تركيا في موقف حرج بإدلب

تلوح في الأفق أزمة إنسانية في مدينة إدلب السورية تكاد لا تمثل مفاجأة لمن يتابع الوضع في ذلك البلد. فمنذ أن بدأ الرئيس السوري بشار الأسد دحر المعارضة في المناطق التي تسيطر عليها منطقة تلو الأخرى في أنحاء البلاد بمساعدة من روسيا وإيران، كان واضحاً أن دور إدلب سيأتي في يوم من الأيام. 

والآن، لم يعد أمام النظام سوى القليل مما قد يشجعه على أن يُبدي قدراً من اللين، في الوقت الذي يحقق فيه النصر تلو الآخر. سيطبق النظام إذاً تكتيكات الأرض المحروقة التي اعتاد عليها لإجبار المدينة على الخضوع له.

كانت سيطرة المعارضة على إدلب في أوائل عام 2015 نقطة اندحار للأسد؛ لكن استعادة السيطرة على المنطقة ستسمح للنظام بإعلان النصر في الصراع المستمر منذ أكثر من سبع سنوات.

وستكون الكلفة البشرية في المنطقة ذات الكثافة السكانية العالية حائلاً؛ لكن هذا بكل تأكيد لن يوقف قوات الأسد، وقد ينتهي الأمر بفوزهم في حرب الروايات. ويعيش في إدلب إلى جانب سكانها مئات الآلاف من النازحين الذين تنقلوا مرة أو أكثر من مناطقهم هرباً من هجمات النظام. 

وعلى عكس المناطق التي أعيد غزوها في الآونة الأخيرة في جنوب غرب البلاد، تضم إدلب مسلحين موالين لهيئة تحرير الشام التي بدأت في الأصل كفرع لتنظيم القاعدة. وسيكون من شأن وجود هيئة تحرير الشام ونفوذها على الأرض إضفاء الشرعية على الحملة التي تشنها الحكومة. وليست مصادفة أن وزارة الدفاع الروسية تثير أوجه الشبه مع الحملة التي قادتها الولايات المتحدة للسيطرة على الرقة من أيدي تنظيم الدولة الإسلامية الذي قتل عدداً ضخماً من المدنيين. ومن الجدير بالذكر أن النقطة ذاتها لم يثرها أي شخص سوى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مقابلة لفوكس نيوز في أعقاب قمة هلسنكي القليلة الحظ مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يوليو. 

وستمثل الحملة القادمة نقطة تحول لتركيا.

وإلى الآن، نجحت أنقرة في تجنب شن هجوم وكسب الوقت. وفي وقت سابق من هذا العام، بدت الصورة كما لو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يمكنه أن يصل إلى حل وسط بشأن إدلب مع بوتين. وستكبح روسيا جماح الأسد ووكلاء إيران، بينما سيتدخل الأتراك في إدلب لإقناع هيئة تحرير الشام بحل الهيئة والاندماج مع فصيل آخر من الجماعات الأقل تطرفاً مثل أحرار الشام، وهي مليشيا سلفية كبيرة.

وفي فبراير، أقامت القوات المسلحة التركية سلسلة من نقاط المراقبة على طول حدود المدينة لتؤسس حاجزا حدوديا بين المعارضة والقوات الموالية للأسد. وكسبت أنقرة وقتاً ثميناً. وأظهرت روسيا نجاح فكرة مناطق عدم التصعيد، وهي من بنات أفكار موسكو، التي جرى التفاوض بشأنها في إطار عملية أستانة.

وكان الأسد في موقف يسمح له بنقل القوات إلى جبهات أخرى - وقد استعاد السيطرة على الغوطة الشرقية في أبريل، والمناطق الريفية شمال حمص في مايو ودرعا في يونيو- يوليو. وعلى الرغم من علم تركيا بأن عقارب الساعة تركض، فإنها لم تحقق سوى القليل من التقدم في تلك الفترة الحاسمة فيما يتعلق بإدارة المتغيرات السياسية داخل إدلب. 

وبعد الفوز في معركة عفرين، كانت الأولوية القصوى لأردوغان هي تحقيق نصر حاسم في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الرابع والعشرين من يونيو. وكان من شأن الأزمة المالية وتفاقم الخلاف مع الولايات المتحدة تحويل الأنظار عن سوريا. في الوقت ذاته، أخذ الموقف في إدلب منحىً إلى الأسوأ؛ فقد شهد فصل الصيف اقتتالا بين الفصائل المختلفة في المنطقة المحاصرة، وهو ما أعطى النظام الكثير مما يغذي به دعايته.

وتجد تركيا نفسها في موقف صعب؛ فمن يفترض بهم أن يكونوا شركاء لها في عملية أستانة غير مفيدين كثيراً كما ظهر في قمة الأسبوع الماضي مع الرئيس الإيراني حسن روحاني وبوتين. وقد تكون روسيا تتظاهر قولاً بعدم التصعيد، لكنها - كما كان الحال في الهجمات السابقة - تقود قواتُها الجوية الهجومَ، في الوقت الذي يتقدم فيه الأسود والموالون له على الأرض. ومن الأمور المثيرة للاهتمام أن إيران لم تزج بمليشياتها؛ وقد يكون ذلك مرتبطاً بحقيقة أن المناطق الأخرى الأقرب إلى حدود سوريا الشرقية ذات قيمة أعلى لطهران. بيد أن هذا قد يتغير إذا تصاعدت أعمال القتال. وفي أقل تقدير، يتمتع الجانب الموالي للأسد في الوقت الحالي بميزة عسكرية. وتحاول تركيا تعويض هذا من خلال نشر وحدات من الجيش السوري الحر في إدلب؛ لكن هذا قد لا يكون كافياً.

في نهاية المطاف، سيكون على أردوغان أن يقرر بين خيارين، أولهما تعزيز تواجد الجيش التركي في المنطقة لردع الأسد؛ وفي هذه الحالة سيكون يخاطر بمواجهة مع روسيا، وليس هذا بالاحتمال المرغوب فيه في ضوء سابقة إسقاط طائرة روسية من طراز سوخوي إس.يو-24 في نوفمبر 2015. أما الخيار الآخر، فهو أن يسحب المراقبين الأتراك من الحدود ويتعرض للإذلال على يد الأسد. ومن شأن وصول مئات الآلاف من النازحين في الداخل إلى مناطق شمال غربي سوريا الخاضعة للسيطرة التركية أن يفرض تكاليف إضافية. كما أنه سيكشف اعتماد تركيا على الاتحاد الأوروبي الذي يتحمل في الوقت الحالي فاتورة اللاجئين السوريين بفضل اتفاق اللاجئين الذي أبرمه مع تركيا في مارس 2016. ويُقِر أردوغان في مقال نشرته صحيفة وول ستريت جورنال بتلك الحقيقة.

وباختصار، يحتاج الزعيم التركي بشدة إلى حفظ ماء وجهه؛ وهو يلتمس المساعدة من بوتين ومن الغرب، لكن المشكلة هي أنه يفقد الدعم. ومن الممكن أن تكبح روسيا جماح الأسد مؤقتاً، لكنها بالتأكيد لا يمكنها أن توقفه. والحلفاء في الغرب، خاصة أوروبا، بإمكانهم أن يعطوا تركيا المزيد من المال للتعامل مع تدفق اللاجئين. بيد أنهم يَبدُون غير راغبين في تقديم المزيد، وليست لديهم القدرة على أن يفعلوا هذا.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: 

https://ahvalnews.com/turkey-syria/turkey-tough-spot-idlib
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.