علي عبادي
مارس 28 2018

تركيا: مسلسلات الإنترنت.. تاريخ قصير وإنتاج غزير

بعد تسلمه جائزة أفضل مخرج في حفل توزيع جوائز الأوسكار لهذا العام، ألقى المخرج المكسيكي جييرمو ديل تورو خطابا حماسيا أهدى فيه الجائزة إلى الشباب من صانعي الأفلام في جميع أنحاء العالم، وقال إنهم يقومون بأعمال رائعة وإن لهم دورا حيويا في إضاءة الطريق أمام المخرجين المخضرمين من أمثاله. 
لكن قبل أن يصبح العالم الرقمي على ما هو عليه الآن من التقدم، كانت الفرصة الوحيدة أمام صانعي الأفلام الشباب للبزوغ وخروج أعمالهم إلى النور تنحصر في تصوير فيلم منخفض التكلفة على أمل أن تعجب به شركة توزيع نافذة لتقوم باختياره وعرضه في دور السينما. المسار الآخر هو جذب الانتباه الكافي للفيلم عن طريق الفوز بجائزة في أي من المهرجانات السينمائية.
على سبيل المثال، قدم المخرج المكسيكي روبرت رودريغز فيلمه (المارياتشي) للعالم قبل 25 عاما، وعلى الرغم أن الفيلم تم تصويره بكاميرا واحدة ولم تتجاوز تكلفته سبعة ألاف دولار، حقق نجاحا كبيرا بأكثر مما راود رودريغز نفسه في أوسع أحلامه جموحا. ونتيجة لذلك، فتحت هوليوود أبوابها للمخرجين المكسيكيين ليفوز بعدها ثلاثة من المخرجين القادمين من هذا البلد اللاتيني بجائزة أفضل مخرج التي تمنحها أكاديمية علوم وفنون السينما الأمريكية ضمن الجوائز التي تعرف عالميا باسم "الأوسكار". ويحفل تاريخ السينما بالكثير من القصص العظيمة كهذه.

مسلسلات الإنترنت

وبعد اقتحام موقع (يوتيوب) لحياتنا، بدأت الأمور في التغيير، فسواء كان الفيلم قصيرا أو طويلا، يمكن مشاركته مع العالم بأسره بكبسة زر، وهو ما أتاح المجال للمزيد من الفرص أمام الشباب من صانعي الأفلام، ولكن في الوقت نفسه، أدى إلى احتدام المنافسة أيضا.
وفي تركيا، كان طلاب السينما ومن بعدهم المخرجين الشباب هم من يبذلون العرق والدم في البداية لصناعة أفلام قصيرة وتحميلها على الإنترنت. لكن ما غير المعادلة تماما كان مسلسل "بهزات ج." الذي يدور حول محقق الشرطة بهزات الذي يتسم بالعنف وعدم التقيد بالقواعد ويرأس في الوقت ذاته وحدة تحقيق في جرائم القتل في أنقرة، وتابع الأتراك بشغف حلقات المسلسل على الإنترنت حتى تحولت مشاهدة المسلسلات عبر الشبكة العنكبوتية تدريجيا إلى عادة شائعة في تركيا. 
كان المسلسل الذي كتبه إمره سيربيس بالاقتباس من رواية "كل طرف يترك أثرا" يعرض حصرا على قناة "ستار تي في" التلفزيونية في عام 2010. وفي البداية، لم يحظ المسلسل بتقييمات جيدة بين المشاهدين. لكن الموقف تغير تماما عندما طرحت الحلقات كاملة عبر الإنترنت دون أن يمسسها مقص الرقابة أو يتم حظر الألفاظ البذيئة، ليسجل المسلسل بعدها نسبة قياسية من المشاهدين. وفي فترة وجيزة، أصبح للمسلسل قاعدة قوية من المعجبين على الإنترنت. وحتى بعد عرض حلقات جديدة على التلفزيون، لجأ محبو المسلسل إلى الإنترنت لمتابعة بطلهم المفضل في الحلقات اللاحقة.
وفي أعقاب النجاح الذي حققه "بهزات ج." على الإنترنت، كان من السهل على العديد من المنتجين والمخرجين أن يقرروا تقديم مسلسلات للعرض على الإنترنت فقط. وكانت البداية مع مسلسل "يولوندا أيه.شه" الذي كان أول عمل فني من هذا النوع يتم إنتاجه بطريقة احترافية للعرض عبر شبكة الإنترنت فقط، وكانت الحلقة الواحدة تمتد ما بين 15 و20 دقيقة. وبعد عرض الحلقات الثماني للمسلسل الذي تدور أحداثه في منطقة تشينتشين، أخطر حي في أنقرة، تم إدماجها في فيلم مدته ساعة ونصف تقريبا في عام 2015.

مسلسلات الإنترنت

بعدها، تلقى عشاق القصص المصورة بسعادة بالغة أنباء توصل شركة "يابيم 3" للإنتاج الفني إلى اتفاق لتحويل سلسلة القصص "أوتيسابي" إلى مسلسل يعرض على الإنترنت. وكان للقصص - التي يكتبها يلماظ أصلان تورك وتدور حول فنان تصويري يدعى أوتيسابي - العديد من المتابعين بالفعل، لكن المحتوى الجنسي للسلسلة جعلها غير ملائمة للعرض على التلفزيون، وهو ما أدى إلى التفكير في الإنترنت كبديل مثالي. وبالفعل، دخل المسلسل المؤلف من 13 حلقة التاريخ باعتباره أول مسلسل تركي تم تصويره بشكل احترافي يعرض على موقع "يوتيوب".
بالطبع في ذلك الوقت، كانت شبكة "إتش.بي.أو" التلفزيونية تنتج مواسم كاملة لمسلسلات عالية الجودة وتقوم بعرض حلقة واحدة كل أسبوع، وعادة لا يمضي الكثير من الوقت حتى تظهر الحلقة على موقع "يوتيوب". بعدها أطلقت شركة "نتفليكس" لخدمات البث عبر الإنترنت ثورة في هذا المضمار عبر إصدار مواسم كاملة من المسلسلات دفعة واحدة عبر الإنترنت، ليبدأ المخرجون الأتراك في طرح مسلسلاتهم بنفس الكيفية.
وطرحت شركة "بلو تي في"، وهي النسخة التركية من "نتفليكس"، لمشتركيها موسما كاملا من أول مسلسلاتها "البريء"، لكن معظم المشاهدين الأتراك في ذلك الوقت كانوا قد اعتادوا على مشاهدة المسلسلات بالمجان على الإنترنت، وبالتالي كانوا يواجهون صعوبة في التكيف مع حقيقة أنهم مضطرون لدفع المال مقابل المشاهدة. ومع ذلك، نجحت شركة "بلو تي في" في جذب العديد من العملاء الجدد من خلال مسلسل "البريء" وسلاسل حصرية أخرى.
لكننا بلغنا نقطة تحول أخرى عندما تم تحويل رواية الكاتبة أزرا كوهين "فاي" إلى مسلسل لصالح موقع "بوهو تي في"، فالموقع لا يطلب من مشتركيه دفع المال، وبدلا من ذلك، يحاول الموقع تغطية تكاليف الإنتاج عن طريق عرض إعلانات تجارية خلال الحلقات. وعلى خلاف المسلسلات التلفزيونية التي تمتد حلقاتها لأكثر من ساعتين ونصف، لا تزيد مدة الحلقة الواحدة من مسلسل "فاي" عن تسعين دقيقة. وفي غضون فترة قصيرة، أصبح المسلسل، الذي يحكي قصة طبيب نفسي مشهور يقع في حب راقصة باليه، مثار حديث الجميع في تركيا، ليفتح الباب على مصراعيه أمام إمكانية إنتاج المسلسلات للعرض على الإنترنت دون مقابل مادي.
وبالرغم من أن تركيا تعتبر حديثة العهد بمسلسلات الإنترنت، إلا أنها أصبحت في غضون أشهر معدودة سوقا واعدة للاستثمار في هذا المجال وبدأت المزيد من المسلسلات المخصصة للعرض عبر الإنترنت في الخروج إلى النور. وبعد نجاح مسلسل "فاي"، طرح موقع "بوهو تي في" بعض الإعلانات الدعائية لمسلسله الحصري التالي "الشخصية"، فيما عرض موقع "بلو تي في" العديد من السلاسل الأصلية مثل "سبعة أوجه" و"مملوك" و"حيوات مسروقة" وأحدثها "صحيفة دودولو بوست".
واقتبس الكاتب سيركان يلمظ فكرة مسلسل "صحيفة دودولو بوست" من وحي مجلة "بينجوين" الساخرة واختير لتصوير المسلسل المخرج البارز أونور أونلو. وعلى الرغم من أن المسلسل بدأ يحيد كثيرا عن القصة الأصلية، إلا أنه يعد أحد أكثر الأمثلة إثارة للاهتمام في صناعة السينما والتلفزيون في تركيا.
وبالإضافة إلى المسلسلات التي يتم إنتاجها بشكل احترافي للعرض على موقع "يوتيوب"، هناك أيضا العديد من مسلسلات الهواة، لكن لن يتسع الحديث عنها هنا ولذلك سأخصص لها مقالا آخر. لكن تجدر الإشارة أن هناك العديد من صناع الأفلام الشباب ممن أهدى لهم ديل تورو جائزته يقومون بإنتاج أعمال إبداعية ورائعة بشكل لا يصدق.
نعود إلى مسلسل "بهزات ج."، حيث نجد العديد من الناس في تركيا وقد بدأوا في مشاهدة الحلقات القديمة مرة أخرى، ورغم ذلك، ما زالوا يجدون المسلسل ممتعا بنفس الدرجة التي شاهدوه فيها أول مرة. لكن تركيا مرت بالكثير منذ أن ودع "بهزات ج." شاشات التلفزيون لدينا. وبدأ عشاق المسلسل يتساءلون ماذا سيحل ببهزات وفريقه في المستقبل. حسنا، نعلم أن هناك حلقات جديدة في طور الكتابة، حتى ولو كان كاتبه الأصلي إمره سيربيس يقبع حاليا في السجن بسبب القيادة في حالة سكر والتسبب في مقتل ثلاثة أشخاص. ومع ذلك، يبدو أن سجن سيربيس لم يمنع طاقم العمل من المضي قدما في تصوير الحلقات المكتوبة بالفعل.
هذه الروح تبعث على التفاؤل، خاصة وأننا الآن في بيئة يتم فيها حظر المسرحيات التي تتعرض بالانتقاد للحكومة، وسيكون من الصعب العثور على أي قناة تلفزيونية تعرض "بهزات ج." في المستقبل. لكن مع وجود الإنترنت، يسود الاطمئنان لدى عشاق المسلسل بأن الموسم الجديد سيجد طريقه إليهم عبر شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة حيث من المتوقع أن يستمر في تسجيل نسب مشاهدة قياسية.
باختصار، تركيا في حاجة إلى أشخاص يجاهرون بمعارضتهم ويعبرون عن آرائهم بكل حرية دون خوف مثل المحقق بهزات، وكل ما هو مطلوب من محبي المسلسل هو إظهار مدى رغبتهم في مشاهدة بطلهم المحبوب مجددا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/television/short-history-turkish-internet-series