جنكيز أكتار
ديسمبر 31 2017

تركيا.. مواجهة عنف الماضي بمزيد من العنف

قبل أيام قليلة على بداية عام 2015، كتبت مقالا بعنوان "دخول 2015" وقد نقلته لاحقا بعدما حذفت السلطات سجلات صحيفة "طرف" الذي نُشر بها.

اختتمت المقال بعرض لما أتمنى رؤيته خلال مراسم إحياء ذكرى مرور مئة عام على الإبادة الجماعية للأرمن: نهاية للإنكار وانفصال عن الرتابة واستعداد لسماع "الآخر" ورغبة في فهم بعضنا البعض – وهي الخطوات الأولى نحو عملية التئام جماعية.

وبالطبع لم يحدث هذا.

ولم يحدث كذلك في عامي 2016 و 2017. بل على العكس، لعنة 1915 تستشري في البلاد كل يوم أكثر وأكثر. ونمر بهذه الأوقات كل عام، ونشتاق إلى العام السابق. وهذا أيضا تفكير جماعي.

عندما قلت "لعنة" لم أقصد ظاهرة خارقة للطبيعة، كما أنه لا ينبغي للمرء  أن ينتقص من قدر هؤلاء الذين لم تدفن جثامينهم ولم يتم الحداد عليهم وعانت أرواحهم.

ما أقصده هو أننا كمجتمع إن لم نواجه جريمة هائلة في ماضينا مثل إبادة الأرمن في عام 1915 وإن لم نقدم التعويضات اللازمة لأبناء الضحايا الأبرياء، فإن ظاهرة الإفلات من العقاب ستخيم علينا وسيتبعها الشر. هذه مشكلة أخلاقية عمرها مئة عام ولها جذور عميقة للغاية.

بالنظر إلى أن الإبادة الجماعية جريمة هائلة للغاية عن أي انتهاك عام أو فردي أو جماعي آخر، وإلى الشرور المتلاحقة الواقعة اليوم، فإن استطاع الوعي العام هضم الإبادة فإنه سيقدر بسهولة على هضم أي فوضى أخرى. وهنا الشر يولد شرا.

نحن كمجتمع نرفض دوما الحديث عن أحداث عام 1915 بسبب شدة التجاوزات التي أعقبتها، وهي ترتبط مباشرة بالإفلات من عقوبة ارتكاب الإبادة الجماعية، وأيضا "الخرف" الطوعي أو الإجباري. (مرض خرف الشيخوخة)

والآن، الجماهير، التي لا تعرف حتى معنى كلمة "أرميني" أو تستخدمها كإهانة على أفضل تقدير ناهيك عن كلمة "إبادة جماعية" تفتقر  إلى الوعي بالقضية. وهذا لن يتغير.

دعني أطرح مثالا. عند الحديث عن الإفلات من العقوبة في الجرائم المرتكبة ضد الشعب الكردي منذ تأسيس الجمهورية يبدأ الناس الحديث في الغالب بقول "خلال الأعوام التسعين الماضية".

قليل من الناس يقرون بحدوث إفلات من العقوبة في جرائم ضد الأرمن وجماعات غير مسلمة أخرى خاصة الجرائم ضد الأرمن التي ذهبت دون حساب.

اليوم الخرف الجماعي وصل إلى مستويات تجعل الناس على وشك نيسان هذا الاضطهاد الذي عمره 90 عاما. وفي المقابل، فإن الخرف الجماعي والعنف الجماعي والانحراف الجماعي الذي فُرض عقب تجاوزات عام 1915 أصبح نمط حياتنا.

مظاهرات في تركيا

اليوم لدينا عنف لا حد له وانحراف في كل مكان، في منازلنا وثكناتنا وأماكن العمل والمستشفيات وفي كل ساحة، من السياسة إلى الإعلام، ضد كل شيء بدءا بالبشر إلى الحيوانات والطبيعة والمدن والثقافة. لكن ينتشر أيضا في كل مكان انعدام القانون والإفلات من العقاب والظلم واللامبلاه.

يوجد جدار من الخرف السياسي والاجتماعي الذي يقف أمام حفنة من الناس لا تزال تقاوم ولا يرغبون في الصفح ويطالبون بالعدالة.

المسألة هنا ليست حتى الحرج الذي قد يشعر به البعض في حال إنجاز العدالة. المشكلة هي فقدان الذاكرة...خرف عام وطوعي يطرد التعاطف والرجوع إلى الماضي والحداد.

إنها نوع من "الفصام" الذي يجبر المرء على النسيان على الفور، ويسعى لدفع الآخرين لنسيان العنف الذي خلفه. هذا مرض جماعي يتخطى أوهام السياسة اليومية المملة.

لكن ذكريات عنف الماضي المكبوتة تظل حية في الضمير اللاشعوري للناس عن طريق إيجاد مزيد من العنف الأمر الذي يختبر حدود الخرف الذي يصيبنا، وبينما نحاول نسيان شر فإننا نولد شرا آخر جديدا.

ربما تكون هذه لعنة مجتمع يرفض مواجهة عنف الماضي طواعية من خلال مواجهة لا طوعية بعنف يومي مع كل عواقبه الضارة.

دخول 1915

من يعلم، كل الشر الذي يطاردنا والقتل الجماعي الذي لا ينتهي وعجزنا عن التعافي من ويلاته ربما يكون بسبب لعنة وكذبة عمرهما مئة عام. ماذا تعتقدون؟

ربما يكون هذا لعنة رددها الأمن، الأطفال، المدنيون، النساء والرجال على السواء الذين ماتوا وهم يئنون ودفنوا دون توابيت.

ربما تكون عواصف أوجدتها داخل أرواحنا الهواجس المؤلمة عن كل مواطنينا أصحاب الحظوظ السيئة ومنهم اليونانيون والسريانيون ومن بعدهم العلويون والأكراد.

ربما المذابح التي لم تُفسر أسبابها منذ عام 1915 والثمن الذي لم يُدفع يقوم أحفادهم بدفعه حاليا في أماكن مختلفة.

اللعنات التي خرجت مقابل الأرواح التي أزهقت والحياة التي سرقت والمنازل التي نُهبت والكنائس التي دمرت والمدارس التي صودرت والممتلكات التي انتزعت من أصحابها...

"اللهم أجعل كل أبنائهم القادمين يدفعون ثمن ذلك" ...هل ندفع نحن ثمن كل الظلم الذي وقع حتى الآن؟

هل الرد يعرض نفسه في هيئة الجرأة على عدم القدرة على مواجهة ذنوب ماضينا أو في هيئة  البذاءة التي أصبحت عادتنا بسبب تجاوزنا عن الظلم؟ يبدو وكأن مجتمعنا يفسد منذ مئة عام والتقيحات منتشرة في كل مكان حولنا.

 ورغم اللعنة التي عمرها مئة عام ستمر الأعوام القادمة ونفس الجدل قائم "هل وقعت إبادة جماعية حقا"؟

سنشاهد كيف سيبذل المستأجرون الحاليون لهذه الدولة جهودا مضنية للتغطية على هذا الخزي ويؤجلون أي تحرك نحو مواجهته. وإن كان الأمر بأيديهم، فإنهم سيتخطون الاعوام القادمة.

الكتابات النثرية المنكرة (للإبادة) التي تتألف من ثلاث مجادلات واهنة وهي الاضطرابات والتواطؤ مع العدو والظلم – أن الأرمن هم من قتلونا – ستظل تتردد في سلسلة من المؤتمرات. وسنرقص على ألحاننا.

في 24 و 25 أبريل من كل عام، سيقام الاحتفال الرسمي بمناسبة "يوم أنزاك" في جاليبولي وليس احياء لذكرى الإبادة الجماعية. وسنستمع  إلى بطولات الدردنيل بغزارة ولن نجد أحدا يستمع لروايتنا.

كم عدد اللعنات الأخرى التي نحتاجها حتى ننحني:

- للتعامل مع عمليتنا الدامية لبناء الأمة؟

- نعرف ونتذكر كيف جرى القضاء على أناس مسالمين ومجدين في أعمالهم ومنتجين ومهرة على أيدي شعوب الأناضول المحاربة ونتعاطف مع أحفادهم تخليدا لذكراهم؟

- نشعر بالاضطهاد الذي جعل الأرمن أصحاب الحظوظ السيئة يصرخون "أين أنت يا الله" تمردا على الله في صيف 1915 الذي كان مظلما وباردا كالموت؟

- ندرك أن عدد السكان الأرمن انكمش من ملايين إبان الإمبراطورية العثمانية في 1915 إلى لا أحد تقريبا اليوم بينما يخفي الأرمن المتبقون هوياتهم الحقيقية أو اعتنقوا الإسلام بعدما نحوا جانبا معضلة "هل كانت إبادة جماعية أم لا" أو سؤال "من قتل من" واستمعوا ببراءة إلى ضمائرنا؟

- نفهم كما يقول "هرانت دينك" إبادة جماعية ثقافية كاملة وخسارة قدر هائل من الحضارة؟

- ندرك أن أكبر خسارة لهذا البلد هو أن مواطني هذه الأرض غير المسلمين لم يعودوا يعيشون هنا؟

- أن نفهم لماذا الإبادة الجماعية – التي يسميها الأرمن الذين عاشوا في هذه الأيام السوداء بالكارثة العظيمة- هي كارثة لم تصب الأرمن فقط بل البلد برمته؟

- أن ندرك أن خسارة مواطنينا غير المسلمين الذين قتلوا أو طردوا أو أجبروا على الفرار ترقى إلى مستوى خسارة المقدرة العقلية والطبقة المتوسطة والثقافة والحضارة؟

- أن نحسب اللعنة على السلع والممتلكات والأطفال الذين تمت مصادرتهم؟

- أن نفهم جيدا حكمة المؤلف يشار كمال الذي قال "طائر آخر لا يمكن أن يزدهر في عش مهجور والطائر الذي يدمر عشا لا يمكن أن يكون له عش: الاضطهاد يولد اضطهاد"؟

- ندرك حتى أن أولئك الذين سيرفضون كل النقاط سالفة الذكر سيرفضونها بسبب نقص في الحكمة ناجم عن الإبادة الجماعية.

الإبادة الجماعية للأرمن هي أكبر كارثة في الأناضول وأم كل المحرمات في هذه الأرض. لعنتها ستستمر تطاردنا مادمنا نعجز عن التحدث عنها والاعتراف بها وفهمها والتعامل معها.

إن ذكراها المئوية تقدم حقا فرصة تاريخية للتخلص من عاداتنا ونفهم الآخر ونبدأ في علاج جماعي.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا:

https://ahvalnews.com/armenians/confronting-past-violence-more-violence