أرطغرل غوناي
فبراير 27 2018

تركيا: "لا تقدم لمجتمع يخلو من تقبل النقد!"

عندما أهدى رجب طيب أردوغان، رئيس وزراء تركيا في ذلك الوقت، الجائزة الرئاسية الكبرى للفنون والثقافة لعام 2009 إلى تشيتن ألتان، وجه الزعيم التركي خطابا ليس من الصعب تذكره إلى الكاتب والسياسي البارز:

"لا يمكننا ان نتبع منهجا لا يتسامح مع الانتقادات. فأساس الديمقراطية هو احترام جميع الآراء، ولم تعد تركيا بلدا يحتجز فيه الفكر. فبدون الكلمات والرسائل والأفكار، لا يمكننا أن نحقق مسعانا بأن نكون جديرين بالقول إننا أصحاب حضارة.
الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يقف عائقا أمام فهمنا لبعضنا البعض، أو على الأقل السعي في اتجاه ذلك.
ويسعدني أن أقول إن تركيا اليوم ليست الدولة التي وجهت اتهامات رسمية إلى تشيتن ألتان لنحو 300 مرة ولا المكان الذي سجن فيه ناظم حكمت لمدة 12 عاما".
ناظم حكمت
ناظم حكمت

وكان حكمت، الشاعر الشيوعي التركي الشهير الذي توفي عام 1963، قد ألقي به خلف القضبان في الخمسينيات من القرن الماضي.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الفقرات لم تكن سوى جزء بسيط فقط من الخطبة العصماء التي ألقاها أردوغان في هذه المناسبة، لكن يمكن تخيل الباقي من كلمته والتي دارت في معظمها حول أهمية الحرية وسيادة القانون والتعددية.
وأراد أردوغان، عبر توجيه هذه الكلمات إلى ألتان، وهو الكاتب الذي واجه دعاوى قضائية مئات المرات بسبب كتاباته وأمضى عامين في السجن، نقل أخبار سارة للكتاب والفنانين والمثقفين الحاضرين، وهو أنه لم يعد عليهم أن يقلقوا من إمكانية تعرضهم للمحاكمة والسجن بسبب أفكارهم وكتاباتهم، وظهر هذا تحديدا بقوله:

"لم تعد تركيا حبيسة مخاوفها، بل أصبحت دولة تتمتع بثقة بالنفس وتحترم اختلافات الأشخاص."

وبعد ست سنوات من هذا الحفل، توفي تشيتن ألتان وفارق عالمنا في عام 2015.
وفي الأسبوع الماضي، الذي صادف الذكرى التاسعة تقريبا من هذا الخطاب المفعم بالأمل، حكمت محكمة في اسطنبول على ابني تشيتن ألتان – الكاتب أحمد ألتان والأكاديمي محمد ألتان – بالسجن مدى الحياة، إلى جانب الصحفية نازلي إيليجاك. كما تم الحكم أيضا بسجن ثلاثة متهمين آخرين في نفس القضية على الرغم من عدم وجود سبب واضح لوجودهم على نفس لائحة الاتهامات.

الأخوان أحمد ومحمد ألتان
الأخوان أحمد ومحمد ألتان

ويجدر القول في هذه المناسبة إن الأخوين ألتان يعدان من الكتاب الذين لا يشغلهم شيء في الحياة سوى مهنتهم، وهو ما ساهم في بزوغ نجم الأول باعتباره كاتبا روائيا ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات فيما يشتهر الثاني بأنه أكاديمي اقتصادي يشار إليه بالبنان.
أما نازلي إيليجاك فهي صحفية قديرة تحظى باحترام بالغ في الدوائر الصحفية وتشتهر بشخصيتها القتالية.
وقد يكون من الطبيعي أن أولئك الذين يمتهنون الكتابة في المواضيع السياسية لن ينالوا رضا الجميع عن عملهم الذي قد يثير أيضا ردود فعل معادية أو غاضبة أو حتى مشاعر سوء النية.
لذلك، ليس من المستغرب أن يواجه الأخوان ألتان وإيليجاك، سواء كانوا على صواب أو خطأ، بعضا من ردود الفعل تلك تجاه كتاباتهم.
ومع ذلك، يجب أن تكون ردود الأفعال متناسبة مع الفعل في نهاية المطاف، وإذا شعر قارئ ما أنه أهين أو انتهكت حقوقه جراء كتابات هؤلاء الصحفيين، فربما يكون من حقه أن يقيم دعوى قضائية. بخلاف ذلك، يجب أن يتم مجابهة عمل الكاتب بعمل مماثل: مقال أمام مقال مضاد، كلمة مقابل أخرى. باختصار، يجب الرد على الفكر بالفكر.
لكن في السنوات الماضية، عندما تكون الحكومة هي من تشعر بالغضب تجاه مقال مكتوب، يجد الكاتب نفسه في مواجهة القضاء وعرضة للاعتقال الظالم والاحتجاز لفترة طويلة، حتى إذا لم يكن قد أدين بأي تهمة. ويحفل التاريخ التركي، بدءا من العهد العثماني وحتى العصر الجمهوري، بالكثير من حالات النضال في مواجهة الممسكين بزمام السلطة من أجل حرية الفكر.
وهذا ما جعل الأول من فبراير 2009 يوما تاريخيا إذ أعلن فيه أردوغان أن هذا النوع من الظلم قد انتهى وولى إلى غير رجعة في تركيا، وأن القبول باختلاف الآراء هو أساس الديمقراطية. وقد استمع الحضور، المؤلف من أشخاص من جميع الطوائف السياسية، إلى الخطاب وقد غلب عليهم الأمل حتى انخرطوا في عاصفة من التصفيق الحار بعده.
والآن، لدينا ثلاثة كتاب مشهورين تم الحكم عليهم بأقصى عقوبة منصوص عليها في النظام القضائي التركي، ألا وهي السجن مدى الحياة، حتى بالرغم من عدم وجود أي دليل يشير إلى أنهم مذنبون بفعل أي شيء، اللهم إلا آرائهم وكتاباتهم.
وعلاوة على ذلك، لدينا أيضا سابقة في التاريخ القانوني التركي حينما أمرت المحكمة الدستورية بإطلاق سراح محمد ألتان، بينما لم تكتف المحكمة الأدنى برفض تنفيذ الحكم، بل ورفضت أيضا الاعتراف به خلال جلسة الاستماع.
وفي اليوم الذي صدر فيه الحكم على الكتاب الثلاثة، كانت هناك أيضا أخبار سارة عن صحفي آخر ألقي به في السجون التركية دون اتهام واضح. فبعد قضائه أكثر من 300 يوم في الحبس الاحتياطي على خلفية تهم بالتجسس، أطلقت السلطات التركية سراح الصحفي دينيز يوجيل الذي يعمل في صحيفة "دي فيلت" الألمانية بشكل مفاجئ بعد اجتماعات رفيعة المستوى بين تركيا وألمانيا، وعاد إلى ألمانيا في نفس اليوم.

دينيز يوجيل
دينيز يوجيل

لكن مواطني الجمهورية التركية لا يتمتعون بنفس حظ يوجيل فهم لا يملكون رفاهية اللجوء إلى أي دولة أو مؤسسة أو سلطة أخرى للدفاع عنهم وعن حقوقهم.
ملاذهم الوحيد هو القانون والعدالة!.
لذلك، بوصفي خبيرا قانونيا ومواطنا مسؤولا، آمل أن يثير هذا الحكم وغيره من الأحكام المماثلة تساؤلات عميقة في نفوس جميع المواطنين الأتراك، وليس في نفوس المحامين فحسب، وأن يتم طرح هذه التساؤلات أمام السلطات القانونية في المستقبل القريب.
ومن الممكن أن يساعد هذا التوجه، إن تحقق، في تحسين صورة النظام القضائي التركي الذي عانى في السنوات الأخيرة من اتهامات بالسعي إلى تحقيق مصالح حزبية (لمصلحة أتباع فتح الله غولن الذين يُزعم أنهم اخترقوا واستولوا على السلطة القضائية) في حين يبدو أنه يعتمد أكثر على الحكومة.
وهذا لا ينفي حقيقة أن أولئك الذين تجاهلوا تحذيراتنا منذ البداية بشأن الضرر الذي يمكن أن تسببه مثل هذه المواقف المتحيزة للقضاء يقفون اليوم ليصفوا سلسلة الأحكام الأخيرة بأنها تفتقد للشرعية. لكن في نهاية المطاف، كان المجتمع والمجال السياسي هما من دفعا ثمن مثل هذه الممارسات القانونية التي شابها قصر النظر والافتقار إلى العدالة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: