطورية العثمانية - أحيانا وأفسدها أحيانا أخرى .

لقد قوض حزب العدالة والتنمية المؤسسات الأساسية الموجودة داخل كل مكون مثل الأوساط الأكاديمية، والسلك الدبلوماسي، والمؤسسات المالية، والمدنيين، والجيش، والقضاء.

 والبيروقراطيون المسؤلون عن هذه المؤسسات هم موظفون يعتمد موقفهم على الولاء فقط، والغالبية العظمى منهم غير مؤهلة تماما، هم يتلقون الأوامر من القصر وحده، بينما تم اسكات كل الاصوات الاخرى.  هذه المؤسسات لم تعد تساهم بشكل بناء في عملية ادارة البلاد سواء من خبراتهم او معارفهم، لقد تم إنهاء تقاليد العثمانية والدولة التركية.

الحزب الصالح سيظهر على خشبة المسرح لإحياء هذه المؤسسات، وبهذا المعنى، فإن فرص النجاح عالية بما فيه الكفاية، وعبارة "القومي التركي" التي كثيرا ما تتكرر في نصوص وبيانات المؤسسات ستزول بمرور الوقت، وينبغي ألا تظل عالقة بالذهن، لأنه سوف تكون هناك دولة "تحاول إنقاذ نفسها" وراء هذا التشكيل، ولا ينبغي التقليل من شأن رد الفعل هذا، فهي دولة قديمة، وقوية.

وبالتالي، لا يوجد شيء جديد لدى الحزب الصالح؛ فالعودة إلى النظام القديم، الذي من المفترض أن يكون جيدا هي موضوع الحديث، وفي هذا السياق، فإن حزب الشعب الجمهوري الذي يتغذى من نفس المصدر لديه بعض الكيمياء مع الحزب الصالح؛ وهو شغوف بتكوين كل أنواع الإئتلافات، وسيقوم بتشكيل تحالفات انتخابية، وينبغي أن نسجل ذلك أيضا.

وبالاضافة الى إنه ليس هناك شيء جديد، فلا يوجد هناك أثر أيضا - للتغييرات التي نجحت الدولة في القيام بها في الفترة المبكرة من حكم حزب العدالة والتنمية بالاشتراك مع حكومة الائتلاف خلال فترة ما قبل حزب العدالة والتنمية بشأن التركيب الجيني لها والإصلاحات المستوحاة من الاتحاد الأوروبي - في برنامج الحزب الصالح. وممارسات حزب العدالة والتنمية الصارمة لمرحلة ما بعد عام 2013 لم تزعج الحزب الصالح، والمثال الواضح هنا هو سياسة مكافحة الإرهاب، والممارسات المناهضة للأكراد.

وفي هذا السياق، لا توجد مشكلة مع حزب العدالة والتنمية فيما يتعلق بمكافحة النزعة الانفصالية باسم التحديث، والذي كان خطا أحمر منذ تأسيس الدولة، ومع ذلك، فإن هذا الخط الأحمر لديه توأم، ألا وهو الأصولية أي الرجعية الدينية، وفي هذا الصدد، فإن الحزب الصالح ليس جنبا إلى جنب مع حزب العدالة والتنمية؛ وإنما هو مع الدولة.

لذلك يجب على الذين لديهم آمال كبيرة في الحزب الجيد أن يفهموا أن الحزب الصالح ليس حزبا جديدا وأنه لا يمكن أن يكون حلا للمشاكل المتصاعدة في تركيا، وفي مقدمتها القضية الكردية.

والمشكلة الثانية لدى الحزب الصالح ومؤيديه هي التهوين من الحطام الموجود، فالدمار المذكور أعلاه في بادئ الأمر ليس من النوع الذي يمكن اصلاحه بسهولة، حيث تم إبعاد البيروقراطيين الماهرين والذين كانوا يعملون على أساس مبدأ الجدارة، فاستاءوا، وتقاعدوا.

ولا يمكن العثور على بيروقراطيين بنفس المهارة والخبرة واستبدالهم بهم عن طريق الضغط على زر، وأولئك المؤهلون والمتعلمون من الأجيال الشابة مشغولون بمغادرة البلاد، كما أن حال نظام التعليم الذي يتلقاه الآخرون بين بين، وأسوأ شيء هو أن الذاكرات التنظيمية لهذه المؤسسات قد دمرت، وهذا ليس شيئا يمكن تعويضه، تماما مثل هجرة الأدمغة.

أما المشكلة الثالثة فهي مخفية بعمق شديد في الظلام الخفي، فالحزب الصالح ومن يدعمونه كبديل مقتنعون بأن الجزء الأكبر من المشكلة التي تعرف بأنها "التخلص من أردوغان" سيتم حلها عندما يستولي هذا الحزب (أو أي كيان سياسي آخر) على السلطة.

وحتى لو لم ينسحب أردوغان ودائرته من تلقاء أنفسهما بالانتخابات، فإنهما عند ذهابهما سيتركان كتلة ضخمة من المؤيدين، وهذا حطام اجتماعي مثل الحطام البيروقراطي تماما.

وهو حطام ضخم يمتد من مؤيدي تنظيم داعش إلى أعضاء الجمعية العثمانية المدثرة بالكفن، حتى يصل إلى الميليشيات المسلحة من كتل عملاء حزب العدالة والتنمية الذين استفادوا من النظام بطرق غير مشروعة لسنوات عديدة، وعقيدته هي "التفرد" : زعيم واحد، أمة واحدة، وطن واحد، علم واحد، دين واحد، لغة واحدة، ذهن واحد ...

إنها كتلة فاشية ستستغرق عقودا لمعالجتها....

إنها جماعة تفتقر إلى الضمير والعار والخطيئة وكل عقيدة إنسانية، وهي عدائية تجاه الحب والمعرفة، وتفيض بالعداء والحقد ...

إنها أطلال أخلاقية حيث لا يمكن للحزب الصالح ولا لأي بديل آخر يأتي بالانتخابات أن يصنع خيارا جيدا ...

يمكن قراءة المادة بالتركية ايضا: