اومت كرداش
فبراير 24 2018

تركيا.. كيف يمكن لحزب الشعب الجمهوري المُعارض أن يصبح بديلاً للحزب الحاكم؟.

 

أدَّى افتقار الساحة السياسية في تركيا لوجود حزبٍ سياسي ذي صبغةٍ اجتماعية ديموقراطية؛ ولديه القدرة على حل كافة المشكلات العالقة، واحتضان كافة الأطياف في المجتمع عبر توسيع مساحة الديموقراطية والحريات؛ إلى خلق حالة من التوتر المستمر لدى النظام الحاكم مع ما تبقى من مجتمعٍ تتقاذفه أمواج من الأزمات السياسية المتتالية.
لقد أثّرَ خلو الساحة السياسية كذلك من حزب قوي يمكنه الصمود في وجه حزب (العدالة والتنمية) الحاكم، الذي تغوَّلت سلطته وهيمنته - مما أثَّر سلبًا على الديموقراطية، والحريات، وحقوق الإنسان - على المسار الطبيعي للديموقراطية في البلاد.
كما ساعد تنازل حزب (الشعب الجمهوري)،  بمحض إرادته، عن واجبه - بوصفه الحزب الوحيد الحامي لأيدولوجية رأسمالية الدولة - إلى حزب (العدالة والتنمية) الحاكم - في الزج بالحزب في مأزقٍ تحت قيادة رئيس الحزب كمال قليجدار أوغلو.
وتسبَّب هذا الانسياق الأعمى لحزب (الشعب الجمهوري) في إحساسه الدائم بالعجز عن صياغة مفاهيم جديدة، والتحدث بلغة تواكب ما يستجد من أحداث. وكانت كل التصريحات الصادرة عنه تصب في اتجاه إضفاء غطاء من الشرعية على السياسات الاستبدادية المعادية للديموقراطية التي تنتهجها السلطة الحاكمة في تركيا.
كما كان لافتقاد حزب (الشعب الجمهوري) القدرة على التحدث إلى الشعب مباشرةً، وعدم مخاطبته عقول أبنائه من أجل تقديم حلولٍ جريئة لمشكلاتٍ قديمة، ناء بحملها المجتمع التركي، بالغ الأثر في تقييد فكرة "إمكان مجيء الأمل من بوابة هذا الحزب".
ظهر علينا حزب (الشعب الجمهوري)، مردداً الوعد تلو الآخر بتغليب الحقوق، والحريات، والانتصار للحقوق. إلا أنه لم يصمد طويلًا؛ فسرعان ما تراجع عما وعد به اعتبارًا من عام 2011، وأسقط كل ما قاله سابقًا من أجندته السياسية، على الرغم من انفتاحه مدة ليست بالهينة على دول الاتحاد الأوروبي. الأمر الذي أفقده هويته، بوصفه حزب المعارضة الرئيس.
وبسبب فقدان الحزب للعديد من كوادره؛ أصبحنا لا نرى أي اتجاه حقيقي في اتجاه ترسيخ أسس الديموقراطية السليمة، ولم يعد له وجود ملموس في اقتراح نموذجٍ  اقتصادي يمضي بالتوازي مع العدالة الاجتماعية، والسلم. ومن ثمّ اختفت الرؤية السياسية، والاجتماعية الصائبة من داخل حزب (الشعب الجمهوري).
وعلى الرغم من أن الكوادر المتبقية داخل الحزب لا تبعث على الأمل، إلا أن هذا لا يمنعنا عن الإقرار بالحاجة إلى اتخاذ القرار بتفعيل برنامج آخر داخل حزب (الشعب الجمهوري)، يشرف عليه كادر جديد لا يتورع عن توجيه سهام النقد إلى النظام المعمول به داخل الحزب، أملًا في إحداث التغيير المنشود.
وكان للبيان المشترك الذي خرج به عضوا حزب (الشعب الجمهوري)؛ سَلين صايَك بوكا نائبة مجلس الأمة عن إزمير، وإلهان جيهانر النائب عن إسطنبول، قبل المؤتمر السادس والثلاثين للمؤتمر العام للحزب، من الأهمية بمكان بعد أن أكّدا على ضرورة انتهاز فرصة انعقاد هذا المؤتمر لإحداث كافة التعديلات الأيدولوجية، والمؤسسية، والتنظيمية الضرورية داخل حزب (الشعب الجمهوري).
أكَّد النائبان في هذا البيان - الذي طالبا بإدراجه في جدول أعمال المؤتمر ضمن القضايا الأكثر إلحاحًا، مثل مسألة مقاطعة مجلس الأمة التركية - على ضرورة ألا يقتصر جدول أعمال المؤتمر على مناقشة موضوع إجراء انتخاب الرئيس العام للحزب فحسب، حيث ذكرا "ينبغي أن ننتهز فرصة انعقاد هذا المؤتمر، ونفسح المجال من خلاله لمناقشة الكثير من الأفكار التي من شأنها رسم خطٍ سياسي واضح لحزب (الشعب الجمهوري) إزاء القضايا الأكثر إلحاحًا في الدولة التركية".
شدّد عضوا حزب (الشعب الجمهوري) في إحدى فقرات البيان على ضرورة إحداث إصلاحات داخل الحزب، حيث قالا: "تعتمد فكرة الشمولية لدى حزب (الشعب الجمهوري) على توخي الحذر في كل خطوة يخطوها؛ حتى لا نقع في فخ "الغموض الأيدولوجي"، وعلى وضع أسسٍ، ومبادئ واضحة يسير على نهجها، وعلى إشراك المجتمع في صياغة المستقبل، بما يتفق مع الأسس التي توافق عليها أعضاء الحزب من قبل. من هنا يتعين علينا - ونحن نؤسس لسياسة جديدة لحزب (الشعب الجمهوري) - أن يكون برنامجه الجديد عبارة عن تعديلٍ للنظام القائم بالفعل، وأن نضع نصب أعيننا - ونحن نقوم بهذه الخطوة - أن يعمل هذا البرنامج على تغيير الوضع السياسي الذي فرضه علينا حزب (العدالة والتنمية)؛ بما يتوافق مع إرادة المجتمع، وألَّا يأتي هذا البرنامج الجديد للحزب غريبًا، لا يتوافق وهوية الحزب ومبادئه. 
يتعين علينا كذلك ألا نهمل المبادئ الأساسية التي قامت عليها الجمهورية التركية، والقيم العالمية للديموقراطية الاجتماعية، متذرعين بمفاهيم مثل "القضايا الحساسة" كما يُرَوِّجُ لها حزب (العدالة والتنمية)، و"البعد الأمني"، و"القومية"، و"الوضع الراهن".
ينبغي أن نطبق هذه القيم بشكلٍ صارم، وأن يُوضَعَ إطارٌ ديموقراطي متزنٌ للتسوية، يرفض الزج بالشعب في قضايا الإرهاب؛ بتطبيق سياسات أمنية قمعية - كما حدث في التعامل مع القضية الكردية على سبيل المثال- ويضمن تحقيق السلام المجتمعي الدائم بإفساح المجال أمام نظام سياسي ديموقراطي شامل.
يجب ألا نتراجع - في البرنامج المقترح - عن أسس الحزب ومبادئه في الدفاع المتناهي عن مبادئ العلمانية، والحرية، والديموقراطية، والمساواة، وإقرار السلام، التي هي نفسها المبادئ الأساسية للجمهورية التركية، والتي تعد في الوقت نفسه من أسمى القيم العالمية للديموقراطية الاجتماعية.عندها يمكن القول إن حزب (الشعب الجمهوري)، الذي يشتغل بالسياسة، قد أحدث تغييرًا سينعكس أثره على مستقبل تركيا بأكملها. نحن نثق بموروثاتنا، ونعلم علم اليقين أن هناك الملايين من أبناء شعبنا يقفون على أهبة الاستعداد، كي يَهِبُّوا لنصرة الحرية، والعلمانية، والديموقراطية، وترسيخ مبدأ العدل والمساواة." 
ينبغي علينا كذلك أن ندرك أن التغيير هو مطلب مجتمعي، وأن الاتجاه نحو تخلي القوى اليسارية عن استراتيجية الدولة، ووقف التعاون مع القوى القيادية، وإشراك الشعب في برنامج الحزب، وإقناع أبناء الشعب بأنه يمارس السياسة من أجلهم، وأن ما يقوم به من تغييرات تصب في النهاية لصالح مستقبلهم هي في النهاية أمور حتمية لا يجب التراجع عنها في مسيرة التغيير هذه.
كيف تشكلت البنية البشرية التي تعتمد في الأساس على الإنسان، والطبيعة بكل ما فيها من أحياء أخرى؟
هذا هو السؤال الذي يبحث اليسار عن إجابة له، في مقابل ظاهرة العولمة التي تتخطى حدود الدولة الواحدة. لن يقدم التقدم التكنولوجي الحل بمفرده؛ لأن تأثيرات هذا التقدم لن تتسم بالحياد. كما أن القرارات السياسية هي وحدها القادرة على جعل تأثيرات التقدم سلبية، أو إيجابية.
يتصدر المشهد أيضًا عوامل أخرى مثل الفقر، والبطالة، وفقدان الوظائف، وعمالة الأطفال، وسوء توزيع الدخل، والحروب، واحتلال الدول، والإرهاب، وانتهاك حقوق الإنسان.
ينبغي أن نتحرى الدقة والشفافية عندما نجيب- في إطار برنامج الحزب الذي يسعى في الأساس إلى إحداث تغيير في المجتمع- عن أي أسئلةٍ يمكن أن تُوجَّه إلينا مثلاً عن  كيفية إمكان تحقيق النمو الذي ينشده المواطنون، والذي سيجعلهم أفراداً عاملين مُنتجين، يشعرون بالسعادة في المجتمع الذي يعيشون فيه، وكيف يمكن الوصول إلى مستوياتٍ مرضية في موضوعات حقوق الإنسان، وتأمين فرص العمل، وشروط تشغيل العمالة. 
ينبغي على حزب (الشعب الجمهوري) كذلك أن يَعُدَّ العدّة - من خلال برنامج قوي- من أجل وضع أساسٍ قوي لبناءٍ يمكنه التصدي لعددٍ من الأنشطة مثل: التسليح، وصناعة السلاح، واندلاع الحروب، واحتلال الدول، واستخدام القوة العسكرية ضد دولة أخرى، وسوء استخدام التكنولوجيا الحديثة بشكل يضر بالإنسان، ومشكلة استغلال العمالة، وانتهاكات حقوق الإنسان. يتعين على حزب (الشعب الجمهوري) كذلك أن يتزود بطاقة هائلة؛ حتى لا يشعر بالخنوع للنظام الحاكم.
يعاني المجتمع التركي الكثير من المشكلات التي كانت، ولا تزال، تقض مضجعه، وتأتي على رأسها مشكلة البطالة، ومشكلة العَوَز التي تنجم عن عجز بعض العمال عن الحصول على مستحقاتهم من أصحاب العمل نظير عملهم، ومشكلة الأمن التي تفاقمت بشكل مضطرد في الآونة الأخيرة؛ بشكلٍ جعل المواطنين يخشون المستقبل، ومشكلة الصحة، ومشكلة الإسكان، وعدم حصول أبناء الوطن على نفس الفرص في التعليم، والظلم الذي يتعرض له المواطنون، وأخيرًا مشكلة استئثار الدولة وحدها على كافة الحقوق الاجتماعية.
أو يمكننا القول، بتعبير آخر، إن معاملة مواطننا بشكل آدمي، ومنحه المقابل لقاء كده، وجهده، وجعله واثقًا مطمئنًا بأن حقوقه آمنةٌ، مُصانة بقوة القانون هي - في حقيقة الأمر- أشياءٌ من المتطلبات الأساسية في الحياة. لهذا السبب ما زالت هناك فرصة كي تصبح الديموقراطية الاجتماعية هي وحدها السلطة المهيمنة التي تحتضن أبناء الشعب.
ينبغي أن يقدم البرنامج المقترح من قِبَل حزب (الشعب الجمهوري) حلولًا مادية ملموسة لتسوية القضية الكردية؛ حتى يعيش الأكراد في سلام، وحتى ينعموا بمعاملة آدمية في ظل القانون، بعد أن تعرَّضوا على مدار فترة طويلة لمعاملة قاسية خشنة؛ لا لشيء سوى لأنهم ينتمون لطائفة مختلفة.
من المهم أن نعتمد في بحثنا عن الهوية على "الاتحاد في وسطٍ تحيط به الاختلافات" وليس على "وسط كل عناصره متآلفة متشابهة". ينبغي على الحزب أن يوضح بشكل صارم كيف يمكن تهيئة الظروف للحفاظ على هوية الشعب الكردي وثقافته، بغض النظر عن كونهم شركاء لنا في هذا الوطن.
يتعين التعبير صراحةً عن أن وجود طوائف لا تخشى الإفصاح عن هويتها المحلية؛ طوائف يعيش أفرادها في مناخٍ ديموقراطي حر - بغض النظر عن شعورهم بالأمان والطمأنينة التي يوفرها إحساس أبناء هذه المنطقة بأنهم شركاء في الوطن - يرتبط في الأساس بتوفير الأمن القانوني لهم.
ينبغي على حزب (الشعب الجمهوري) أن يتناول في برنامجه مقترحاتٍ لتلبية احتياجات أبناء الطائفة العلوية وحقوقها؛ تلك الطائفة المُخاطبة بسياسة الاندماج مع المواطنين من غير المسلمين الذين تعرضوا هم أيضًا للظلم.
ينبغي أن يقدم هذا البرنامج حلولاً ومشروعاتٍ حقيقية ملموسة؛ يُمْكِنُ لأي شخصٍ أن يستفيد منها؛ كأن يجد أي شخص العمل المناسب الذي يحصل منه على القيمة الحقيقية التي تكافئ كده وتعبه، وأن ينعم الجميع بالأمان الاجتماعي الذي يجعلهم آمنين في المستقبل، وتوفير المسكن المناسب، وتوفير الرعاية الصحية والقانونية، وتحقيق العدالة في حصول كل مواطن على الحق في التعليم
لا بدّ للبرنامج الجديد أن يتناول كيفية الحفاظ على تاريخ منطقة بعينها داخل تركيا، وأن تصبح القيم الأخلاقية هي الحاكمة في إقامة المدن.
ومع هذا، فأنا أعتقد أنه من المهم - إلى جانب الأولويات السابقة – أن نضع سياسات تعليمية ثقافية تحترم حقوق الإنسان؛ حتى يمكن خلق بيئة صالحة يستطيع أبناء الوطن الواحد العيش في كنفها، واكتساب القدرة على التفكير النقدي التحليلي؛ حتى يمكن توفير سبل المعيشة، وإقامة جمهورية ديموقراطية بحق.
السؤال الآن، هل يمكن لحزب (الشعب الجمهوري) - حال إقراره هذه التعديلات الجديدة على برنامجه، وطرحها على الشعب - أن يكون البديل المرشح لتولي السلطة خلفًا للحزب الحاكم؟ أم أنه سيتراجع عن إقرار هذه التعديلات، ويترك الساحة للكوادر السياسية البالية؟.
الشيء المؤكد أنه لا سبيل لإقرار الديموقراطية في مكانٍ لا يوجد به بديل مناسب يمكنه أن يحل محل الحزب الحاكم الذي سيتغوَّل، وينزلق نحو الاستبداد.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/chp/chp-nasil-iktidar-alternatifi-olabilir