اومت كرداش
يناير 09 2018

تركيا.. مؤسسات بعيدة كل البعد عن الشفافية.. والديمقراطية تبقى منتظرة خارج الباب في 2018

 

إذا تمّ تعزيز سلطة الدولة في المركز، وتراكمت السلطات، وإذا لم تكن هناك صلاحيات لتحقيق التوازن بين السلطة المركزية، فإن هذا يعني أن الديمقراطية هناك تنتظر عند الباب.
ومقولة "إن الدولة هي أنا" خاصة بلويس الرابع عشر ملك فرنسا، والمعروف باسم "ملك الشمس"، والذي اعتلى العرش عام 1643 عندما كان في الخامسة من عمره، وظل على العرش حتى عام 1715.
وقد عزز الملك الاستبدادي، المركزية والبيروقراطية، في هذه العملية، مستخدما الإدارة شخصيا.
أثرت الملكية الفرنسية المركزية على أوروبا من خلال تطبيق النزعة التجارية (المركنتيلية) وانتشارها، ولكن فرنسا كانت مثقلة بالتوترات والصراعات، بيد أن الإنجليز أقاموا نظاما أكثر استقرارا، مع الثقافات التوفيقية والتشاركية.
وفي عام 1215، حدّ البارونات البريطانيون (الإقطاعيون) من سلطات الماجنا كارتا (أو الميثاق الأعظم)، والملك جون في لندن.
وبمرور الوقت، أرسى البرجوازيون الأمن القانوني والقانون العام، بواسطة البيانات والوثائق المختلفة التي تعود للقرن السابع عشر، وبينما كانوا يفتحون أبواب التطور الديمقراطي حول النظام الملكي، مستمرين في هذه الخطوط، تعثروا بسبب وثيقة "سند اتفاق" للإمبراطورية العثمانية في عام 1808.
لم تكن المطلقية في الإمبراطورية العثمانية محدودة، ولكن عندما تمت محاولة تقييدها، تم رفض ذلك في مدة قصيرة، ولم ينفذ محمود الثاني أبدا، وثيقة "سند اتفاق" التي أعدها علمدار مصطفى باشا عن طريق الإجبار في عام 1808، والتي جلبت المزيد من الالتزامات بالنسبة للأعيان في الواقع، واستثنت السلطان من القسم، وجعل محمود الثاني السلطة المركزية مطلقة بتصفية القوات المحلية التي من شأنها أن تحد من نفسها.
وقد وصل محمود الثاني، الذي تخلص من عبء وثيقة "سند اتفاق"، وألغى العقبات التي خلقتها القوات العسكرية والإقطاعية، إلى قوة لا مثيل لها، وغير محدودة، ولم تبق هناك سلطة أو مؤسسة لتحقيق التوازن معه.
وفي حين تم تعزيز الدولة والمركز، برز القصر كمحدد للسلطة بين القوى المركزية (القصر، الصدر الأعظم، الجيش، العلماء).
كان محمود الثاني يقوم بإصلاحات تعني المركزية والسلطة غير المحدودة والتحديث، وبينما عمل الإنكشارية والعلماء على الحد من صلاحيات السلطان حتى بداية القرن التاسع عشر، فقد كان يتم الانتقال إلى عملية تعزيز المركز وإضفاء الطابع الشخصي على السلطة بواسطة محمود الثاني.
وقد بدأت البيروقراطية التي تشكلت مع التنظيمات في الفترة من 1839-1876، في الحد من صلاحيات السلطان، ولكن بينما كان عبد الحميد الثاني ينظم هذه السلطة السياسية المتصاعدة للتنظيمات، لم يترك أي عنصر قط لتحقيق التوازن مع حكومته.
واعتبر المجلس (هيئة الأعيان) أن الاستجواب بشأن الفشل العسكري أثناء الحرب الروسية، وادعاءات الفساد، يعد خطرا، وأغلق البرلمان، وسيطر على البيروقراطية التي شكلتها التنظيمات، وبدأت تحكم كحاكم مطلق.
وبينما كان يتم في قصر يلدز إقامة اتصال مباشر مع الوزراء الذين تم إبعادهم خارج العاصمة، بواسطة كُتَّاب القصر الذين كان يصل عددهم من 5 إلى 28 في هذه الفترة، كان يتم تضييق المركز، وتعزيزه، وإضفاء الطابع الشخصي على الحكومة.
وكان عبد الحميد الثاني هو الرجل الوحيد الذي فكر في جعل الإمبراطورية دولة حديثة وقوة إسلامية كبيرة.
وعندما كانت المشروطية الثانية تحد من السلطة المطلقة، كانت الدولة تدخل طقس ربيع كاذب، والواقع أن الاتحاد والتقدم كان سيحصل على السلطة بعد مدة قصيرة، بانقلاب، وسيصبح القوة الوحيدة المحددة في المركز.
وفي حين أطيح بالثقافة السياسية المطلقة من قبل تحالف تم من خلال التمثيل الديمقراطي مع العناصر المحلية في النضال الوطني، تم نقل جزء من سلطات المركز بواسطة دستور عام 1921، الذي كان يشكل أساس اللامركزية، إلى خارج العاصمة.
ولكن تم التخلي عن اقتسام سلطة المركز مع العناصر المحلية، بواسطة دستور 1924.
وقد وضع مصطفى كمال، النظام في محور ديكتاتوري مركزي دولتي على أمل أن يجعله يصل إلى الحضارة الغربية، من خلال تحديث المجتمع من القمة، بالثورات التي يتعين القيام بها، وجعل السلطة مطلقة، وكقوة غير محدودة، ولا منافس لها في المركز، وأضفى الطابع الشخصي عليها.
وقد حافظ على وجود هيكل مركزي- سلطوي، حتى بعد الانتقال إلى الحياة متعددة الأحزاب.
وهذه المرة دخلت البيروقراطية العسكرية التي ينتجها الهيكل المركزي، في صراع على السلطة مع الأحزاب التي اختارتها مع القوى المفصلية، وأرسلتها إلى المركز.
وتضاعف هذا الصراع بعد عام 2002، عندما كان حزب العدالة والتنمية في السلطة.
وقد جعلت حكومة حزب العدالة والتنمية، قوتها التي تمثل البنية المركزية والسلطوية، تتراجع بواسطة القوة التي أخذتها من الإصلاحات التي قامت بها، وفقا لمعايير الاتحاد الأوروبي.
بيد أن السلطة السياسية، بدءا من عام 2011، تخلت عن الإصلاحات الديمقراطية، ودعمت توسيع سلطة الرئيس في المركز.
وهكذا، فإن السلطة التي لا يمكن السيطرة عليها في المركز تجسدت في شخص رئيس الجمهورية.
إن العملية التاريخية التي نعيش فيها تبين لنا أن الثقافة المطلقة التي يدور الحديث عنها لم تتغير، وأن القادة الكاريزميين، الذين هم اليوتوبيا، لا يحبون أي قيود تعمل على التوازن، وتحول دون إرادتهم، وإنهم انحرفوا عن الطريق الذي يجعلهم تحت الرقابة، وعملوا على تعزيز المركز دون جعل المؤسسات البيروقراطية شفافة.
والمؤسسات مثل المدرسة، والأسرة، والسياسة، والبيروقراطية، والقضاء تغذي الثقافة المطلقة، ولا يمكن أن تنتج القيم والثقافة الديمقراطية.
ولهذا السبب فإن الأحزاب السياسية التي شُكِلَت حول السلطة المطلقة؛ والبرلمانيين، والوزراء، وأعضاء الأحزاب تغذي ثقافة الطاعة العمياء للزعيم.
ومن الواضح أن الزعيم المطلق، الذي ينتج ويوزع الإيرادات في الحزب وفي السلطة، قد عزز هذه الطاعة بشكلٍ أكثر.
والأحزاب السياسية التي لا تستطيع أن تنتقد الزعيم، والتي لا تستطيع الحد منه، أو تغييره في الوقت الذي يتعرض فيه الحزب والبلد للخطر، هي التي تمهد الطريق لحفر بئر الديمقراطية بدلا من أن تكون عناصر لا غنى عنها للحياة السياسية الديمقراطية.
وحقيقة أن المؤسسات مثل الجيش والشرطة والمخابرات، المرتبطة بقوة واحدة في المركز، هي بعيدة كل البعد عن الشفافية، ولا تخضع لرقابة قانونية ديمقراطية يزيد من تفاقم الحالة.
والديمقراطية التي نأمل في أنها ستحقق السلام والأمن القانوني بمواصفاتها التعددية والأكثرية والتشاركية والتحررية في عام 2018، تنتظر خارج الباب.

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: