إبرو أردم أكتشاي
ديسمبر 19 2017

تركيا: لماذا لن تنجح الاستراتيجيات القديمة لحملات أردوغان في 2019؟

تقف تركيا على بُعد عامين من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرر إجراؤها في الثالث من نوفمبر 2019. وبمجرد انتهاء هذه الانتخابات، ستكون تركيا قد أتمت إنتقالها إلى نظام رئاسي يعطي الرئيس السلطة التنفيذية ويلغى منصب رئيس الوزراء.

ومنذ ظهور نتيجة استفتاء أبريل 2017 بإقرار التغيير الدستوري للنظام الرئاسي، وضع حزب العدالة والتنمية الحاكم نصب عينيه الفوز بانتخابات 2019، وعكف الحزب وكوادره على وضع الأسس لضمان بقاء الرئيس رجب طيب أردوغان في القصر الرئاسي. أما بالنسبة لأردوغان، فالخسارة ليست خيارا بينما الشرعية الديمقراطية لرئاسته هي أمر يمكن التنازل عنه.

وفي إطار التحضير لهذه الجولة، ينتهج أردوغان وحزب العدالة والتنمية استراتيجية ذات شقين، الأول هو تجديد دماء كوادر الحزب لمعالجة ما سماه أردوغان "وهن المعدن" والثاني هو إعداد تشريعات تُمكن حزب العدالة والتنمية من بسط سيطرته على العملية الانتخابية.

ووجد الحزب بالفعل سهولة كبيرة في تمرير هذه الخطوات بسبب هيمنة نظرة استبدادية على البيئة السياسية في البلاد بشكل متزايد في الآونة الأخيرة، وهو ما من شأنه أيضا أن يجعلها أكثر استبدادا في المقابل. ولا تنبئ إجراءات عزل رؤساء البلديات المنتخبين وفرض قيود صارمة على مراقبي الانتخابات بوجود نوايا لتطبيق الديمقراطية كاملة.

يزداد هذا الشعور حدة مع احتمالية استمرار حالة الطوارئ القائمة، التي تسمح بممارسة الحكم عن طريق المراسيم وبالقمع المستمر للمعارضة، حتى عام 2019.

ومع ذلك، فإن سيطرة الحزب على جميع مقاليد الحكم في الدولة، بما في ذلك وسائل الإعلام، ما زالت لا تكفل له بالضرورة تحقيق الفوز في الانتخابات، حيث أظهرت نسبة التصويت بـ"لا" في استفتاء أبريل 2017 مفارقة صارخة بعدما كشفت النسبة الضئيلة جدا (51 في المئة) التي مرر من خلالها أردوغان التغييرات الدستورية لمنح الرئاسة صلاحيات واسعة النطاق عن مخاطرة حقيقية بفشل أردوغان في الفوز.

وعلى الرغم من عدم تكافؤ الفرص بشكل كبير، كادت حملة "لا" أن تفوز بالفعل في الاستفتاء من خلال التكيف مع واقع البيئة السياسية القمعية المهيمنة حاليا في تركيا. وكما ذكرت في مقال سابق، من المحتمل أن يتمكن الحزب الجيد (حزب إيي) المحافظ الجديد من التكيف هو أيضا مع هذه البيئة ويقوم بتنظيم حملة ناجحة، حتى في ظل القيود العديدة التي يواجهها المتنافسون في السباق الانتخابي.

من ناحية أخرى، يكافح حزب العدالة والتنمية للتكيف مع نفس البيئة السياسية التي أشرف على تمهيدها، فبينما اتسمت استراتيجيات الحملات الانتخابية التي نفذها بنجاح منذ توليه السلطة في 2002 بالالتزام بالشرعية والتنافسية في نظر غالبية الناخبين، حتى وإن كانت غير ديمقراطية، لا يبدو أنه يتمتع بنفس الديناميكية والمرونة في ظل النظام القمعي الحالي.

ومن المعروف أن استراتيجية حزب العدالة والتنمية تعتمد على استطلاع الرأي العام باستمرار وتعديل رسائله وأولوياته بناء على النتائج. ولكن في ظل الحكم الاستبدادي الحالي، فإنه من المرجح ألا يعبر مؤيدو حزب العدالة والتنمية عن أفكارهم ومشاعرهم الحقيقية، وهي آلية دفاعية بديهية يطلق عليها الباحث السياسي تيمور كوران مصطلح "تزييف التفضيل". لذلك، لا يستطيع حزب العدالة والتنمية الاعتماد على استطلاعات الرأي لفهم ميول الناس مرة أخرى.

لكن استطلاعات الرأي ليست الوسيلة الوحيدة في جعبة حزب العدالة والتنمية الذي يتمتع بانتشار ممثليه في أنحاء البلاد، وتعمل أفرعه المحلية على جميع المستويات، سواء المركزية والإقليمية أو على مستوى المقاطعات والأحياء، كشبكة معلومات على مستوى تركيا بأسرها. وفيما تتدفق المعلومات من القاع، تأتي الرسائل السياسية والتوجيهات من أعلى، وهكذا. وتشير الاستقالات القسرية لـ22 رئيسا محليا في المقاطعات والتغييرات التي شملت الموظفين من خلال مؤتمرات حزبية على مستوى المناطق والمقاطعات إلى أن هذه الشبكة أكبر بكثير من بعض الأذرع المعطلة هنا وهناك.

كما تمثل البلديات التي يديرها حزب العدالة والتنمية جزءا لا يتجزأ من الأفرع المحلية للحزب حيث أنها توفر الموارد للخدمات والرعاية المحلية التي يسبغها الحزب على مؤيديه في هذه المناطق. فعلى سبيل المثال، ترعى البلديات العديد من الأنشطة التي تتوافق مع الرسالة السياسية التي يريد الحزب نشرها في منطقة ما. لكن في ظل تحول الحزب إلى المركزية بشكل متزايد تحت حكم رجل واحد، تضاءلت فعالية هذه الرسائل المحلية.

ونظرا للانكماش الاقتصادي الذي تمر به تركيا، أصبح أيضا من الأرخص على الحزب الاعتماد على سيطرته على وسائل الإعلام وفرض صورة أردوغان على الشعب من خلال الهيمنة على التغطية التلفزيونية.

لكن الاعتماد على وسائل الإعلام التقليدية أو وسائل التواصل الاجتماعي يفسح المجال لمشكلة أخرى. ففي السنوات الأخيرة، رأينا أردوغان يهيمن على التطورات السياسية، وخاصة على الساحة الدولية، وذلك بفضل سيطرته على وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعية واستخدام الدعاية عبر الإنترنت من خلال مجموعة تسمى "متصيدو حزب العدالة والتنمية".

غير أن ثقة الناس في التلفزيون والأخبار المطبوعة أصبحت معدومة الآن وأصبحت وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة مادة دسمة للسخرية حتى أُطلق عليها وصف "إعلام البطريق" في إشارة إلى القنوات الإخبارية التي عرضت أفلاما وثائقية عن البطاريق في ذروة احتجاجات منتزه جيزي عام 2013، والتي شكلت أضخم احتجاجات ضد الحكومة حتى الآن.

وتحديدا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في العام الماضي، لجأ الكثير من الناس إما إلى جعل حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي مقتصرة على معارفهم المقربين أو إلى استخدام تطبيقات الرسائل التي تضمن الخصوصية التامة مثل "واتس آب"، كما تؤدي السيطرة الحكومية على وسائل الإعلام إلى زيادة مشاعر التشكك والريبة في المجتمع، وهو ما من شأنه أن يحد من تأثير الرسائل السياسية التي يُراد نقلها عبر تلك الوسائل.

حقا، لا يزال حزب العدالة والتنمية يملك عامين لوضع استراتيجيات تتجاوز عقبات زيادة مستوى القمع ولتمهيد الطريق أمام التلاعب بالتصويت، لكنه يفتقر إلى الأفراد المؤهلين الذين يمكنهم مساعدة الحزب على التكيف مع البيئة السياسية الجديدة. وبدلا من أن يصبح حزبا يتميز بالابتكار ومرونة الحركة، بات الآن يعاني من الجمود في ظل تزايد الاستبداد داخل الحزب نفسه.

وفي حين أسفرت انتخابات يونيو 2011 عن إعطاء حزب العدالة والتنمية أعلى حصة من الأصوات فاز بها حتى اليوم (49.8 في المئة) وتمكن الحزب بعدها من تحقيق نتائج قريبة من ذلك عبر الترهيب وقمع التصويت وارتكاب المخالفات، يحتاج الحزب اليوم إلى التغيير للحصول على 50 بالمئة زائد واحد من أصوات الناخبين في الانتخابات المقبلة.

وسيحدد اتجاه هذا التغيير كذلك نوع النظام الذي ستتبعه تركيا بعد عام 2019.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: