اومت كرداش
ديسمبر 04 2017

تركيا.. متى بدأ التغريب في بلاد الأناضول؟

 

منذ قديم الأزل، وكانت الأناضول تتبادل تجاريا وثقافيا بشكل مكثف مع الغرب (أوروبا). مع فتح اسطنبول، انتقلت الثقافة البيزنطية والنماذج الاقتصادية والعسكرية والفن والعمارة التي تظهر تأثيرها في إسطنبول وإزمير وطرابزون إلى الإمبراطورية العثمانية مختلفة الأجناس. وقد عززت القوة الدافعة لغير المسلمين المؤهلين الذين يعيشون في إسطنبول والأناضول، والقادرين على التبادل التجاري والثقافي مع الغرب، العلاقات بين الإمبراطورية وأوروبا.
فقد أسس غير المسلمين أول مطبعة بالعالم الإسلامي وخمس مطابع أخرى بين عامي 1490م-1620م، ونشر الفرنسيون القانطون بإسطنبول أول صحيفة عام 1796م، وأصدر رجل إنكليزي أول صحيفة تركية (جريدة الأخبار) عام 1840م.
وقد تم إنشاء جامع نور عثمانية (1748م-1755م) ـ أول جامع يحمل تأثير العمارة الغربية ـ على الطراز الباروكي.
إن عملية التغريب، التي تُعرف أيضًا باسم "التحديث العثماني" والتي تشمل القرن التاسع عشر واستمرت حتى بداية القرن العشرين، قد غيرت المظهر المادي لإسطنبول.
وقد لعب المهندسون الأرمنيون، مثل أوهانس سيرفيريان، ومغرديتش تشاركيان، وبيدروس نمتز، وهوفسيب أزنافور، وآرام، وإسحاق كراكاش الذين أنهوا دراستهم بمدارس الدول الأوروبية وعلى رأسهم عائلة باليان، دورًا رئيسيًا في هذا التغيير.
ومن الأعمال الأثرية لهذه الفترة قصر الدولمة بهتشه وقصر بيلارباييه وقصر تشيراغان والثكنات العسكرية والجوامع وسدود المياه. ومجددا يقوم الإخوة فوساتي الإيطاليون الدارسون بأكاديمية ميلانو بريرا، بدور هام في هذا التغيير.
وقد أنشئ الروميون أول المدارس الحديثة والعلمانية في إسطنبول وإزمير وأيفاليك في أوائل القرن التاسع عشر. واُفتتحت أول مدرسة فنية على الطراز الغربي وهي مدرسة الهندسة البحرية الإمبراطورية عام 1773م.
أخذت الإمبراطورية العديد من المؤسسات الغربية والمفاهيم باقتباسها إياهم في الفترة التي حكم بها السلطان محمود الثاني. حيث تم بحث المفاهيم والمؤسسات مثل الدستور والمشروطية والبرلمان ومجلس الوزراء والأحزاب والجمعيات والنقابات، وفي عام 1860م بدأ تمثيلهم في الحكومات المحلية، وتمثيلهم بشكل عام مع الأحزاب السياسية بدستور 1876م.
في عام 1830م تم تشكيل الجيش وفقًا لنظام وتعليم الجيوش الأوروبية الحديثة، وتأسيس مؤسسة الدرك تحت رعاية الضباط الأوروبيين، وبالطبع القيام بإصلاح الأسطول البحري.
وفي هذه الفترة تم إنشاء مؤسسة للوزارات، وفي عام 1838م تم إعداد أول ميزانية، وأُنشئت إدارة للسكان وإحداث وظيفة مختار الحي عام 1831م، ومصلحة للبريد عام 1834م، والشرطة عام 1845م. وإنشاء المدارس الإعدادية والثانوية بين عامي 1838م-1872م. وافتتاح المدارس الابتدائية أيضًا.
في عام 1829م كان ارتداء السراويل والسترات والأحذية السوداء والطربوش، واجبا على الرجال. وتم قبول التقويم الرومي في المعاملات الرسمية.
تم إنشاء المسارح والأوبرا بين 1840م-1870م. وبدأ تطور فروع الفنون الغربية مثل الرسم والنحت وكتابة الروايات. وفي مجال القانون، تم أكثر من مرة قبول لوائح وقوانين مجتمعات أخرى.
تم إعداد دستور 1876م بالاستعانة بدستور بلجيكا لعام 1831م ودستور بروسيا لعام 1851م. ويتضمن هذا الدستور الذي وضع لوائح هامة بشأن الحقوق والحريات، قواعد فصل السلطات وسلامة القانون. وقد قيّدت تعديلات الدستور في عام 1909م بالإضافة إلى المشروطية الثانية، من سلطة السلطان وأصبح البرلمان أهم مؤسسة بالدولة.
في عام 1858م تم قبول "قانون الجزاء الهمايوني" عن طريق قبول القانون الجنائي الفرنسي. وبهذا يكون قد دخل القانون التركي مفاهيم القانون الجنائي الحديثة مثل الدفاع عن النفس، والمشاركة بالجريمة بشكل غير مباشر والمجرمون الأطفال.
وبيت القصيد هو تعديل القانون الجنائي بموجب القانون الجنائي الإيطالي عام 1911م.  وعندما نفكر بأن القانون الجنائي التركي، الذي دخل حيز التنفيذ في عام 1926م، هو ترجمة للقانون الجنائي الإيطالي نفهم من ذلك أن تعديلات عام 1911م بمثابة البنية التحتية لهذا القانون. كما تم سن قانون أصول المحاكمات القانونية عام 1879م بموجب القانون الفرنسي. وكان هذا القانون مختلطا لإدراجه الأحكام الأصولية لمجلة الأحكام العدلية. ودخلت وظيفة كاتب العدل القانون العثماني مع التعديلات المأخوذة من فرنسا.
ترجم تشاميش أوهانس القانون التجاري الفرنسي، وتم قبوله كقانون تجاري للعثمانيين عام 1849م.
على الرغم من أوجه القصور في العالم الإسلامي، تم دمج قواعد القانون المدني والديون بمجلة الأحكام العدلية ـ التي تعد أول تدوين وفقا للقانون الغربي ـ بشكل منهجي.
أما في فترة الجمهورية تمت ترجمة القانون المدني السويسري عام 1912م وقبوله القانون المدني لتركيا.
وللمرة الأولى نشرت المشروطية الثانية في المجتمع عن طريق الصحافة مفاهيم مثل العلمانية وتعليم المرأة وحقوقها وكان هذا التطور بمثابة البنية التحتية للنظام الجمهوري.
كانت إدارة الإمبراطورية العثمانية غربية بشكل كبير، وقد اتضح ذلك اعتبارا من بداية القرن التاسع عشر. ومن أهم الأسباب التي تجعل تركيا في نقطة مختلفة عن العديد من الدول الإسلامية كأطلال إمبراطورية هو التراكم الناجم عن هذا التغيير.
وعندما ننتبه جيدا للأمر نجد أنه لا يوجد فرق بين أهداف الحداثة والمدنية أي التغريب في سنوات تأسيس الجمهورية وبين أهداف القرنين التاسع عشر والعشرين للحكم العثماني.
ومما لا شك فيه أن الإصلاحات في الإدارة العثمانية لم تجعل من تركيا دولة حديثة بالمعنى الغربي. وعلى الرغم من الإصلاحات خلال فترة عبد الحميد، فإن الانفصال الذي حدث بسبب إغلاق البرلمان بين 1878م – 1908م والاستبداد، وكثرة الاتحاديين، ونقص القوى المحركة بسبب عدم وجود طبقة رائدة في البلاد من شأنها أن تصل بالدولة والمجتمع إلى الهدف المنشود، من بين أسباب هذا الفشل. ومن تلك الأسباب أيضًا تعرض غير المسلمين للظلم والتكيل والتهجير والاستيلاء على أموالهم.
واستمرت الإصلاحات الرامية إلى الغرب على الخط العثماني للجمهورية حتى عام 1930م، ثم بدأ التركيز على الهوية العرقية التركية والحضارة التركية التي دققت النظر بماضي آسيا الوسطى واتخذته مرجعا لها.
بعد كثير من الآلام والتضرر ودفع الثمن والرواح والمجيء دون نتيجة، نصل إلى النقطة نفسها: التركيبة التركية الإسلامية التي تتخذ من الدين والسياسة وسيلة لها، وتؤكد الهيمنة التركية والقومية. ويبدو أنه من المستحيل تحقيق الديمقراطية والوصول إلى الأمن القانوني وتأسيس سلام دائم وفقا للمعايير الغربية ما لم نخرج من هذه الدائرة الفاسدة التي تزيد الاستقطاب إليها.
تركيا الآن لا تعرف من أين تسير لانقطاع علاقتها بالإمبراطورية، ولا تستطيع تحديث نفسها في سياق الديمقراطية التعددية والدائمة والحقوق والحريات والأمن القانوني لأنها لم تمر بالفترات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية التي مر بها المجتمع الأوروبي، وليست ذات هوية غربية بأي شكل، لذلك لم تعثر تركيا على هويتها بعد. ستستخلص تركيا العبرة من الفترات التي عاشتها خلال الحكم العثماني والجمهوري، ومن الممكن أن تُعزز ديمقراطيتها واقتصادها من خلال زيادة اتصالها بأوروباـ التي تحتل مكانا تاريخيا وثقافيا ـ وإصلاح علاقتها بالاتحاد الأوروبي، ونتيجة لذلك يمكن لها أن تنتج سياسات ذات شخصية ومتوازنة أكثر مع أمريكا وروسيا.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: