يحيى مدرا
ديسمبر 22 2017

تركيا: ما هي خطة اللعب التي لدى أردوغان؟

ما هي الحسابات السياسية للرئيس رجب طيب أردوغان، أو خطة اللعب في الأجلين القصير والمتوسط؟ أو ربما يكون الأولى أن نسأل، هل هناك خطة أصلا؟ طرح مارك بنتلي هذه الأسئلة في مقال افتتاحي نشرته أحوال تركية في الآونة الأخيرة ووصف كيف أن أردوغان -- على الجانب الاقتصادي -- محصور بين أهداف السياسة المتضاربة والمتمثلة في إبقاء أسعار الفائدة منخفضة بما يكفي لتحفيز الاقتصاد (المزيد من النمو) والحيلولة دون انخفاض قيمة العملة المحلية من أجل إبقاء التضخم تحت السيطرة (الانكماش التصحيحي).

وبينما هناك فائض في السيولة العالمية يبحث عن عائد مرتفع في الأسواق "الناشئة" و"المتقدمة"، يزيد الانحراف الجيوسياسي والاستبدادي التركي علاوة مخاطرها. بمعنى آخر، لم يعد الأمر يقتصر على أن تكوين التدفقات الرأسمالية الأجنبية صار قصير الأجل على نحو متزايد (استثمارات المحافظ)، لكن أصبح أيضا من يرغبون في الاستثمار في تركيا يتوقعون عائدا أعلى.

هذا الطلب على العائد الأعلى ينعكس في موجات انخفاض قيمة الليرة التركية في الآونة الأخيرة. وإذا كان البنك المركزي يريد أن يحول دون انخفاض قيمة العملة، ولو فقط من أجل إبقاء التضخم تحت السيطرة، فإنه يحتاج لرفع أسعار الفائدة. (الإنتاج الصناعي التركي يعتمدة بشدة على السلع الوسيطة المستوردة من الخارج، وهو ما يعني أن انخفاض قيمة العملة يُترجم في وقت قصير إلى تضخم في الأسعار).

بيد أن مثل هذا الانكماش التصحيحي يتعارض مع حسابات أردوغان السياسية القصيرة الأجل. فمستقبل أردوغان السياسي يعتمد على فوزه في الانتخابات المحلية والعامة والرئاسية التي ستجرى في عام 2019، إن لم يكن قبل ذلك. ولكي يفوز في الانتخابات الرئاسية، يحتاج أردوغان للحصول على 50 بالمئة زائد واحد من أصوات الناخبين. ويعتقد أردوغان، شأنه شأن الكثير من المعلقين السياسيين، أن مفتاح النجاح في الانتخابات هو الحفاظ على النمو الاقتصادي. وستنطوي أي زيادة محتملة في أسعار الفائدة من أجل الحيلولة دون انخفاض قيمة العملة على تباطؤ في الاقتصاد. ويعتقد أردوغان أنه لا يمكنه تحمل تكلفة تلك المخاطرة.

ويشير بنتلي إلى حالة الطوارئ على أنها أحد الأسباب التي تجعل المستثمرين يفكرون مرتين قبل الاستثمار في تركيا. وربما يكون هذا صحيحا إلى الدرجة التي تجعل حالة الطوارئ تمثل إشارة على سلوك أردوغان المتمادي في الاستبداد والساعي لا محالة وراء مغامرات. وتعطي حالة الخلل الاجتماعي التي تمر به تركيا الانطباع بأن القرارات يتم اتخاذها يوما بيوم وواحدا تلو الآخر تفاعلا مع كل أزمة جديدة تظهر.  ولم تكن الديمقراطية أبدا مبعث القلق الفعلي لرؤوس الأموال، لكن حالة الضبابية وعدم الاستقرار. ومن ثم فإنه إذا كان الاستبداد يمثل مشكلة لرأس المال، سيكون ذلك فقط في حدود حالة الضبابية التي يخلقها.

لكن على الرغم من جميع الأخطاء التي يرتكبها أردوغان، يبدو أن له تأثيرا قويا على نحو 40 بالمئة من جمهور الناخبين. وفي تعقيب لصحيفة إيفرنسال التركية اليسارية اليومية، يصف فوتي بينليسوي حالة التوازن الحالية بين القوى الاجتماعية في تركيا بأنها حالة "بونابارتية" لا يمكن للبرجوازية غير القادرة على أن تتماسك في جبهة واحدة أن تؤسس فيها بشكل كامل هيمنتها وأن تحدد اتجاها حاسما للبلاد. والحال كذلك أيضا بالنسبة للطبقات الشعبية (بما في ذلك الطبقة العاملة) القوية بما يكفي لتشكيل قوة مقاومة للهيمنة.

وبينما يمثل هذا الوصف نقطة بداية جيدة، فإنه لا يفسر كيف يشق أردوغان طريقه عبر هذا التوازن "السيء" في الأجل المتوسط. وبعدما انشق رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن عن أردوغان وأتباعه، حول أردوغان وجهته إلى عملية سلام مع الانفصاليين الأكراد المسلحين لكسب الوقت -- وربما كان ذلك بعد مقترح من إدارة أوباما -- وبدأ العمل على حشد ائتلافات جديدة لكي يتمكن من تعزيز الطبقة البيروقراطية وإعادة ترتيبها لكي يحمي نفسه من هجمات غولن ورفاقه.

وفي نهاية المطاف، على أردوغان أن يرتب التحالف مع القوميين (حزب الحركة القومية وحزب فاتان) لأن حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد رفض أن يكون الشريك الليبرالي الصغير في رؤيته لنظام رئاسي. وبشكل أكثر إيجازا، لا تتسع رؤية كل من حزب العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديمقراطي للطرف الآخر. فبالنسبة لحزب العدالة والتنمية، يعني السلام اندماج كردستان في الرأسمالية التركية تحت الوصاية الرعوية لأردوغان. وبالنسبة لحزب الشعوب الديمقراطي، يعني السلام تعميق الديمقراطية وتعزيز الحكم الذاتي وإضفاء الطابع المؤسسي على الحكم الذاتي.

وعند نقطة ما بين أطول اجتماع على الإطلاق لمجلس الأمن القومي في الثلاثين من أكتوبر 2014 ومحاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، ربما على الفور بعد انتخابات السابع من يونيو 2015 التي حصد حزب الشعوب الديمقراطي ستة ملايين صوت فيها، شعر أردوغان بأنه ضعيف بما فيه الكفاية لحمله على الاتفاق مع فصائل بعينها من الجيش والقضاء. ومنذ ذلك الحين ينتهج أردوغان ما أسماه كارل شميت (1888-1985)، وهو عالم قانون دستوري ألماني له انتماءات نازية، "الديكتاتورية الجماهيرية".

وبالنسبة لشميت، يمكن تصور "الديكتاتورية" على أنها لحظة تاريخية للنظام الدستوري. ويقول شميت إنه، إذا كانت جمهورية محاصرة (سواء خارجيا من دولة أخرى أو داخليا من قبل طبقة أو جماعة ثورية) يجب أن يكون لديها نص دستوري يسمح بتعليق العمل بالقانون وإعلان حالة الطوارئ. وبموجب حالة الطوارئ هذه، سيلعب الديكتاتور الذي يجمع تحت سيطرته السلطات الثلاث دور منقذ الجماهير الذي يقضي على الخطر ومن ثم يعيد الجمهورية إلى مسار النظام الدستوري الطبيعي.

ويبدو أن الطبقة البرجوازية التركية تنظر إلى أردوغان على أنه "ديكتاتور جماهيري" يقود الجمهورية في الأوقات العصيبة ليعيدها في نهاية المطاف إلى النظام الدستوري. بيد أن أفعال أردوغان أقرب إلى ما يصفه شميت "بالديكتاتور صاحب السيادة". ووفق شميت فإن الديكتاتور صاحب السيادة، على عكس الديكتاتور الجماهيري الذي تتمثل مهمته في استعادة النظام الدستوري، يدعي أنه يجسد إرادة الشعب ويستخدم حالة الطوارئ كنافذة لتغيير النظام الدستوري.

وأردوغان صاحب سيادة، ليس فقط لأن "ديكتاتوريته" بالمعني الشميتي (نسبة إلى كارل شميت) تتمركز حول هدف تغيير النظام الدستوري، لكن أيضا لأنه غير قادر على تنظيم حالة الطوارئ هذه وإبقائها في إطار تصور للرغبة السياسية الكردية في حكم ذاتي على أنها تهديد وجودي لبقاء الجمهورية ككيان موحد. ويمكن أن يظل أردوغان "صاحب سيادة" طالما أن الطبقة البرجوازية التركية والقوميين ما زالوا يعتبرونه "ديكتاتورا جماهيريا".

وإلى الآن يرى المعلقون أن نجاح أردوغان السياسي أحد أدوار نجاحه الاقتصادي. ويبدوا أن العكس هو الصحيح حيث إن مكائده السياسية بالكاد تبقى الاقتصاد متماسكا. ويبدو لي أن هذه هي حسابات أردوغان السياسية. وتتوقف إمكانية تحقيق أردوغان لأهدافه على عدة عوامل، وهناك الكثير من الأمور التي من الممكن أن يكون مصيرها الفشل. بيد أنه لايمكن لأي من العوامل المتضادة أن يكون بديلا لإيجاد بديل سياسي أصيل لرؤيته للسيادة المؤسسية.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: