Nesrin Nas
يناير 10 2018

تركيا.. كسر الحلقة المفرغة

بعد فترة طويلة من الزمن، طفا الاقتصاد على السطح على أنه المشكلة العامة الأولى في تركيا مجددا.
فقد تزايدت وتيرة التضخم وستواصل الزيادة. ووفقا للبيانات الصادرة عن مكتب الإحصاءات التركي الحكومي (تركسات)، فقد وصل معدل التضخم خلال الاثني عشر شهرا الماضية 11.1 بالمئة، لكنه لن يتوقف عند هذه النسبة.
فمن ناحية، شهدت إيران اضطرابات تؤثر على أسعار الوقود. ومن ناحية أخرى، تشهد الأسواق التركية شكوكا بعدما أدانت محكمة أمريكية محمد حقان عطا الله نائب الرئيس التنفيذي السابق لبنك خلق بالمساعدة في مخطط لتجنب العقوبات المفروضة على إيران. ويشير الضغط الذي سببته هذه الأحداث على الليرة التركية إلى أن التضخم سيواصل الارتفاع.
والأكثر من ذلك، فإن فرض زيادة نسبتها 25 بالمئة على رسوم المرور على الجسور وهدف التضخم البالغ خمسة بالمئة يوضحان أن سلوك التسعير العام بنفس السوء الذي يعاني منه القطاع الخاص وأولئك الذين ينتجون ويبيعون السلع والخدمات.
ومما لا شك فيه، أن المشكلة لا تتعلق فقط بتعطيل سلوك التسعير العام. وبنفس المقياس، فإن الإنفاق العام يعاني من الانهيار هو الآخر.
ويسرع نظام حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي دشن ذات مرة حملة ادخار عام عن طريق بيع مشروع إسكان يشرف عليه البرلمان وبيع المركبات العامة، من الانفاق العام.  فعلى سبيل المثال، أضاف قصر الرئاسة هذا العام 38 سيارة فارهة جديدة لأسطول سياراته ليصل بذلك عدد سيارات الأسطول إلى 306 سيارات.
وفي 2002، سعت تركيا لتصبح دولة ذات ديمقراطية تعددية ودولة قانون من الطراز الأول. وكان هذا هو الهدف بجانب شعار "الشعب أولا" الذي جاء بحزب العدالة والتنمية للسلطة. واليوم، فإن حزب العدالة والتنمية قد بنى سمعته على القصور الرائعة والسيارات الفارهة والتحقير من الأعراف السياسة الخارجية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن البذخ في الإنفاق والاحتفالات الصاخبة ليست كافية لشرح مشكلة سلوك التسعير.  وتنعكس هذه السمات أيضا على نظام المساءلة التعسفية الذي يفتقر إلى الشفافية والذي تحول من عقلية "الشعب أولا" إلى "نفسي والحزب الحاكم أولا"، وهي الفكرة المهيمنة حاليا على كل شيء بدءا من السياسة والاقتصاد إلى كيفية تتشكل الدولة. 
وبهذا التحول، بعدما ظل النظام الحاكم 15 عاما في السلطة أو أكثر، فإننا نواجه دولة تحولت من كونها مبنية على الديمقراطية ذات يوم وحكم القانون إلى دولة قائمة على الحكم الشمولي والاستبدادية.
ومع عدم وجود مؤسسات تعددية وذات ديمقراطية شاملة في البلاد، فإن أولئك الذين يعيشون داخل البلاد مجبرون على مشاهدة وعود الحاكم بإحداث تغير جذري وهي تنحرف بعيدا في اتجاه مؤلم ويدفعون ثمنا غاليا.
لكن، الثورات تؤدي إلى ثورات مضادة. سواء أطلقنا عليها شعبوية باسم الديمقراطية أو استبداد الأغلبية، وتؤكد هذه المفاهيم تأكيد نفسها من جديد في كل موقف في حياتنا تقريبا كديكتاتورية شمولية أو حتى فاشية.  وتتكرر نفس هذه الحلقة المفرغة من أفريقيا إلى أمريكا الجنوبية وحتى في الغرب في القرن الثامن عشر ومرة أخرى في النصف الأول من القرن العشرين.
ولقرون مضت، كانت السلطة الاقتصادية والسياسية في أيدي نفس المجموعات، لكن ظهرت اكتشافات جديدة، ونماذج إنتاج جديدة، بالإضافة إلى هياكل اقتصادية جديدة، وعلاقات وشراكات جديدة لكسر هذه الحلقة المفرغة، وبهذا الطريقة، بدأت الحلقة المفرغة الحالية في الانهيار.
وفي المجتمعات التي تشهد تكوين الثروة بناء على الأرض والزراعة والموارد الطبيعية أو عندما تكون الأنشطة الاقتصادية في أيدي قلة صغيرة، وبغض النظر عن الذي يحرض على حدوث تغيير جذري، فإن النظام الحاكم الجديد يتحول إلى نظام قديم خلال فترة زمنية قصيرة. وفي الحقيقة، ومن أجل حماية هذا النظام الجديد، وفي أحيان كثيرة، يظهر "نظام قديم جديد" أكثر استبدادا.
فعلى سبيل المثال، كتب الوزير الإثيوبي جيورجيس، أحد وزراء الرئيس منجيستو هيلا مريام، (وكان منجيستو زعيما لجماعة ديرج الماركسية التي أطاحت بالإمبراطور هيلا سيلاسي، آخر حكام بيت الملك سليمان، في انقلاب عسكري في 1974) في مذكراته عن زمن سيلاسي يقول: 
"من عام 1974 إلى 1978، رفضا كل شيء يخص الماضي، سواء كانت السيارات التي كنا نقودها أو البذلات ورابطات العنق التي كنا نرتديها. لكن في عام 1978، بدأ كل هذا في التغير. فقد انتقل منجيستو إلى قصر سيلاسي وبدأ في الجلوس على عروشه المطلية بالذهب. ولم ينزل من العربة الإمبراطورية، لكن بدلا من ذلك بدأ في مقارنة نفسه بالإمبراطور تيودروس الذي أعاد إنشاء بيت سليمان".*
وعلى الرغم من هذا، فإن هذا ليس الحال في إثيوبيا فقط. فبعد الاستقلال، أقام معظم القادة الأفارقة في قصور الحكام الاستعماريين أو الملوك الذين تمت الإطاحة بهم. لكن هذا لم يكن كافيا. فقد بدأ القادة الجدد بالقيام بنفس ما كان يقوم به سلفهم في قصور الأباطرة والملوك والحكام الاستعماريين السابقين، بل لقد فعلوا ما هو أسوأ. 
وفي الوقت الذي كانوا يفعلون فيه كل شيء أسوأ، بدأوا النظر إلى شعوبهم على أنهم أعداء. فقد شهدت إثيوبيا مجاعة شديدة في 1984. وبالنسبة لمنجيستو، كانت المجاعة أداة يتم استخدامها ضد المعارضة. ونتج عن هذه الوحشية موت  ألوف الأشخاص.
واليوم، يبدو الحماس المبكر للاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران قد تعرض للإخماد. والأسباب الرئيسية للمظاهرات هي البطالة والفقر والفساد، لكن الانتفاضة قوبلت بالكثير من الوحشية والاضطهاد أكثر مما كان يفعل نظام الشاه.
وحيث إن أولوية الملا هي حماية واستمرار النظام القائم، فلا يوجد أشياء مثل سعادة ورفاهية الشعب الإيراني. واستخدم نظام الملالي عائدات النفط والغاز لتمويل النظام ويستخدمون اضطراب الشعب كطريقة لتعزيز وتقوية سلطتهم. ولا يختلف هذا عن ما كان يحدث زمن الإمبراطورية.
وبالنسبة للزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي والرئيس السابق الاستفزازي محمود أحمدي نجاد، وحتى بالنسبة للإمبراطور الذي ظهر حديثا، فإن الأعوام الأربعة عشر الماضية من الجفاف، والمجاعة، والقرويين الذين أجبروا على ترك أراضيهم والهجرة إلى المدن غير مدرجة حتى على جداول أعمالهم.
ولم يكن حتى جوع الشعب والبطالة على جدول أعمال النظام الذي أطاح بالشاه. وكانت روعة إيران ترتكز فقط على العروش المطلية بالذهب داخل القصور ووجود سلالة بهلوي. وكان رمز "السلطة" تصرف العاملين بالوحشية موجهة إلى الشعب.
وبالتأسيس على شعارات الحرية والمساواة بين الشعب، أطاح نظام آيات الله بالشاه، لكن منذ ذلك الحين، انتهج النظام نفس القمع والفساد الذي كان ينتهجه الشاه، بل أصبح أكثر وحشية وقمعا. ولحماية الثورة، قامت الدولة بإعدامات وحالات تعذيب وتكدست السجون بالسجناء، وهذه هي حقيقة إيران حاليا، إلى درجة أن الثورة حاليا تأكل أبناءها وينظر إلى أحفاد الرئيسين السابقين أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي وحتى إلى أحفاد آية الله روح الله الخميني على أنهم خونة.
ويمكننا القول أن الجفاف والمجاعة هما إرادة الله، لكن الجفاف والكارثة البيئية أديا إلى تفريغ القرى من سكانها. ولنتذكر معا أن 50 بالمئة من الشباب الإيراني يعاني من البطالة لكن أي شخص يتساءل عن انفاق الدولة على الأسلحة النووية والحرب في سوريا يتم وصمه بالخائن والمتعاون أو بأنه عميل ويزج به في السجن.
ومازالت الأنظمة الشمولية تجري انتخابات مثلما هو الحال في إيران. وبالطبع ومن أجل الحفاظ على المعارضة تحت ضغط، يتم الاعتراض على ألوف المرشحين ويُطلق أنصار النظام الحاكم في الشوارع.
وطالما أن التغيير مفهوم ويتم تقديمه ببساطة على أنه أيدي تغيير المؤسسة الحالية، فإن تغير النظام لسوء الحظ ليس سوى تحول إلى نظام قديم جديد خلال فترة زمنية قصيرة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن التغييرات فقط التي يمكن أن تكون دائمة هي تلك التي تحدث تحت مظلمة ائتلاف واسع يشتمل على اختلافات المجتمع مثل ما حدث في الغرب مثل فرنسا وبريطانيا.
وثمة تقليد برلماني قوي يحافظ على التغيير من سجنه في حلقة ضيقة.
وفي الدول التي يوجد بها أساليب حياة مختلفة جنبا إلى جنب تحت ضمان العلمانية، فإن التراجع من الجديد إلى القديم يلاقي قدرا كبيرا من المقاومة.
وتجعل العولمة إلى جانب المزيد من الإنتاج المعقد والمتطور، والتجارة، والعلاقات المالية من المستحيل بالنسبة لأنظمة الحكم الشمولية القمعية الحفاظ على الانصياع لفترات طويلة من الزمن.
ولهذا السبب، فإن الوقت لم يفت بعد بالنسبة لتركيا.
وعلى الرغم من التوقف الذي تشهده المفاوضات، فمازلنا نناقش عضوية الاتحاد الأوروبي. وقد قمنا بتنفيذ العديد من الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الشاملة.
وفي جميع الأحوال، نملك هيكلا اقتصاديا مفتوحا ومنافسا ولدينا خبرة مع المؤسسات الاقتصادية المستقلة.
كما لدينا تقليدا برلمانيا دائما متعدد الأحزاب من شأنه الإجبار على انتهاج التعددية عند الافتقار إليها.
وعلى الرغم مما يعانيه من تعطل، فنحن لدينا قاعدة قانونية علمانية، ومواردنا البشرية قوية حيث إن أكثر من نصف الشعب له وظائف يعمل بها.
ومازال الآباء يجعلون من التعليم الجيد لأبنائهم أولوية.
ونتيجة لذلك، لدينا الخبرة والأدوات التي تمكنا من التشمير عن سواعدنا لكسر الحلقة المفرغة من المفاوضات على نظام حكم جديد أسوأ من القديم. وكما أكد أيسن كانداس في مقال حديث له على موقع "أحوال تركية" "لنطلق على الموقف اسما ونتخذ إجراءات ... قبل فوات الأوان".

* دارون أسيموجلو وجيمس روبنسن، لماذا تفشل الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر (2012).
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: