تركيا.. ماذا بعد رضا ضراب؟

شهادة رضا ضراب أمام محكمة في نيويورك تقدم معلومات جديدة بشأن فضيحة فساد نشأت في تركيا في ديسمبر كانون الأول 2013.

ألقت السلطات القبض على عشرات الناس منهم تاجر الذهب التركي الإيراني رضا ضراب وأقارب وزراء حاليين وآخرين مقربين من الحزب الحاكم للاشتباه في تورطهم في جرائم رشى و فساد في مؤامرة معقدة للتحايل على العقوبات الدولية على إيران.

لكن تماما كما نجح حزب العدالة والتنمية الحاكم في إسكات المزاعم عام 2013 - بإلقاء القبض على مسؤولي الشرطة والمدعين المتورطين – فإن من المرجح أن ينجح أيضا في تبديد التهم المرفوعة في نيويورك. فإثارة غضب وحزن عدد قليل من المجتمع التركي لن تهز نظام حزب العدالة والتنمية.

أحد أهم الأسباب الواضحة لهذا هو أن وسائل الإعلام التي تتابعها الأغلبية الساحقة من الأتراك لن تغطي بالتفصيل إجراءات المحاكمة في نيويورك.

نحن نتحدث أيضا عن برلمان تحت هيمنة حزب العدالة والتنمية: فمنذ سنوات لم يقدر المجلس على إجراء تحقيقات – مثل اللجنة التي تشكلت للتحقيق في محاولة الإنقلاب – وعندما تم ذلك، خضعت النتائج للرقابة.

سبب آخر هو خضوع السلطة القضائية. فتركيا ليس بها سلطة قضائية مستقلة تحقق في قضية مثل تلك الجارية في نيويورك.

على سبيل المثال، لن ينظر الادعاء في وثائق نشرها حزب المعارضة الرئيسي "الشعب الجمهوري" الذي يقول إنها (الوثائق) تظهر أن أقارب للرئيس رجب طيب إردوغان ضخوا أموالا في حسابات خارجية.

وكانت الثقة بادية على المتحدث باسم الحكومة ماهر أونال حين قال "الوثائق لا تثبت المزاعم. نراها زائفة وسوف تتخذ المحكمة قرارها".

الآن تفتقر تركيا إلى صحافة حرة وبرلمان مستقل وسلطة قضائية تستطيع أن تحقق مع المسؤولين. هذه هي القوى الرسمية وغير الرسمية التي ينبغي أن تكون مصدرا لتحقيق التوزان داخل النظام.

الحكومة مدعومة بثقافة متغلغلة من العبودية الطوعية والولاء ويساعدها في ذلك ضعف المعارضة.

يملك إردوغان قاعدة شعبية كبيرة. على الأقل نصف الأتراك لا يسمعون الوقائع. وإن فعلوا، فإنهم يعرضون عنها، وإذا قبلوا الحقائق يرفضون التفاعل معها.

توجد ثقافة من الإذعان.

وعلى مدار مئات السنين تساءل فلافسة مثل أفلاطون ولا بوتيه وهوبز ومفكرون ألمان وإيطاليون مناهضون للفاشية وأيضا علماء اجتماع وعلماء نفس وحتى أطباء نفسيون عن سبب إذعان الناس للسلطة طواعية.

من الواضح أن الإذعان والامتثال والعبودية ليسوا أمورا ترتبط بالشرق الأ,سط وحده.

بعد الكشف الذي تم في ديسمبر كانون الأول 2013، قالت العديد من وسائل الإعلام "نعم إنهم يسرقون، لكنهم يقومون بأمر طيب". ولا يزال النهج مستمرا.

كتب الأكاديمي يحيى مدرا عن هذا الموضوع لموقع أحوال تركية مؤخرا وتساءل عن حدود "سياسة الفضائح" قائلا:

"يرغب البعض حقا في تصديق أن هذه الاتهامات ملفقة. وكثير لا يشككون على الأرجح في الاتهامات لكنهم يبقون غير مقتنعين أن هذه الأفعال (ومعظمها عن فساد) كفيلة بأن يسحبوا تأييدهم لإردوغان".

قال مدرا إن إردوغان سيستغل المحاكمة في نيويورك لبث الطاقة في قاعدته ولاستمالة المناهضين للامبريالية سواء في يمين أو يسار الطيف السياسي.

أيضا سيجري ببراعة الزج بقضيتي فتح الله كولن الرجل الذي تتهمه تركيا بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة العام الماضي وأيضا الدعم الأمريكي للقوات الكردية في سوريا في هذا الحديث ببراعة.

قرأت مقال للصحفي جمال تونجدمير بشأن قدرة الجماهير على تبرأة زعمائهم.

سأركز هنا على ثلاث ممارسات اجتماعية أشار إليها تونجدمير قائلا إنها تهيئ الظروف للجماهير للصفح عن زعمائهم.

القبلية هي الأولى. "القبلية هي ما وصفها (المؤرخ العربي بالقرن الرابع عشر ) إبن خلدون بأنها العصبية.

كتب توجدمير يقول إن تعريف "العصبية" بالموسوعة الإسلامية هو "إحساس بالتضامن يسمح للناس بالتصرف معا ضد الخصوم".

الممارسة الثانية هي "أن تجد وسيلة لتصديق ما تصدقه الجماعة بصرف النظر عن مدى تفاهته".

في علم النفس يوجد مفهوم يشرح هذا السلوك يطلق عليه اسم التفكير المدفوع. الناس تسعى إلى المعلومات والأخبار لدعم قناعاتها وتبتعد عن معلومات تتعارض معها وهي عملية تعتمد على الشعور ومهمة في اتخاذ القرارات.

الشكل الثالث من الممارسات الاجتماعية هو ما نراه بين أنصار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. إنهم لا يبدون إعجابهم بترامب سوى مرات قليلة لكنهم يكرهون المهاجرين والمسلمين واليهود والإعلام واليساريين.

إنهم يعتقدون أنه سيتم وقف السود والنساء عن أي تقدم. ترامب هنا تفسير صريح لهذه المشاعر. استبدلوا ترامب بإردوغان وضموا الكراهية التي يكنها أتباع حزب العدالة والتنمية لحزب الشعب الجمهوري.

سبب آخر عن عدم توقعي لحدوث انتفاضة هو السبات الذي يغط فيه حزب المعارضة الرئيسي واستراتيجياته غير الفعالة. فالمعارضة لها مجالين رئيسيين للاحتجاج.

الأول هو وصف كل عمل خطأ منذ احتجاجات متنزه جيزي عام 2013 بأنها "غير قانونية" والتكرار المستمر لنفس العبارات "لا مزيد " و "كفى"  و "يستحيل فهمها".

أو الانسلاخ من الفوضى السياسية برمتها باعتبار أن كل شيء مقدر بنفس الطريقة التي وصفت بها الكاتبة بيريهان ماغدين مشاعرها في مقابلة مع أحوال تركية حين قالت إنها تشعر وكأنها "يهودية في ألمانيا النازية..."

لذلك فإن السلبية لن تقتصر على أتباع إردوغان.

مع ذلك، وقعت كثير من الاحتجاجات ضد الفساد والظلم في بلدان متقدمة وفي أماكن أخرى معظمها احتجاجات سلمية وأشكال أخرى من مظاهر العصيان المدني. لكن ليس هنا في تركيا. لا شيء هنا.

الحل الوحيد لأتباع إردوغان هو التخلي عنه بسبب شكل من أشكار الانهيار الاقتصادي أو الأخلاقي. لكنني ناقشت في مقال سابق عدم ملائمة هذا النهج النفعي.

ربما يناسب البعض هذا السلوك النفعي. لكن ينبغي الإقرار بأن تأييد الجماهير ليس فقط نتيجة قلة معرفتهم أو انهم تعرضوا إلى "غسيل أدمغة".

ونتيجة لذلك، يبدو أن القضية المرفوعة في نيويورك تخفف من الضغوط عن بعض الأتراك.

ما يبقى هو احتمال وقوع انقلاب في القصر، أو ظهور الحزب الصالح.

لكن لا يحتمل وقوع أي من الأمرين والأهم من ذلك أن هذين البديلين لا يقدمان حلولا للمشكلات التي تواجهها تركيا حاليا.

ومن هنا، نجد أنفسنا نواجه تداعيات دولية.

العالم الخارجي سيظل يسمع صوت تركيا إردوغان كل الأحاديث المعادية للسامية وللولايات المتحدة والغرب.

سوف يسمعون صوت بلد نام يفخر بحرب خيالية ضد خصم خيالي بينما تتورط بنوكه المحلية بشكل مخز في أنشطة غير مشروعة.

سوف يرون دولة مافيا أو جمهورية موز أو بلد مارق أو ربما دولة فاشلة.

استمرار تدهور سمعة تركيا الأخلاقية والسياسية والاقتصادية هو ثمن هذه الفضيحة الخسيسة المجردة من الاخلاق.

 يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية:

يمكن قراءة المقال باللغة التركية: