جان تيومان
ديسمبر 14 2017

تركيا: لماذا نزداد فقرًا إذا كنا ننمو اقتصاديًا حقًا!!!

بينما تظل العملات الأجنبية تشكل إحدى الركائز الرئيسية لحكومة العدالة والتنمية؛ إلا أنها كسرت الرقم القياسي، وبلغ حجم التضخم والفائدة ذروته خلال ثماني سنوات .

وإلى جانب الارتفاع الملحوظ في سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة التركية، إلا أن سعر صرف الدولار مقابلها سجل زيادة بنسبة 114%، لا سيما عقب تصريح البنك المركزي الأمريكي في مايو عام 2013 بأن "الفوائد ستزداد". لقد ارتفع سعر صرف الدولار  من 1.8 ليرة إلى 3.85 ليرة.

وبعبارة أخرى انخفضت قيمة الليرة بنسبة 53% مقابل الدولار، وازداد الشعب التركي فقرًا. وعلى الرغم من أن هذه الخسارة كانت أثقل بكثير مما حدث في فبراير 2001 بنسبة "47%"، إلا أنَّها لم تتسبب في ردود فعل اقتصادية واجتماعية مذهلة بقدر ما كان في 2001، وذلك لأنها تحققت على أمد طويل وليس في ليلة واحدة.

غير أن الواقع يشير إلى أن بيانات حكومة حزب العدالة والتنمية تتناول القضية من وجهة نظر مختلفة على الرغم من الارتفاع الشديد في سعر صرف العملات الأجنبية التي تمثل مؤشرًا مهمًا على حالة الاقتصاد في أي بلد.

إن السلطة تبالغ باستمرار في أرقام النمو الاقتصادي، وإن أرقام النمو الاقتصادي المعلنة حاليًا على أنها 11.1 % تحمل أهمية كبيرة بالنسبة لما يدعيه حزب العدالة والتنمية من أن "القاطرة الاقتصادية تسير بشكل جيد". وكثيرًا ما يتم التأكيد على أن أرقام النمو رائعة ولا مثيل لها.

ومن ناحية أخرى ما زال السؤال مطروحًا عما إذا كان الشارع يشعر فعلًا بأرقام النمو المسجلة بقدر ما يتم الإعلان عنه أم لا يشعر بها؟ ويتساءل متين دوران المتقاعد والمقيم في بيليك دوزو إحدى المناطق العمرانية الجديدة في اسطنبول: "إذا كان الاقتصاد ينمو بهذا القدر فلماذا نحن فقراء؟!".

وأيضا زوجة دوران موظفة متقاعدة مثله، ويوجد لدى هذه العائلة ابن في الصف الأخير من المرحلة الثانوية. وليس لديهما دخل سوى ايجار منزل في مرتر بإسطنبول ورثته عن عائلتها إلى جانب المعاش الذي يتقاضيانه. وعليه تحقق دخلًا شهريًا يتجاوز 5000 ليرة. وفي الواقع يمكن أن يقال إن هذا الرقم معقول إلى حد ما وفقا لظروف تركيا.

وفي سبتمبر 2017 أعلن الاتحاد العام لنقابات العمال التركية أكثر النقابات أعضاءً أن حد الفقر بالنسبة لأسرة مكونة من 4 أفراد هو 4959 ليرة تركية. وعلى الرغم من أن متين دوران يمتلك دخلًا أعلى من حد الفقر الذي حدده الاتحاد العام لنقابات العمال التركية إلا أنه يتشكى ويتلوى لأنه لا يستطيع أن يعيش بهذا الدخل، فيقول:

"صرنا حين ندخل أصغر محل بقالة لا ندفع أقل من 200-250 ليرة. أننا نتسوق من السوبر ماركت مرة أو مرتين أسبوعيًا. وبينما نسعى لسداد فواتير ثلاثة خطوط اتصالات ورسوم الانترنت والكهرباء والمياه والغاز وخدمة التوصيل المدرسي لابننا ونفقات الطعام وبطاقة الائتمان؛ إذ بالنقود تذهب كما جاءت.

إنني سأستخدم بطاقة الائتمان مجددًا لعمل صيانة لسيارتي موديل 2010. ولأن البنوك رفعت الحد الأدنى لما يمكن سحبه من بطاقات الائتمان فإننا ندفع قيمة أعلى، وهذا يؤثر علينا جدًا.

وعندما سألنا دوران عما إذا كان هناك تغيير في السنوات الأخيرة أم لا؟ حصلنا منه على الإجابة التالية: "نحن نذهب لقضاء العطلة مرة واحدة سنويًا. قضينا العطلة عام 2014، وكان الأمر طبيعيًا. وفي عام 2015 ذهبنا لقضاء العطلة بالتقسيط من بطاقة الائتمان. وبسبب تعثرنا في دفع أقساط السنة الماضية قررنا ألا نذهب لقضاء العطلة. حتى أننا لم نتحدث هذه السنة عن قضاء العطلة."

وفي الواقع هناك تناقض وفجوة بين تصريحات السلطات الحاكمة والبيانات المعلنة وتركيا التي يعيش فيها المواطن التركي المتقاعد متين دوران. أما الغالبية العظمى في المجتمع التركي فإنهم يشعرون بأن هذه الفجوة تزداد يومًا بعد يوم، ومن ثم يتحدثون عن مشكلاتهم وشكاواهم.

والواقع أن تلك التناقضات وهذه الحكايات الاجتماعية المصغرة يمكن ملاحظتها واستنتاجها من البيانات الاقتصادية الكلية. ويبدو أن الاقتصاد التركي قد شهد تضاؤلًا ملحوظا 15 عاما الأخيرة في قطاع واحدٍ فحسب بينما سجل نموًا كبيرًا براقًا في غير ذلك، وذلك بسبب  التغييرات المسجلة في الحسابات التي أجرتها بيروقراطية العدالة والتنمية العام الماضي، وكانت سببًا في أن تبدو تركيا ثرية وغنية على الورق بنسبة 20%.

ووفقا للجهاز المركزي للإحصاء التركي فإن الدخل القومي الذي تم حسابه على أساس الليرة التركية قد ارتفع اعتبارًا من أواخر 2013 وحتى اليوم من 1.8 الى 2.96 تريليون ليرة، أي بزيادة قدرها 64.5 %. أما ارتفاع الدخل القومي بحسب أواخر 2013 والذي تم حسابه صافيًا من التضخمات والأرباح الموسمية بنهاية سبتمبر فقد بلغ 30.7 %.

ومع ذللك فإن وجها العملة مختلفين. فبينما النمو الحقيقي على مستوى الليرة لا يزال مستمرًا يتسارع التآكل في دخل الفرد على أساس الدولار.

وبالنظر إلى نفس السنوات يتضح أن دخل  الفرد الذي بلغ 12480 دولارا في نهاية عام 2013 قد انخفض إلى 10576 دولارا في الربع الثالث من هذا العام. أي إن هناك انخفاضًا حدث آخر ثلاث سنوات ونصف بنسبة 15.2 %، بالإضافة إلى تضاعف الفائدة. كما أن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة بشكل تام.

فعلى الرغم من أن عدد سكان تركيا يبلغ 79.8 مليون وفقا للأرقام الرسمية للجهاز المركزي التركي للإحصاء فهناك حوالي 4 مليون مهاجر معظمهم سوريين يعيشون في تركيا.

كلما نمى الاقتصاد انخفض دخل الفرد

عام    تغيير الدخل القومي الحقيقي  <%> تغيير الدخل القومي للفرد بالدولار  

2014               5.2                                        -2.9

2015               6.1                                         -9

2016               2.9                                       -1.2

2017٭              7.4                                       -2.2

 الفترة يناير – سبتمبر

دخل الفرد تناقص ألفا دولار.

الدخل القومي للفرد  < الدولار >

12.480        

12.112

11.014

10.817

10.576

الفترة يناير – سبتمبر

الجداول المذكورة أعلاه تؤكد على حقيقة مختلفة تمامًا عن حكاية النمو التي تتشدق بها السلطة في تركيا في جميع وسائل الاعلام.

المواطنون في تركيا التي يعتمد 25 % من اقتصادها على الواردات يزدادون فقرًا على المستوى العالمي. ولأن الزيادة الحادة في سعر الصرف أخلت بحدود التجارة الخارجية (نسبة سعر وحدة الصادرات على نسبة سعر وحدة الواردات) فإن الازدهار والنماء يتناقص برغم النمو السريع.

وقد تناول الاقتصادي التركي مخفي أييلمز الموضوع في مدونته الشخصية قبل فترة قصيرة، وتطرق إلى نظرية "النمو المفقر" للاقتصادي الهندي جاغديش بغواتي؛ فكتب:

"صدرت تركيا الكثير من السلع النصف الأول من عام 2017 أكثر مما كانت عليه في عام 2016، هذا في حين انخفضت قيمة ميزان الصادرات. وهذا يعني أن بعض السلع التي يمكن استهلاكها في الداخل تباع إلى الخارج وبسعر أقل من العام السابق. وهنا يظهر حجم الخسارة، لأن هذه السلع لو بيعت في الداخل لانخفض مستوى التضخم كثيرا."

تقول النظرية باختصار: اذا انخفضت أسعار التصدير وارتفعت أسعار الواردات في بلد مثل تركيا فإن نسبة الفقر تزداد بحسب زيادة الرقم والفارق بينهما.

ومن جانب آخر تم تحديث بيانات النمو والأرقام المعلن عنها مرتين، وتبين من خلال ذلك أن تركيا حققت ثراء وغنى مفاجئًا حتى وإن لم يكن حقيقيًا. ولذلك فإن  الاقتصادي قورقوت بوراطاف يعترض على تلك الأرقام منذ مدة طويلة. ويشدد على عدم الثقة في بيانات الجهاز المركزي للإحصاء التركي التي أعلنها عقب التغيير الأخير في حساب الدخل.

ففي مارس من هذا العام دافع بوراتاف عن وجود خطأ في حساب الدخل القومي، وكتب رسالة الي جريدة الجمهورية شاركه فيها 5 من كبار الاقتصاديين الأتراك، كما أوضح في مقاله بجريدة برغون أن التغيرات الظاهرة في أرقام التجارة الخارجية والانتاج الصناعي لا تتطابق مع بيانات النمو المتغيرة المعلنة؛ فكتب يقول:

"ينبغي توقع ارتفاع معدل النمو في يوليو – سبتمبر لعام 2017 " (أعلن أنها 11.1 %) لأنها ستتم مقارنته مع الربع الثالث من عام 2016 الذي تقلص فيه الاقتصاد. إلا أنه لا يبدو ممكنًا أن يستمر هذا الانتعاش حتى نهاية العام. وستنعكس تحركات أسعار الصادرات/ الواردات؛ فتؤدي إلى حفض معدل النمو. إن الاضطرابات التي حدثت في بنية الاقتصاد وحدوده ونقاط الضعف الخارجية لا يمكن إصلاحها وعلاجها ببعض التعديلات والتحديثات "الغامضة" وذات الأبعاد الكبيرة في الاحصاءات الرسمية. وليست هناك بوادر وعلامات لتحول اقتصادي ينهي الركود على المدى المتوسط ويزيد من معدل النمو الاقتصادي".

كثيرًا ما أعرب الرئيس أردوغان ورئيس وزرائه بن على يلديرم عن أن تركيا أسرع الاقتصاديات نموا في مجموعة العشرين.

ويبين الجدول التالي نصيب الفرد من الدخل القومي بالدولار عن فترة 2013-2016 لمدخلات مجموعة العشرين التي تتكون من الاتحاد الاوروبي وأكبر 19 اقتصادًا. إن بيانات تركيا فحسب تعكس الوضع الاقتصاد في سبتمبر 2017.

ويمكن ملاحظة أن الارتفاع السريع في سعر صرف الدولار فيما بين 2013- 2016 جعل المواطنين فقراء في العديد من البلدان. إلا أنه نتيجة لانخفاض سعر الصرف هذا العام مقابل العملة الرئيسية فإن حجم ثروات هذه الدول سيبدو وكأنه زاد وإن لم ينمو على الإطلاق أصلًا، ومن ثم سوف يتغير ترتيبها اقتصاديًا. كما أن نسبة الفقر في دول روسيا والبرازيل والاتحاد الأوروبي لن تكون كما  في هذا الجدول.

ومن ناحية أخرى ووفقا للجدول التالي فإن تركيا ليست الدولة الأكثر نموا وثراءً بين مجموعة الدول العشرين.

ليس صحيحًا أننا أسرع اقتصاد نموًا في مجموعة  الدول العشرين.

"دخل الفرد بالدولار"

الدولة                    عام 2013        عام 2016       معدل التغيير <%>

الهند                   1.452      1.709           17.7              

الصين                 7.077      8.123           14.8

الولايات المتحدة        52.787   57.466        8.9

كوريا الجنوبية        25.890     27.538        6.4

إندونيسيا               3.620       3.570         -1.4

اليابان                 40.454      38.894       -3.9

الأرجنتين               12.976    12.449       -4.1

انجلترا                 42.407      39.899      -5.9

الاتحاد الاوروبي     35.536       32.058      -9.8

ألمانيا                 46.530       41.936      -9.9

فرنسا                42.554         36.855      -13.4

ايطاليا               35.370         30.527      -13.7

تركيا                12.480         10.576       -15.3

المملكة العربية السعودية  24.575    20.028    -18.5

كندا                52.413           42.157      -19.6

المكسيك           10.298           8.201        -20.4

جنوب افريقيا      60877           5.273        -23.3

 استراليا          92 67.7          49.927       -26.4

البرازيل          12.216           8.649         -29.2

روسيا           15.543            8.748        -43.7

سبتمبر 2017

يمكن قراءة المقال باللغة التركية ايضا: