نيك آشدون
يناير 11 2018

تركيا: ماذا وراء دعم أردوغان القوي لطهران؟

مع تراجع أكبر موجة احتجاجات مناهضة للحكومة في إيران منذ نحو عشر سنوات، عبرت تركيا عن الدعم للحكومة في طهران.
قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن نظيره الإيراني حسن روحاني قد اتخذ "موقفا ملائما" ضد المظاهرات وقال إن هناك بالخارج من يحرض لإشعال الاحتجاجات. كما حذر وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو منذ أي تدخل أجنبي في الاحتجاجات، في إشارة غير مباشرة لموقف الولايات المتحدة.
يأتي هذا على خلفية تعاون متزايد خلال الفترة الأخيرة بين أنقرة وطهران. فخلال الفترة الأخيرة شهدت علاقاتهما عدة تحولات بدأ البلدان على إثرها التعاون في سوريا بعد مباحثات سلام في أستانة العام الماضي كما اتخذا مواقف مشابهة ضد الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق. كما دعما سويا موقف قطر في أزمتها الدبلوماسية.
وتبادل قائدا الجيشين التركي والإيراني الزيارات في مشهد غير مألوف العام الماضي بالإضافة لزيارة أردوغان لطهران في شهر أكتوبر.
لكن في يونيو الماضي فقط انتقد أردوغان طهران بسبب ما أسماه "الانفجار الفارسي" في المنطقة وشهدت علاقات البلدين توترات رغم احتفاظهما بمواقف ودية.
ووصفت جونول تول مدير معهد الشرق الأوسط للدراسات التركية صعود مستوى التعاون بين أنقرة وطهران بأنه وليد الضرورة. وقالت تول إن أنقرة تحتاج إلى حليف للعمل معه ضد حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تدعمه الولايات المتحدة وضد ذراعه المسلح المتمثل في وحدات حماية الشعب الكردية.
وتابعت "تمثل سوريا والأكراد الموجودون بها العمود الفقري للتقارب التركي الإيراني. ما إن أيقنت تركيا أن الولايات المتحدة لن توقف تعاونها مع حزب الاتحاد الديمقراطي فإنها سرعان ما تحولت نحو روسيا والنظام السوري وإيران".
كانت مباحثات أستانة التي انعقدت بين تركيا وروسيا وإيران قد أفرزت أربع "مناطق لخفض التصعيد" يحظر فيها تحليق الطائرات.
وقالت تول "تحاول تركيا تطويق حزب الاتحاد الديمقراطي من خلال مناطق خفض التصعيد التي قاموا بإنشاءها."
وقال شفق باش الزميل المساعد بمركز الدراسات التطبيقية بالاشتراك مع مبادرة مقرها ألمانيا وتتخصص في الشأن الإيراني والتركي "هناك عداء واضع ضد الحركة القومية الكردية".
وتكافح طهران لاحتواء الأقلية الكردية بها ولقد قاتل بعض أكراد إيران ضمن صفوف حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا. وقال باش إن إيران تخشى "أن ينقل هؤلاء الأشخاص مهاراتهم إلى أراضيها ويقاتلوا فيها ويجلبوا حقبة جديدة من التمرد إلى الأراضي الإيرانية".
وقالت تول إن التودد لإيران سيلحق المزيد من الضرر بالعلاقات المهترئة أصلا بواشنطن وإن على أنقرة حساب خطواتها في المنطقة حيث لم يتبق لها كثير من الأصدقاء.
وأضافت "هناك بالفعل قدر كبير من التوتر بين تركيا والسعودية ودول الخليج خاصة الإمارات وأعتقد أنهم يراقبون عن كثب ما يحدث بين تركيا وإيران".
وبغض النظر عن التعاون في الفترة الأخيرة بين أنقرة وطهران فإن البلدين لا يزالان منافسين إقليميين.
وقالت جولريز شين أستاذ العلوم السياسية المتخصصة في الشأن الإيراني بجامعة (تي.أو.بي.بي) للاقتصاد والتكنولوجيا بطهران "كلا القوتين لا تزالان متنافستين بالمنطقة وسيدور بينهما صراع على النفوذ  وعقود إعادة الإعمار في المنطقة خاصة في سوريا والعراق".
كانت العلاقات بين تركيا وإيران قد شهدت خلال الفترة الطويلة الماضية صراعات وتعاونا بوصفهما لاعبين إقليميين كبيرين واثنتين من أقدم دول الشرق الأوسط.
ومنذ الثورة الإيرانية عام 1979 اعتبر العلمانيون الأتراك أن الجمهورية الإسلامية تمثل مصدر قلق.
وقال باش إن إيران بعد الثورة "تحولت  فجأة إلى غريم عقائدي للنخبة الكمالية".
ومنذ ذلك الوقت حذر العلمانيون الأتراك من أن الإسلاميين سيحولون تركيا إلى إيران أخرى. هذا التحذير تم تضخيمه مع قيام حكومة أردوغان بإدخال الدين ليصبح أكثر وضوحا أمام العامة وتطبيق سياسات وممارسات إسلامية الطابع في التعليم وجوانب أخرى بالإضافة إلى إضعاف المبادئ العلمانية الاساسية لمصطفى كمال أتاتورك".
لكن باش قال إن الطريق لا يزال طويلا أمام تركيا قبل أن تتحول تركيا إلى ما يشبه الجمهوريةالإسلامية.
وتابع "لقد عشت في كلا البلدين، تركيا بالتأكيد ليست كإيران. وحتى رغم المعارضة لدينا فإنها لا تزال تعتبر معارضة".
وأشار إلى مدى الشعبية التي تمتعت بها الثورة في إيران. وأضاف "أردوغان لا يملك مثل هذا الدعم لأنه لا يحظى إلا بتأييد نصف الشعب".
 وقال "الفرق الأساسي بين النظام الإيراني وحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا هو أن النظام الإيراني نجح في وضع أساس عقائدي للدولة".
وتابع "أهم ما ينقص حزب العدالة والتنمية هو الفكر العقائدي" مضيفا أن حزب أردوغان ممزق بين إصلاحات ليبرالية وتوجهات إسبلامية وأفكار قومية وسياسة خارجية حادة التغير".
طرحت أيضا مقارنات بين الاحتجاجات في كل من إيران وتركيا. فاحتجاجات ميدان غيزي في تركيا عام 2013 كانت شبيهة بانتفاضة الحركة الخضراء في إيران عام 2009.
وقال باش "كلتا الحركتين وقعتا في الخضر وكان قوامهما الأساسي الطبقات المتوسطة والعليا ولم تصل أي منهما في الواقع للطبقات العاملة في البلدين. كان هذا سبب فشلهما".
غير أن الاحتجاجات الحالية في إيران تختلف كليا عن احتجاجات ميدان غيزي أو الحركة الخضراء.
وقالت شين "هذه المرة،، المحتجون أساسا من فقراء المدن والطبقة العاملة والشباب العاطل الذي يشكل القاعدة الداعمة للمحافظين.
"وبينما كانت حكومة روحاني الهدف الأساسي للمحتجين بسبب فشلها الاقتصادي فإن الاحتجاجات سرعان ما تحولت لمهاجمة ضد النظام والقائد الأعلى وجهر المحتجون بانتقاد السياسة الخارجية لطهران وتورطها الواسع في الخارج".
والبطالة مرتفعة فعلا خاصة في أوساط الشباب كما أن أسعار السلع الأساسية شهدت ارتفاعا مستمرا في العام الماضي. وزاد الطين بلة الإعلان في ديسمبر الماضي عن رفع أسعار الغاز.
وقال باش "الحياة باتت أصعب وأصعب. إذا قدت سيارتك في شمال طهران فستشعر وكأنك في ماليبو (في لوس أنجليس) حيث تكثر سيارات البورشه. تبدو على الناس مظاهر الغنى الفاحش.. على الأقل في شمال طهران وتبريز.. لكن الآخرين يعجزون عن شراء كيلوجرام واحد من اللحم".
وسرعان ما وسع المحتجون سقف انتقاداتهم لتشمل الجمهورية الإسلامية نفسها.
وقال بهمان بن طالب  الخبير في الشؤون الإيرانية بمؤسسة دفاع الديمقراطيات "اسىتمرار هذه الاحتجاجات ليس بسبب القضايا الاقتصادية بل هو الإدراك بأن التقدم لا يتحقق مهما اختلف التيار الحاكم. فالجميع من (الرئيس السابق محمود) أحمدي نجاد إلى روحاني يقدمون لنا الكثير من الوعود لكن الجميع يفشل في تحقيقها".
ويقول محللون إن على الدول الغربية أن تتوخى الحذر الشديد في مواقفها حيال الحركات المعارضة سواء في تركيا أو إيران وهما بلدان بهما تيارات معادية للغرب ومشاعر مناوئة للولايات المتحدة على وجه الخصوص.
وقالت تول "إذا طالبتني بالتحدث من قلبي فسأقول إن على (الدول الغربية) التزاما أخلاقيا لتقديم الدعم لكن على الجانب الآخر هذا الأمر جاء بنتائج سيئة خاصة في الدول التي تشهد حركات قوية مناوئة للأمريكيين وحيث يمكن للنظام استغلالها لإضفاء غطاء من الشرعية على مطالبة شرعية من الشعب".
وأضافت "كلما وقعت احتجاجات يسارع أردوغان وآيات الله في إيران بالإشارة إلى الغرب. لذا أعتقد أن (تورط الغرب) لم يكن بالأمر المفيد. لكن على الجانب الآخر تعجبني فكرة أن الرئيس الفرنسي (إيمانويل) ماكرون قد أثار في الفترة الأخيرة مسألة حقوق الإنسان وسيادة القانون خلال اجتماعه مع أردوغان".
وقالت تول إن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لزم الصمت حيال احتجاجات 2009 في إيران لكنه رفع صوته وجهر بالحديث بعد القمع الذي مارسته الحكومة وهو تحرك تصفه بالذكي.
وقالت شين "من الضروري للغاية إعلان الدعم لحق الاحتجاج السلمي. 
"لكن رغم ذلك فإن هذه المطالب يجب أن تطرح في إطار حقوق الإنسان العالمية ويجب ألا يكون الشعب ورقة مساومة للباحثين عن النفوذ الجيوسياسي".
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: