إزغي كاراتاش
مارس 03 2018

تركيا.. مسألة زواج الأطفال ليست بمعزلٍ عن السياسة!

تتجه تركيا، يوماً بعد يوم، إلى تبني الفكر المحافظ، وتقوم في هذا الإطار بإعادة صياغة الحياة المجتمعية، وفق آراءٍ، وأسسٍ دينية محددة. الغريب في الأمر، أنهم يستهدفون المرأة، والأطفال بهذه الصبغة الدينية، التي أرادوا فرضها على كل مناحي المجتمع. وتتوالى الفضائح، الواحدة تلو الأخرى، فتهتز الدولة إثر حوداث اغتصابٍ، واعتداءٍ على الأطفال.
على الرغم من هذه الحوادث المُخجلة، التي تقشعر لها الأبدان، نجد الأشخاص الذين قاموا بهذا الجُرم، تتم مكافأتهم، والحكم  عليهم بأحكام مخففة. أما عن الدولة، فهي مشغولةٌ، تُمهِّد الأرضَ؛ لإضفاء الشرعية على زواج الأطفال. 
وما أن نشر موقع وزارة الشئون الدينية تصريحاً في الأشهر الماضية؛ جاء فيه "يمكن للطفلة بنت السنوات التسع، أن تتزوج في هذه السن"، حتى انهالت الانتقادات كالعاصفة، من شتى قطاعات المجتمع التركي، تنديداً بهذا التصريح.
يحاول الجميع أن يتجاهل الأمر، وألا يتحدث عن قضية التعويض المادي لعائلات الأطفال، الذين تعرَّضوا للاغتصاب في مجمع الجماعة لإسكان الطلبة في كارامان. ومن ناحية أخرى، تقوم الحكومة بإقالة مسئول الخدمة الاجتماعية الشاب من وظيفته بالمستشفى؛ لأنه رفض تسجيل الأطفال الحوامل، اللاتي جئن إلى المستشفى، في الإخطار المخصص لذلك.
وفي الوقت الذي خلَّفت فيه هذه الحادثة أثارًا نفسية كبيرة على وجدان أبناء الشعب التركي، الذي انفطر قلبه، وهو يتابع أحداث هذه الواقعة، نجد أن الأمور في وسائل الإعلام تتجه إلى التعتيم، وإلى تجنب نشر أية مادة عن هذا الأمر، إلا في أضيق الحدود. أما الحكومة، فتكتفي إزاء ما يحدث بإصدار بعض البيانات، واتخاذ بعض الإجراءات الشكلية، في الوقت الذي تشير الدراسات، التي تم إعدادها في هذا الشأن، إلى اتجاه المجتمع بالتدريج نحو تأييد ظاهرة الزواج المبكر.
وتشير الدراسة التي أعدَّتها جامعة قادِر هاس عن الجنس المجتمعي، وعن عمل المرأة، خلال فترة السنوات الثلاث الأخيرة، إلى اتجاه تركيا بالتدريج نحو إقرار ظاهرة الزواج المبكر، واعتبارها أمرًا عاديًا، لا غرابةَ فيه.
وهذا ما نلحظه من خلال النِسب المنشورة في هذا الشأن؛ حيث نلاحظ انخفاض نسبة المعارضين لإقرار ظاهرة زواج الأطفال (من الإناث)؛ فقد انخفضت هذه النسبة إلى 76.8% في عام 2016، بعد أن كانت 84% في عام 2015، لتعاود الانخفاض مرة أخرى في عام 2017 لتصل إلى 69%. وتماشيًا مع هذه النِسب، وجدنا أن زيجة واحدة من أصل أربع زيجات؛ جرت في عموم الدولة التركية كلها خلال هذه الأيام كانت لزواج أطفال، ووصل الأمر في بعض المناطق إلى تسجيل نسبة زيجة من أصل ثلاث زيجاتٍ فقط.
وعلى الرغم من إرجاع بعض الدراسات ظاهرة الزواج المبكر إلى بعض العوامل الثقافية، واتساقًا مع هذه الرؤية، لا يمكننا النظر إلى الزواج المبكر باعتباره استغلالًا للأطفال. ومع هذا، فهناك فريق آخر من الخبراء، لا يزالون يعتبرون الزواج في سن أقل من الثامنة عشرة هو بالفعل استغلال، وانتهاك لبراءة الأطفال.


تحدثتْ سِيلَن دوغان، العضو في جمعية أوجان سوبورجه للدراسات والتواصل مع المرأة، وهي من المهتمات بهذا الشأن، وتُعِدُّ دراسة منذ سنوات طويلة عن ظاهرة الزواج المبكر، حيث قالت في معرض حديثها معنا "يتجه المجتمع المضطرب، المثير للقلق، بشكلٍ كبير، إلى إقرار ظاهرة استغلال الأطفال، واعتبارها أمرًا طبيعياً".

زواج الأطفال في تركيا
سيلَن دوغان

لا ترى التصريحات الرسمية الصادرة عن المسئولين في الدولة غضاضة في الزواج المبكر للأطفال. وتشير دوغان كذلك إلى أن الحي يمارس هو الآخر ضغوطاً؛ من أجل التصديق على زواج الأطفال، حيث تقول "المجتمع الكاره للإناث من الأطفال، لا ينظر إليهن بوصفهن أفراداً طبيعيين، لهن حقوق، بل يعتبرهن مِلكًا له، يحق له التصرف فيهن كما يحلو له".
وتلفت الانتباه كذلك إلى أن الدولة لا تمتلك سياسة واضحة في التعامل مع هذه القضية، وتؤكد -في إشارة إلى رد فعل الحكومة - أن موضوع تزويج الأطفال، في هذه السن المبكرة، هو موضوع سياسي في المقام الأول.
لقد أثارت مسألة الاتجاه نحو تأييد الزواج في سن مبكرة، وهو الأمر الذي باركته الدولة، حالة من اللغط الشديد داخل المجتمع التركي، تزامنًا مع الخبر الذي نُشِرَ مؤخرًا عن حمل 115 طفلة في إسطنبول.


تحدثت سيلَن دوغان، التي تُعِدُّ دراسة عن الزواج المبكر، مع موقع "أحوال تركية" في هذا الموضوع، وجاء الحوار على النحو التالي:
 
لقد أثارت واقعة حمل 115 طفلة، وما واكبها من فضائح تتعلق برفض تسجيل هذه البنات في محررات المستشفى الحكومي، الذي وقعت فيه هذه الحادثة في إسطنبول في العام الماضي، حالة من الغضب، وجعلت موضوع الزواج المبكر يطفو على السطح من جديد. سؤالي هنا، كيف يمكنكِ تقييم هذه الواقعة، بوصفكِ واحدة من الذين يعملون في هذا الموضوع، وإحدى الداعيات إلى تكوين رأي عام في هذا الشأن؟
ما يثير حيرتي في هذا الأمر، ليس الموضوع نفسه، وإنما حالة اللامبالاة التي وصلنا إليها، وعدم تقديرنا لحجم الكارثة التي نعيشها بالفعل، حتى وصل عدد الوقائع المماثلة إلى ما يقرب من مائة حالة. ومع هذا، فلا نزال نتعامل بشكل غير جادٍ مع هذه الوقائع، وما تنطوي عليه من انتهاكات، وإهمال، واستغلال.
لقد ذهبت بعض الدراسات الجادة - التي أُعدَّت في هذا الشأن- إلى القول "لا يمكن القبول بالأمر، حتى لو كانت حالة واحدة". وهذا يعني أن تسجيل حالة زواج واحدة لطفلة، على هذا النحو، أمر صعب للغاية، لا يمكن القبول به. كيف يمكنكم التلكؤ حتى يصل هذا الرقم إلى المئات، بل قد يصل إلى الآلاف، ثم نصحو فجأة من غفلتنا ونقول "لقد أدركنا خطورة الموضوع، ثم نبدأ في مناقشة قضية الزواج المبكر للأطفال!".
الحديث نفسه مُوجَّهٌ أيضًا إلى تلك المستشفى؛ إذ كان ينبغي على شرطة المستشفى، والأطباء، وأطقم التمريض، أن يتصرفوا بشكلٍ حِرفي، مع الحالات الأولى ممن تعرضن لهذه الاعتداءات. ولكن مثل هذه الآلية في التعامل مع المشكلات تقل من عام لآخر.
الأمر الذي يدهشني أيضًا، ويزيد من حزني، وكآبتي؛ بوصفي مواطنة تركية، تعيش على هذه الأرض، هو ذلك الميل الملحوظ من جانب المجتمع باتجاه تأييد زواج الأطفال، واعتباره أمرًا طبيعيًا. 
ومن خلال ثقافتنا، فنحن نضفي نوعاً من الشرعية، تحت مسمى "العروس والزفاف"، على انتهاكات جسيمة؛ كتزويج بناتٍ لم يبرحن سن الطفولة؛ من أجل بيعهن مقابل المال؛ ليتم استغلالهن من قبل شخص أو عائلة بعينها، ولإضفاء الشرعية كذلك على الانتهاك الجسدي الذي تتعرض له هذه الطفلة أو تلك. الأمر الذي يعد إخلالاً جسيماً بأبسط حقوق الإنسان، وشرفه، وكرامته. أحسب أن التعليم، والثقافة الخاطئة، التي تسعى إلى إضفاء غطاء من الشرعية على مثل هذه الوقائع، هما المسئولان عن هذا كله، أو على الأقل، هما سبب رئيس فيما يحدث.

 
نعلمُ جميعاً أن المدرسة، والمؤسسات الصحية قد لعبت دورًا رئيسًا في ظهور حالات استغلال الأطفال، التي رأيناها في الآونة الأخيرة. ومع هذا، فقد قلتم إن "هذه الآلية تقل"، بمعنى أنهم ينظرون إلى ما يحدث باعتباره أمرًا سليماً. في رأيكم، من الذي يقف خلف حالة السكون، وحالة الصمت هذه؟ 
أعتقد أن هناك الكثير من الأسباب التي أدَّت إلى حالة السكون، التي نراها اليوم. وللأسف، فكل هذه الأسباب سلبية للغاية. دعيني أحدثك عن المستشفيات أولاً؛ فالأطباء يخشون من الإبلاغ عن وقائع من هذا النوع؛ لأنهم يعتقدون أن ذلك قد يُعرضهم لعقوبات شديدة، من قبل الأطفال الآخرين، وعائلاتهم.
وقد تستدعي أخلاقيات المهنة منهم التصرف على هذا النحو. فهم يقولون إنهم إذا ما أعلنوا عن هذا "الزواج المزعوم"، في الحالات التي ترد إليهم، فإنهم بذلك سيمنعون الأطفال الآخرين، الذين يعانون من نفس الأمر؛ سواء أكانوا في مرحلة الحمل، أم وضعن حملهن بالفعل، من التوجه إلى الطبيب، وعرض أنفسهن عليه. وهذا يعد مخاطرة كبيرة بحياة الطفل. هذا ما سمعته من بعض الأطباء. وثمة افتراض آخر؛ مفاده أن هؤلاء الأطباء يتعرضون للتخويف، والتهديد من قبل أسر هؤلاء الأطفال؛ حتى لا يفضحوا سر أبنائهم.
هناك أيضًا سبب آخر؛ يتمثل في الضغوط التي يمارسها الحي. نحن وللأسف في مجتمع يعيش فيه أناس يعتبرون القناعات الشخصية للآخرين دستورًا، يتعين عليهم اتباعه في حياتهم دون نقاش. وإذا اعترضتم على أوضاعٍ، يتفق عليها الآخرون، أو هكذا تبدو بالنسبة لهم، فإنكم ستصبحون ظالمين، جائرين، حتى لو كنتم على حق، ولن تجنوا إلا الهمَّ، بعد أن كنتم مرتاحي  البال.
إن عبارة "هل أنا- من بين الناس كافة- الذي سيصلح الأمور!" تعد واحدة من الجمل الجدلية في الثقافة التركية؛ التي يبدأ من عندها هذا الصمت المُطْبَق.
هناك سبب آخر لهذا الصمت، يتمثل في الخبرة المتوارثة لدى الناس عند محاولة الخروج على التوجيهات السلطوية للدولة. فإذا كانت التصريحات الرسمية الصادرة عن الدولة لا تضع أي محاذير أمام زواج الأطفال – وهي بالفعل لا ترى أية غضاضة في ذلك- فهذا يعني إقرارها لهذا النظام، ودعوتها لاستمراره، لا الوقوف ضده. ومن ثمَّ، تنتظر من الموظف المختص إتمام إجراءاته.
أضف إلى ذلك، أن هناك فكرًا شاذًا يحض على التفرقة بين الجنسين، والعداوة ضد المرأة. وهو إرث تاريخي عهدناه في عموم المجتمع التركي. وعندما نتحدث عن حقوق الإنسان متجسدة في هؤلاء الفتيات الصغيرات، في وطنٍ لا تحب غالبيته بناتهم، فلن نجد من ينصت لحديثنا، وسنكون كمن يطلق نِكاتاً في الهواء. يريدون أن يتخلصوا من أطفالهم. يريدون لبناتهم ألا يصبحن مثل باقي أفراد المجتمع، وأن يصرن مثل أي شيء يمتلكونه.
وفي المقابل، أعتقد أن المجتمع الذي يعرف كيف يخفي كرهه وبغضه للمرأة خلف عبارات رومانسية، عاطفية، مُغلَّفة ببعض القيم الدينية، مثل "النساء كالزهور، والجنة تحت أقدام الأمهات"، هو مجتمع ذو بصيرة، وهو الذي سيتصدى لاستغلال الأطفال على هذا النحو، وسيحميهم، وسيدافع عن حقهم في الحياة. أو كما يقولون "النية أكبر من المقدرة!".


أشارت الدراسة التي أعدّها مركز الجنس (النوع) المجتمعي، وعمل المرأة التابع لجامعة قادِر هاس العام الماضي، إلى أن نسب المعارضين لزواج الأطفال انخفضت بالتدريج خلال السنوات الثلاث الماضية. كيف يمكنكم تفسير هذا التناول الضعيف من جانب مؤسسات المجتمع المدني لظاهرة الزواج المبكر؟ 
سألتم عن سبب هذا الصمت قبل قليل، أعتقد أن أي شيء قلته في معرض إجابتي عن هذا السؤال، يصلح أيضًا للإجابة عن سؤالك هذا. أُريد منكِ أن تتأكدي أن هذه النسب ستنخفض بشكل أكبر مما هي عليه الآن، وسينساق المزيد من الناس وراء هذا الفكر المهيمن.
فكروا معي! إنَّ نقل قيمٍ معينة من المستوى العالمي إلى المكان الذي نعيش فيه، لا يتم بين عشية وضحاها، وإنما يستغرق قرونًا. لكنّ عبارات مثل التي نتحدث عنها، والتي يتشدق بها الناس، تنتقل من شرق الدولة إلى غربها في يوم واحد فقط. أعلم أن الأمر قد يبدو غريبًا بالنسبة إليكِ، أليس كذلك؟ هكذا الحال بالنسبة إلى السلطة الفاسدة. إمبريالية، جوفاء...


تزعم الحكومة أنها تتصدى لظاهرة الزواج المبكر، وأن هناك خطة عمل تقوم عليها وزارة الأسرة، والسياسات الاجتماعية. حسنًا، هل تعتقدين أن الحكومة قد بذلت بالفعل جهدًا كافيًا في هذا الاتجاه؟ 
لم تذكر وثيقة استراتيجية التصدي للزواج المبكر، التي أعدتها وزارة الأسرة العام الماضي، وخطة العمل الخاصة بها، أي تفاصيل عن "التفرقة بين الجنسين داخل المجتمع".
كانت هذه الوثيقة بمثابة تحرّك دون وعي؛ لأن حقيقة المشكلة إنما ترجع إلى كون المجتمع الذي نعيش فيه مجتمعاً ذكورياً في الأساس، لا يساوي  بين الذكر، والأنثى. مجتمع ينظر إلى الرجال الذين يمارسون العنف ضد المرأة، على أنهم مجرد"مرضى"، وإذا تم علاجهم فقد انتهت المشكلة. وهذا خطأ. فالمجتمع لا يدري، في الوقت نفسه، أنه يخالف بهذا الاتفاقات الدولية، والآراء التي تستند إلى الحق، والعدل في العالم.
إن تزويج الأطفال في هذه السن المبكرة، هو عمل لم يتم التخطيط له بمعزلٍ عن السياسة. ويرجع السبب فيه إلى الكثير من العوامل المعقدة. ويتعين علينا حتى نستطيع الوصول إلى حل لهذه المشكلة، أن نتفهم هذه التركيبة المعقدة أولًا، وينبغي علينا ألا نتسرع في إصدار الأحكام دون وعي كافٍ، وأن نحصل على المعلومات الكافية الخاصة بالجنس المجتمعي (ذكرا كان أو أنثى).
بالطبع هناك قيمة سوقية للزواج في سن الطفولة بالنسبة للاقتصاديات التي تعتمد على استغلال المواطن لتحقيق فائدة مادية، وليس على الإنتاج.  لهذا السبب أيضًا، لا تُتَخذ قرارات، أو أفعال جدية، منطقية، للحيلولة دون حدوث هذه الوقائع.
والسبب في ذلك، أنهم لا يسعون إلى الحل بقدر ما يريدون لهذه المشكلة أن تستمر. وهم لا يعلنون هذا صراحة، بل يدورون حول المشكلة، يراقبون من بعيد، ويطبقون نظامًا تعليميًا يلائم هذا الوضع، يحاولون إضفاء الصبغة الدينية على بعض العادات والطقوس، بشكلٍ يخالف الحقيقة، والواقع.
مما لا شك فيه، أن نظام التعليم القائم على تقسيم المرحلة التعليمية إلى أربع سنوات، وثلاث فترات، كان مفيدًا للغاية في هذا الاتجاه؛ فقد تخلف آلاف من الأطفال بسبب هذا النظام، وابتعدوا عن المدرسة. ومن ناحية أخرى، رُدَّت مرة أخرى المكتسبات التي جاهدت المرأة للحصول عليها بعد تعديل القانون المدني في عام 2002.
لقد أحدث هذا الأمر مردودًا سيئاً للغاية داخل المجتمع التركي؛ إذ رأى الناس كيف أنهم يحتقرون حقوق أبنائهم إلى هذا الحد، وكان هذا، بالنسبة لهم، انقضاضًا رمزيًا على هذه الحقوق. كان مؤشرًا على تضاعف الإهمال، واستغلال حقوق الطفل في الأعوام المقبلة. لقد كانت مسرحية هزلية للهروب من العقاب.
إذا صح ما يزعمون، وكانت لديهم بالفعل خطط عمل في شكل سلةٍ واحدة، فلا بد من وجود مجموعة أخرى من الخدمات التي تواكب ما يذهبون إليه، بحيث توفر لهذه الخطط الحماية، وتساندها.

الزواج المبكر في تركيا

دعينا نعود مرة أخرى إلى الحديث عن خطة العمل الخاصة بوزارة الأسرة، والسياسات الاجتماعية. كيف تنظرين إلى مسوَّدة الخطط التي تتحدث عنها الوزارة؟
هناك شيء يُطلق عليه في علم الفيزياء اسم "اللافعل"؛ أي الحفاظ على وضع المادة في حالة سكون. لا أعرف لماذا أتوجس خيفة من كل التصريحات التي تتحدث عن وجود خطة عمل؛ فمعظم هذه الخطط لا تحتوي في جوهرها على أي شيء سوى "اللافعل". أعرف أنني أتلاعب بالألفاظ، ولكن الأمر لم يكن بعيدًا عن الموضوع على أية حال (فاصل من الضحك)...
أعتقد أن مكافحة ظاهرة الزواج المبكر يجب أن تبدأ من " الشعب"، ومن "زيادة الوعي لدى الأسر". يتطلب الأمر كذلك وجود شعب متعلم، وهو أمر أساسي في هذا الموضوع.
لماذا؟ لأنه من السذاجة أن ننتظر من الأسر التي نستبشر بها خيرًا، أن تقتنع خلال يومين بهذه القضية؛ لأن هذه المشكلة تحتوي على الكثير من المُحفِّزات المعقدة، ولكن إذا وجدنا مواطنين يعرفون حقوقهم، ويساندهم قانون جديد؛ يلغي بنود عدم تعريض الجاني للعقاب، حينها يمكننا منع الزواج المبكر لدى الأطفال.
قد تجدون الأمر صعبًا من أجل التجاوب مع تلقينٍ مثل "لا تُزوِّجوا أبناءكم في سن صغيرة!" ولكنكم لن تصمدوا طويلًا أمام أي مواطن، يمتلك قدراً من العلم، ومن الوعي بخطورة هذه الظاهرة، وستتجاوبون بسهولة مع حديثه. لهذا السبب، يجب علينا أن نقرأ في علم الاجتماع قدر يقيننا بضرورة وجود نظام إداري في آلية اتخاذ القرار، والتطبيق على أرض الواقع. علاوة على هذا، فليس من السهل التصدي بشكل منفرد للانتهاكات في الحقوق، دون وضع معايير مجتمعية يمكن الاستناد إليها.
من أجل هذا كان النظام المجتمعي، الذي يجعل سيدة تعيش بفردها، وتستأجر بيتاً، يقيد تجولها بحرية داخل محيطها الاجتماعي، هو نفسه ذلك النظام المجتمعي، الذي يجبر الأطفال على الزواج في هذه السن. أما بالنسبة لموضوع الضغوط التي يمارسها الحي، فقد تحدثت في هذا الأمر منذ قليل.
لقد تحوَّل الزواج إلى شعاراتٍ، تفتقد إلى المنطق السليم؛ إذ تعتقد الطفلة، التي لم تجد من يقدِّرها في بيت عائلتها الذي ولدت فيه، حيث اُنتزعت حرية الاختيار من بين يديها، ولم يهتم أحد باحتياجاتها، أن زواجها في هذه السن، وانتقالها للعيش في بيتها الجديد، سيمنحانها قيمةً، وسيجعلانها محط تقديرٍ. أعتقد أن هذا كان السبب في كثيرٍ من الزيجات.


نعم، هناك بالفعل نظام مجتمعي يضفي الشرعية على الزواج في سن مبكرة. في رأيك، لماذا  فقدتْ القوانين، في المقابل، تأثيرها على هذا الموضوع؟
تظل كافة الإجراءات القانونية ضعيفة، مكبلة، طالما لم ننفذ الجزء المهم فيها؛ لأن التطبيق الفعلي لهذه القوانين ضعيف. القوانين أيضًا ضعيفة؛ إذ لا يُراعَى عند إعدادها، وضع آلية قوية لتنفيذها. تمامًا مثل الثعبان الذي يلتف ليأكل ذيله. إنها دائرة من الفساد. ولعل أبلغ مثال على ذلك، أن القائمين على تطبيق القوانين اليوم، لم يسمعوا شيئًا عن اتفاقية حقوق الطفل.
يوجد لدينا بالفعل قانون لحماية الطفل، ولكن قناعة القاضي الشخصية يمكن أن تقفز على مواد هذا القانون؛ فآلاف الآباء يقصدون المحاكم سنوياً لتزويج بناتهم؛ ممن هم دون السن القانونية. وظيفة القانون هنا تتمثل في عدم منح هذه التصاريح لمثل هؤلاء. ليس هذا فحسب، بل ينبغي على المحكمة أن تُنزِل بهم العقاب كذلك.


عندما نذكر الزواج في سن مبكرة، يتبادر إلى أذهاننا مباشرة الإناث من الأطفال. حسنًا، ما الوضع إذن بالنسبة للأطفال الذكور؟
هذا أيضًا موضوع مهم؛ لأنه يخصهم كذلك. إنهم يزوِّجون البنين أيضًا في سن مبكرة. ولكن إذا عقدنا مقارنة منصفة بين الحالتين؛ لأدركنا أن نسبة هذه الوقائع متدنية للغاية بين البنين، مقارنةً بمثيلتها لدى الإناث. نرى هذه الظاهرة كثيرًا بين الأطفال الذكور في مناطق تركز الغجر، والبدو في تركيا. ولكن إذا أردنا الإنصاف، لقلنا إن حجم الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال من الإناث، تحت مسمى الزواج، يفوق بكثير ما يمكن أن يتعرض له الذكور.


عملتِ في أكثر من اتجاه في موضوع زواج الأطفال. حسنًا، أي من الإجراءات المتبعة في التصدي لظاهرة زواج الأطفال كانت الأكثر تأثيرًا؟
يمكن للدراسات التي يتم إعدادها بخصوص هذا الموضوع، أن تؤتي ثمارها، ولكن هذا لن يتحقق إلا على المدى البعيد. غير أنني أرى أنه من الواجب عليّ القول "إننا نستهدف في عملنا جهات محددة، مثل متخذي القرار، وواضعي القوانين، وأولئك الذين يتحدثون باسم الأطفال. نسعى جاهدين كي نغير أمرًا واقعًا.
أعتقد أن الأطفال الإناث في البلد الذي نعيش فيه، على درجة عالية من الوعي، ومن الذكاء. لقد التقيت عدة مرات بآلاف الأطفال من الإناث من أديرنه حتى شرناق، ووقفت مشدوهة، خلال تلك اللقاءات من صفاء أذهانهن، وقدرتهن على اتخاذ القرار، ووعيهن بما يدور حولهن.
من الصعب للغاية أن نُغير الصورة الراسخة في أذهان الناس ونظرتهم بشأن المساواة بين الجنسين، ولكن يمكن للسيدات أن يغيروا العالم بأكمله، عن طريق إصرارهن على التغيير. هذه عقيدتي.

 

يُمكن قراءة الحوار باللغة التركية أيضاً: