أرطغرل غوناي
مايو 11 2018

تركيا.. من السابق لأوانه التكهّن بنتيجة الانتخابات

لا يمكن لأية سلطة حاكمة أن تتخذ قراراً بإجراء انتخابات مبكرة، طالما أن الأمور تسير على ما يرام، وطالما أن كل فرد من أفراد المجتمع يشعر بالرضا عن حياته، وعن حكامه. فإذا رأيت العكس، أو بمعنى آخر، إذا اتخذت السلطة الحاكمة قراراً كهذا، فهذا مؤشر على وجود أزمة ما تتعلق بمستقبل البلاد.

ولم يكن لمثل هذه الحكومات المهترئة، البالية أن تملك المقدرة على إطالة فترة بقائها إلا في ظل وجود معارضة خامدة، عاجزة عن إقناع المجتمع بوعود المستقبل، التي طالما قطعتها على نفسها بين الحين والآخر.    

* * *

تستعد تركيا لإجراء الانتخابات الرئاسية هذه المرة، بعد ما يقرب من 70 عاماً؛ مرت على معرفتنا نظام تعدد الأحزاب في عام 1946. سنتوجه إلى صناديق الاقتراع في يونيو المقبل (24 يونيو، 2018)؛ من أجل الانتخابات البرلمانية الواحدة والعشرين في هذا النظام.

يمكن القول إن توجه المواطنين إلى صناديق الاقتراع للمرة العشرين خلال 70 عاماً من تجربة الديمقراطية متعددة الأحزاب (وليس الديموقراطية التعددية) هو إشارة جيدة؛ من ناحية الاحتكام إلى الشعب بشكل دائم في مواجهة الانقلابات، والتدخلات.

ومع هذا يبدو أن هذا المسلك الحميد قد جرى استغلاله بشكل سخيف من قبل السلطة الحاكمة اليوم خلال السنوات الأخيرة. يبدو أن الشعب اعتاد على سماع كلمات مثل "الخطب، والوعود، والصناديق، والاجتماعات".

هذه الانتخابات هي السادسة خلال الأعوام الأربعة الأخيرة:
مارس 2014 الانتخابات المحلية.
 أغسطس 2014 انتخابات رئاسة الجمهورية.
الانتخابات العامة يونيو 2015/ نوفمبر 2015.
أبريل 2017 الاستفتاء على التعديلات الدستورية.

والآن الانتخابات الرئاسية من جديد في يونيو 2018.

وكأن تركيا تلهث من ميدان إلى آخر وراء الحملات الانتخابية التي لا تجد لها نهاية..

وأصبح من المألوف أن تجري تركيا هذا العدد من الانتخابات خلال أربع سنوات فقط، على الرغم من أننا لم نألف هذا الأمر من قبل.   

شهد التاريخ إجراء الانتخابات مرتين فقط (في عامي 1957، 2002) خلال ثلاثة أعوام تقريباً.

ولم تخرج نتائج الانتخابات في صالح الذين اتخذوا قرار الانتخابات المبكرة.

من الطبيعي أيضًا أن تغادر هذه السلطة؛ لأنه لا يوجد سلطة في أي مكان على وجه الأرض تدعو إلى اختصار مدة حكمها؛ بالدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، طالما كانت الأمور تسير بشكل جيد، وطالما كان الناس سعداء.

وإذا اتخذت السلطة الحاكمة قراراً كهذا، فهو إما مؤشر على وجود أزمة لديها تتعلق بالمستقبل، أو على نيتها ترجمة نجاح مؤقت إلى أصوات.

وبالنظر إلى أن السلطة في تركيا لم تحقق أي نجاحات يمكن ترجمتها إلى أصوات، فلا يبقى لدينا غير العنصر الآخر الخاص بوجود قلق لديها يتعلق بالمستقبل.

ويبدو أن المشكلات الداخلية والخارجية الناجمة عن الإخفاق في السياسة الخارجية، والعزلة الدولية التي تعيشها تركيا، والآثار المترتبة على الابتعاد عن دولة القانون، بالإضافة إلى غلاء المعيشة، وازدياد نسبة الفقر، وسوء العدالة في التوزيع، كانت الباعث الأساسي الذي أجبر السلطة الحاكمة في تركيا على اتخاذ قرار الانتخابات الرئاسية المبكرة.

أضف إلى هذا أيضا المشكلات، والأزمات التي حاولت تركيا طوال 70 عاماً الصمود في وجهها، على الرغم من كل التدخلات، ومحاولات الانقلاب، ثم جاء "النظام الجديد" وحاول فرضها؛ بسعيه من أجل التدخل للقضاء على الديموقراطية البرلمانية التي تقوم على الفصل بين السلطات.

وها هي تركيا تتجه من جديد إلى الانتخابات في ظل هذا المناخ.

مناخ من التوتر خلقته سلطة أتمت عامها الخامس عشر في الحكم؛ بتبنيها مفهوم رئيس الجمهورية "الحزبي"، في مواجهة فكرة "التوحد" التي تحتاج إليها تركيا بشدة في الوقت الراهن..

الثابت أن يد التغيير لا بد أن تطول في نهاية المطاف الحكومات في الأنظمة متعددة الأحزاب. من هنا، وجدت الحكومة الحالية نفسها في موقف سياسي لا تحسد عليه، كما إن تداول السلطة، وحتمية مجيء الوقت، الذي تنتهي فيه مدة السلطات، التي استمرت لفترات طويلة في الحكم، في جميع أنحاء العالم، هو واقع سياسي حتمي.

وفي مقابل كل هذا الضعف، نجد مثل هذه السلطات صارت تفتقد الرؤية والبصيرة، واتجهت إلى التنكيل بالمعارضة؛ ظنا منها أن ذلك قد يطيل أمد بقائها في الحكم. وعلى الجهة الأخرى، ساعدت حالة تشتت المعارضة، وافتقادها للرؤية الصائبة، وابتعاد وعودها الخاصة بالمستقبل عن المصداقية، مثل هذه الأنظمة على البقاء مدة أطول في الحكم.

لقد عانت تركيا فيما مضى من هذه الحقيقة؛ ومازالت تعاني من هذه المشكلات على امتداد أعوام 2014، و2015، و2017.
وها نحن نتوجه الآن من جديد إلى انتخاباتٍ؛ قالوا إنها تحمل أهمية مصيرية.

أتمنى مع بروز واحد أو أكثر من المرشحين، الذين يؤمنون بدولة القانون، وبالديموقراطية التعددية، على الساحة في مقابل رئيس الجمهورية "الحزبي"، أن يخوض كل حزب السباق الانتخابي بمرشحين؛ يقوم بانتقائهم بعناية شديدة، وأن يكونوا على دراية كبيرة بالحياة الحزبية؛ حتى يتقي خطر التعرض للنقد أمام مرشح أكبر حزب موجود في تركيا. 

دعونا ننتظر لنرى هل ستتمكن المعارضة، هذه المرة، من إبعاد هذه القوة المُجهدة، التي تعاني منذ زمن طويل، لفتح طريق جديد مليء بالأمل أمام البلاد أم لا؟
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: