Nesrin Nas
يناير 04 2018

تركيا.. نظام جديد في العام الجديد

نحن نخطو خطواتنا في العام الجديد مع نظام جديد تماما، والآن لا أحد منا لديه ضمان الحياة سوى الرئيس، من المؤسسين إلى المناصرين، ومن المؤيدين الطغاة إلى المؤيدين الخجولين، بما في ذلك جميع أعضاء حزب العدالة والتنمية، وأنا أيضا...
ويصف "ويبر" الدولة الحديثة بأنها القوة التي تحتكر استعمال العنف المشروع.
وقد ألغى المرسوم بقانون رقم 696 هذا المبدأ الأساسي الذي يجعل من الدولة دولة، وهو المبدأ القائل بأنه لا يمكن لأي شخص آخر غير المسئولين الرسميين الذين يستخدمون السلطة الشرعية للدولة، أن يستخدموا العنف الجسدي ضد شخص آخر، ولا يمكن لهم أن يهددوا حقه في الحياة ...
والقول بأن هذا التنظيم سيقضي على إرادة العيش في ثقة، جنبا إلى جنب، وسيعرض وحدة ومستقبل تركيا للخطر لا يعد تكهنا خاطئا. 
وفي الواقع، فإن رئيس حركة الحق والحرية الذي كون جمعية قبل فترة قصيرة من نشر المرسوم الأخير يقول"عندما يحين الوقت، نحن دائما على استعداد عندما يكون هناك شعور بالاحتياج إلينا".
إن قول رئيس حركة الحق والحرية الذي يعد موظفا عموميا، لكنه ذهب ليقاتل في سوريا بإذن من المؤسسة التي يعمل بها، بأنه أبلغ الرئيس بأنشطته، يزيد أيضا من التساؤلات حول النية من إصدار هذا المرسوم.
ولا يمكن لأحد أن يكون واثقا من غده في بلد قامت فيه الدولة الحديثة بتفويض سلطتها هذه للمدنيين مع ضمان الإفلات من العقاب، وشجعت العصابات المسلحة بتعبير غامض يمكن دائما اعتباره "أعمال مستمرة لهم".
أما خطر بلد يحكمه مراسيم بقانون، مخالفة لمنطق العقل والقانون في جميع الأحوال، ولا يكون فيه الشخص واثقا من غده، لا يتحمله أي مستثمر محلي-أجنبي أبدا، مباشرة.
ولذلك، لن يكون من الخطأ القول بأن هذا المرسوم سيغير أيضا من أولويات المستهلك بالنسبة للمستثمر بطريقة أساسية.
وسيهدم هذا المرسوم في المقام الأول "الثقة" و "رأس المال الاجتماعي"، وهما أمران لا غنى عنهما لإمكانية التنبؤ باقتصاد ما قبل كل شيء، وفي الاقتصاديات التي لا يوجد فيها ثقة، لا يستثمر المستثمر، ولا ينفق المستهلك في أي شيء أيضا بخلاف احتياجاته الضرورية ...
وبالإضافة إلى ذلك، فإن ثقافة ممارسة الأعمال التجارية المشتركة تصبح في الحضيض أيضا ... وعلاقات الصانع-الموزع-المورد؛ ومتلقي خدمة – مقدم الخدمة؛ والمستأجر-المؤجر ...إلخ تفسد.
ووفقا لبحث القيم العالمية، فإن تركيا تعد واحدة من أضعف الدول من ناحية الثقة المتبادلة بين المواطنين، أي أن رأس المال الاجتماعي ضعيف جدا.
وفي العديد من البلدان، يبلغ معدل ثقة المواطنين أكثر من 60 في المائة، بينما يبلغ 12 في المائة فقط في تركيا، وليست هناك حاجة للتكهن أيضا بأن مناخ الانقسام الموجود في المجتمع، وانعدام الثقة سوف يتعمق بشكلٍ أكثر بواسطة المرسوم بقانون الأخير.
ومن ناحية أخرى، فإنه لا يمكن حل المشاكل الهيكلية، ويصبح من الصعب تقدير ثمن هذا المسمار الأخير، الذي تم دقه في نعش دولة القانون، بالنسبة للاقتصاد الذي يعتمد على زيادة الطلب، والاستعانة بمصادر خارجية، وليس على زيادة الإنتاجية والنمو.
لأن العجز في الحساب الجاري الذي يعد مؤشر الضعف رقم واحد، ومشكلة التمويل الخارجي في تركيا، يسبحان في المياه الخطرة:
وفي حين بلغت حصة الاستثمارات المباشرة في الربع الأول من عام 2016 نسبة 33 في المائة، فقد انخفضت إلى 21 في المائة، وانخفضت حصة القروض الأجنبية في الربع الأول من عام 2017 من 41 في المائة إلى 15 في المائة، وفي عام 2016 قدم القطاع المصرفي والقطاع الحقيقي ما مجموعه 15 مليار دولار من القروض الخارجية، ولكنه قدم هذا العام 1,1 مليار دولار فقط كقروض خارجية.
وارتفعت استثمارات المحفظة من 6,9 مليار دولار إلى 20,6 مليار دولار، بينما ارتفعت حصة التمويل الخارجي من 22 في المائة إلى 68 في المائة، وأصبح المال الساخن حارا جدا بحيث أنه يمكنه حرق اليد.
وخاصة إذا كان يعتقد أيضا أن هناك ضرورة للعثور على تمويل خارجي بقيمة أكثر من 210 مليار دولار خلال العام المقبل، فإن خطورة الوضع تتضح بشكلٍ أكثر.
فالبلدان التي يهيمن عليها العقل السليم لن تزيد من ضريبة المخاطر في مواجهة هذه الصورة الاقتصادية، ولكنها تتخذ خطوات لزيادة القدرة على التنبؤ بتعزيز الأمن القانوني، وعلاوة على ذلك، فقد تدهور الانضباط المالي، وهو الفرع الأخير الذي أمسكنا به حتى الآن، إلى حد كبير.
وعلاوة على ذلك، يجري الآن وضع اللوائح المتعلقة بالاقتصاد خارج نطاق الرقابة التشريعية والقضائية بموجب المراسيم بقانون، ومع أنه يبدو للوهلة الأولى، أن نظام المرسوم بقانون يوفر ميزة تقديم السرعة والمرونة في صنع القرار والتنفيذ، إلا أنه ليست هناك استمرارية، ولا ضمان للحقوق والمزايا التي تم الحصول عليها بواسطة المراسيم بقانون.
ويمكن الرجوع عن الحقوق الممنوحة بمرسوم، بواسطة مرسوم آخر، وعلاوة على ذلك، فإن سؤال ما إذا كان المرسوم بقانون يهتم بالمصلحة العامة أو بعلاقات السلطة ليس له إجابة.
وبالنظر إلى الثلاثين مرسوما بقانون التي تم نشرها، ولم يتم تنفيذها حاليا، يبدو من الواضح جدا أن البنية الإبداعية والتنافسية والإنتاجية للاقتصاد والموارد البشرية، التي ذكرت بواسطة المراسيم حتى اليوم مع أولوية التحكيم في قصر السلطة، قد تدهورت.
الآن علينا أن ننظر إلى ميزانية 2018 من هذه الزاوية، لأن جميع الأشياء الهامة وغير الهامة مرتبطة بالقصر، وكل ما يريده القصر قد دخل حياتنا كمرسوم بقانون.
ولأنه بموجب المرسوم بقانون رقم 696، فإن مجلس الأمة التركي الكبير قد أصبح خارج النظام الجديد بالفعل، وأصبح القصر صاحب القرار، وممارس النظام السياسي والإداري والمالي.
لقد ترك كل شيء لعهدة القصر من ارتباط مستشارية وزارة الدفاع بالقصر مباشرة، إلى إعفاء جامعة الدفاع الوطني من قيود ميزانية الحكومة المركزية، وحتى تنظيم المراسيم، بواسطة المرسوم الأخير.
وهناك أيضا العديد من اللوائح في المرسوم بقانون، من شأنها أن تعطل الانضباط المالي، وعلى سبيل المثال، عندما تم نقل ملكية أسهم المديرية العامة للأوقاف الموجودة في بنك الوقف إلى الخزينة، تم اختلاق طريقة الاستدانة التي لا تعد ديونا، وتم إنشاء شركة "أسفات" المساهمة حيث تقوم الخزينة بدفع جميع رأسمالها، ولكن الخزانة لن تملك صلاحيات المساهمة.
وفي حالة إذا فرضت العقوبة المالية في دعوى في الولايات المتحدة الأمريكية، بمقدار يعجز بنك الشعب عنه، يتم نقل هذا العبء إلى الخزينة من خلال صندوق الأصول.
ومع أنه لم تكن هناك صلة به من قريب ولا بعيد، إلا أنه ليس سرا أننا تحركنا من النموذج الأمريكي، من بناء القصر إلى النظام الرئاسي، وعلى سبيل المثال، فإننا قد اتخذنا من الولايات المتحدة الأمريكية، حتى غوانتانامو، نموذجا أيضا، عندما كنا ندعو إلى استخدام زي موحد للسجناء السياسيين والمحكوم عليهم الموجودين في السجون بواسطة المرسوم بقانون.
ولكن عندما يتعلق الأمر بإنفاق القصر، وإطلاع الرأي العام على تلك النفقات لا يتبادر إلى ذهننا النموذج الأمريكي.
وكلما انزلقنا إلى القصر الرئيسي للنظام بالموازاة مع ذلك، تضخمت نفقات الاعتمادات المبهمة، لتصل إلى 2,6 مليار ليرة في 10 أشهر حتى نهاية أكتوبر 2017، أما في حالة إنفاق المبلغ الإجمالي المخصص للاعتماد المبهم في عام 2018، ستزيد النفقات على هذا البند 36 مرة خلال 15 سنة.
وحول كيفية إنفاق الرئيس للاعتمادات المبهمة، فقد أوضح موقع الرئيس على شبكة الإنترنت كما يلي:

"... إنه يمثل أعلى سلطة في الجمهورية التركية، وبالتالي هناك ضرورة لتنفيذ الأنشطة بشكل يليق بوقار الدولة، بمفهوم أنه لا يمكن ترشيد نفقات أنشطة رئاسة الجمهورية التي تعد واجهة للدولة، ومع ذلك، فقد نفذت كل هذه الخدمات بجودة تليق بسمعة، وحجم تركيا، وبأنسب الأسعار كذلك ".

بيد أن الوضع في الولايات المتحدة ليس هكذا أبدا،  فبدلا من تجسيد غوانتانامو، وهو أكبر مصدر للخجل بالنسبة للولايات المتحدة، على سبيل المثال، كان يمكن اعتبار حياة الرئيس في البيت الأبيض مثالا يحتذى به.
ولا يزال البيت الأبيض يعد أصغر منزل بين الدول الكبرى. ومن المكلف جدا أن يعيش الرؤساء في البيت الأبيض، حيث يشار إلى الرئيس، في كتيب التعريف به، باسم "المستأجر الحالي".
لأن جميع نفقات الرؤساء الأمريكيين وأسرهم بما في ذلك وجبات الطعام، ورواتب عمال النظافة، والنوادل العاملين في الجزء الذي تعيش فيه الأسرة، ونقود لوازم التنظيف التي يتم شراؤها للمنزل، وحتى جميع نفقات كل الضيوف الذين يتم استضافتهم في البيت الأبيض بصفة غير رسمية، مثل الطعام والشراب، يتم خصمها من راتب الرئيس، ولا يدفع الرئيس نفقات الإيجار والكهرباء والمياه والغاز فقط.
ونتيجة لذلك، فإن الرؤساء الذين يتقاضون ما متوسطه 500000 دولار في السنة ينفقون راتبهم بالكامل حتى يستطيعوا العيش في البيت الأبيض.
والأهم من ذلك، أنه يتم تسجيل كل المستلزمات التي يتم شراؤها، من أجل تقديم كشف حساب للشعب مع كل التفاصيل، وتكون هذه السجلات مفتوحة لمراقبة الشعب.
وترامب، الذي أصبح في حكم المؤكد أنه سيكون رئيسا سيئا مثل نيكسون، بل أسوأ منه، لا يرى نفسه أعلى من الدستور، ولا يمكن أن يرى ذلك، ولا يمكن استثنائه من الخضوع لرقابة الشعب.
ونتيجة لذلك، خطونا خطواتنا في عام 2018 تحت ظل مرسومين جديدين، تم حشر كل شيء فيهما، من المواد التي تحدد ماهية النظام حتى الترتيبات الاقتصادية، وهناك عاما صعبا ينتظرنا، ولا يمكننا التغلب على هذا الظلام إلا بالتشبث بشكل أوثق ببعضنا البعض، من خلال طرح كل خلافاتنا جانبا.
يمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية ايضا: