برهان أكينجي
يونيو 02 2018

تركيا.. ما يؤرق الأكراد السلام وليس محرم إينجه

 

لقد قرأت واستمعت لكثير من الأخبار والمقالات، حتى إنني اضطررت للاستماع إلى مذياع الشرطة وسط المدينة، لكن لم أتذكر أنني قد غضبت بنفس درجة غضبي عندما قرأت مقال للكاتب هايكو باغدات الذي عنونه بـ"دعم محرم إينجه إهانة لتركيا".
ذلك المقال الذي حينما قرأته أصبحت في حيرة من أمري، هل الذي يتحدث باسم الأكراد هو محمد متين ار، أم محسن قيزيل قايا بترجمته السيئة أم غيرهما؟.
فما قرأته من جمل في هذا المقال فيها نوع من التعالي أغضبني بشدة، فيا ليتها كانت صادرة عمن انقلبوا على الحركة الكردية، فحينها كنت سأقرها وأنا أضحك وأمر عليها مرور الكرام.
لكن كما قلت المقال الذي أتحدث عنه هنا حمل عنوان "دعم محرم إينجه إهانة لتركيا"، لكاتبه هايكو باغدات. فالمقال كما تعلمون منذ اللحظة الأولى لنشره أحدث حالة كبيرة من الجدل، كما أن رد فعل حزب الشعوب الديمقراطي على ما ورد به لم يتأخر كثيرًا.
حتى إنه كانت هناك ردود أفعال  وصلت لدرجة المطالبة بالفتك بالكاتب هايكو باغدات. وليس هدفي من هذا المقال تضييق الخناق أكثر على الكاتب الذي كان سببًا في كل ردود الأفعال هذه. فكل ما أود أن أوضحه في هذا السياق لا يعدو أن يكون مجرد الإشارة إلى بعض التذكيرات.
لا جرم أن حرية التفكير، والتعبير الفكري، أمر في غاية الأهمية، لا خلاف في ذلك؛ لكن الأهم منه هو أن نقوم أثناء ممارسة هذه الحرية، بإبداء مزيد من العناية والاهتمام بالطرق والمناهج والأساليب المستخدمة أثناء التعبير عن الأفكار. لكن مع الأسف الكاتب هياكو باغدات لم يراعِ هذه النقاط على الإطلاق.
ففي بعض أجزاء من مقاله يقول "نحن المنتمون لحزب الشعوب الديمقراطي..."، وفيما بعد يقوم باستعراض جملة من الكلمات التي تمثل الأمر الواقع.
لا شك أن ارتباط هايكو باغدات بحزب الشعوب الديمقراطي وجدانيًا، أمر مفرح؛ لكن أن يتكلم وكأنه ممثل يتحدث عن الحزب، أو كقائد وزعيم له، أمر غير مقبول بالمرة. فكما تعلمون أن أهم ميزة يتسم بها الكفاح الكردي، والحركة السياسية الكردية بشكل عام، هي عدم اختزالها في مجموعة أفراد.  فماضي كفاح هذه الحركة ملئ بكثير من التضحيات، والنضال، والدماء، والدموع، واعتقالات، ثمة جهود مضنية بذلت على مدار سنوات طوال.
لقد قدم الأكراد ما يقرب من 40 ألف شهيد، وما يقرب من ألف مفقود تحت الاعتقال، وما يقرب من 5 آلاف راحوا ضحية جرائم سياسية فاعلها معروف، عاش الأكراد لحظات عصيبة حينما تم إخلاء قراهم، وتهجيرهم منها، وهدم بيوتهم، وعاشوا أيضًا مرارة الحرب بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
ومن ثم فإنه لا يحق لأي شخص أيًا كان أن يعطي لنفسه الحق في تحديد أفضليات التصويت في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، لشعب ناضل كثيرًا كما قلنا على مدار سنوات عديدة. فالأكراد لهم نوابهم الموجودون بالبرلمان، ولهم قادتهم (حتى ولو كانوا معتقلين)، وفضلا عن هذا وذاك، لديهم إراداتهم الحرة التي يتمتعون بها.
فهل الأكراد لا يعرفون السياسة؟ وهل لا يعرفون القراءة والكتابة؟ وهل هم قرويون جاهلون لدرجة أنهم لن يستطيعوا معرفة لماذا سيصوتون في الانتخابات لهذا أو ذاك؟
وهل الأكراد بحاجة إلى التوجيه والإرشاد الفكري الذي يقدمه الآخرون؟
يا سادة النضال والكفاح الذي خاضه الأكراد ماثل أممنا كالشمس في كبد السماء، ولا يمكن أن ينكره أحد.
نضالهم لو أردنا كتابته لما كفته المجلدات الضخمة، وهناك الكثير والكثير من النماذج التي تضرب في التضحية أروع الأمثلة، بداية من وحشة السجون في ولاية ديار بكر، إلى القتل خارج إطار القانون والتعذيب للكثيرين منهم، وفي التاريخ القريب كانت جثثهم تلقى في الشوارع، لدرجة أن السيدة جميلة من منطقة "جزرة" بذات الولاية، وضعت في مبرد البيت كي لا يتحلل جسدها، وكذلك السيدة تايبت التي ظل جسدها ملقى في الشارع لأيام طوال، هذه وحشية ما بعدها وحشية، ومجازر يندى لها جبين الإنسانية ارتكبت بحق الأكراد، نقول هذا لمن لا يعلم. 
وبعد كل هذا يخرج علينا من ينصبون أنفسهم ليحددوا لضحايا هذه المجازر ما ينبغي أن يفعلوه سياسيًا. وهنا نؤكد أن من يديرون الكفاح والنضال باسم الشعب الكردي، هم فقط المخول لهم تحديد ما ينبغي على الأكراد أن يختاروه عند تصويتهم في الانتخابات، هم فقط المنوط بهم ذلك وليس غيرهم. وليعلم الجميع أيضًا أن الشغل الشاغل للأكراد، هو السلام الذي ينشدونه باستمرار. ولما لا وهم من عاشوا ويلات الحروب على مدار سنوات طوال.
فالدولة التركية تقتلهم، ورئيسا وزرائها السابقين، تانسو تشيلر، وسليمان دميرال أحرقوا قراهم ومنازلهم، وخطفوا شبابهم، وأعدموهم خارج القانون، وألقوا بجثامينهم في جداول المياه، وعلى جوانب الطرق، وأسفل الجسور.
كما أن رجب طيب أردوغان، مزق قراهم وأطفالهم بطائرته التي من طراز "إف 16" (مجزرة قرية روبسكي بولاية شرناق التي وقعت عام 2011)، وحرق شبابهم أحياءً في الطوابق السفلية من البنايات (في منطقة حزرة)، وأحرق عليهم مدنهم.
والحقيقة الوحيدة التي لا تتغير في طالع الأكراد المشؤوم، هي أن هؤلاء الأكراد يكون مصيرهم الموت بغض النظر عن هوية من يحكم تركيا، ويعانون، ويتعرضون للتعذيب، ويتركون للموت في السجون والمعتقلات، ويتم تشريدهم ليصبحوا في عداد اللاجئين.
فبعد كل هذا النضال والكفاح، هل لم يعد أكراد اليوم كأكراد الأمس. لقد مضت هذه السنوات وولت منذ زمن بعيد. فلقد باتوا في الوقت الراهن أهم عامل فاعل في منطقة الشرق الأوسط.
والحركة السياسية الكردية، باتت بمثابة حركة لديها القدرة على أن تكون لها ألاعيبها الخاصة بها بين القوى العظمى، وأن تكون لها سياساتها الفاعلة، وتصبح لها علاقات تكتيكية مع القوى الدولية، ولما لا وهي حركة وصلت لقاعدة عريضة تخطى قوامها المليون شخص.
وبرغم طول مقال هياكو باغدات الذي ذكرته آنفًا، فإنه لم يقدم حلًا من أجل الإطاحة بفاشية أردوغان، فمن بداية المقال وحتى نهايته يسدي الإرشادات للأكراد، ويقول لهم في هذا الصدد "لا تصوتوا للمرشح الرئاسي عن حزب الشعب الجمهوري، محرم إينجه".
حسنا وإذا انتخب أردوغان، ماذا سيتغير؟ لماذا لا يصبح الاسم (بالتأكيد صلاح الدين دميرطاش متربع في قلوبنا) الذي سيحل مكان أردوغان أملًا لنا جميعًأ سواء أعجبنا به أم لم نعجب؟ 
ولا يخفي أننا لا نحب ولا نريد ميرال اكشنير، زعيمة الحزب "الصالح"، لا نحبها بقدر عدم حب هايكو باغدات لها، ومن الواضح أنها لن تبقى للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية.
كما أنه لا توجد أية واقعية في القول بإن صلاح الدين دميرطاش ستكون لديه القدرة لخوض الجولة الثانية من ذات الانتخابات، علينا أن نقبل بهذا بكل عقلانية، حتى إذا ظل للجولة الثانية، فكما قال هايكو باغدات، لن تسمح له الدولة بذلك، فهذا أمر صائب. والجميع مدركون لذلك في الحركة الكردية بداية من أعلى قيادات فيها إلى أصغرها.
وبالتالي يمكننا بعد كل هذا، التأكيد على أنه لا يوجد قرار تم اتخاذه لاختيار محرم إينجه لأي سمة يتمتع بها، كخطاباته الشعبوية أو غيرها، الأكراد لا يشغلهم إينجه أو غيره، هم ينشدون السلام، والعيش بحرية. لذلك فإن السلام هو أكثر ما يتحدثون عنه.
وأشدد على ضرورة الإطاحة بأردوغان، وحزب العدالة والتنمية، لأنهما يمثلان ما ألفته تركيا من حروب، وموت، وآلام. ومن ثم فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو: لماذا لا تكون بقية الخيارات فيما عدا أردوغان، متاحة أمام الأكراد؟ فربما يحمل الاسم القادم معه أملًا جديدًا لهم.
نحن حتى الآن لم نرَ بارقة أمل ولو صغيرة من أجل أن نقول كفى لنظام الأردوغان المستمر منذ 16 عامًا. وبالتالي فإنه يتعين دعم أي شخص قد يكون هو الأمل المقبل.
والسؤال الآن، ماذا سيحدث لو فاز أردوغان؟ هل سيطلق سراح زملائنا الذين يملئون السجون؟ وهل سيطلق سراح صلاح الدين دميرطاش ؟ وهل سيتم إخلاء سبيل المحكومين المرضى بأمراض موت؟ وهل سيعود الآلاف ممن تضرروا بسبب المراسيم بقانون، إلى وظائفهم التي فصلوا منها؟.
وهل سينسحب الجيش التركي من عفرين التي يحتلها؟ وهل سيتم العثور على مرتكبي مجزرة "روبسكي" وغيرها من المجازر ومحاكمتهم؟ وهل سيتم الكشف عن كافة تفاصيل حادث اغتيال الصحفي الأرمني، هرانت دينك؟.
وهل سيعود آلاف اللاجئين السياسيين إلى بلادهم التي يتحرقون شوقا للعودة إليها؟ وهل أردوغان قادر على تحقيق السلام الكردي، وتوفير حرية الرأي، والتعبير، والتفكير، ومراعاة حقوق الإنسان؟
وأي معارضة في تركيا عندها أمل في تحقيق كل ما سألت عنه؟
بالطبع لا، ومن ثم فإنه ليس من المنطق في شيء أن تخرج أصوات تسعى للنيل من الأمل الذي بدت منه بارقة من أجل التخلص من فاشية أردوغان.
في ذات السياق لا يجب ألا ننسى الأهمية الكبيرة التي أضافها للانتخابات، صلاح الدين دميرطاش المرشح الرئاسي عن حزب الشعوب الديمقراطي. ومن ثم لا يتعين لأي شخص أن ينصب نفسه وصيًا على الشعب الكردي، ويعطيهم التوجيهات. فهم مدركون جيدًا لمن سيصوتون في الانتخابات. ومن المؤكد أنه لن يكون أردوغان ونظامه هو خيارهم، ذلك النظام الذي عادى الديمقراطية، والحرية، والسلام.
لكن ما يتعين علينا فعله هو احترام خيار الأكراد.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/polemik/kurtlerin-derdi-muharrem-ince-degil-baris
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.