Nesrin Nas
ديسمبر 20 2017

تركيا.. نمو اقتصادي مبالغ فيه

معدل النمو في الربع الثالث لم يكن مفاجئة. ورغم سعي محمد شيمشيك نائب رئيس الوزراء إلى تهيئة مناخ إيجابي بقوله إن التوقعات تشير إلى نمو بنسبة 8.5 في المئة، إلا أن من يعرفون قدرا يسيرا عن الاقتصاد توقعوا معدلا في خانة العشرات.

وما نريد أن نركز عليه هو "هل النمو في تركيا سيستمر"؟

تمام مثل الماراثون لا يمكن الركض فيه بنفس سرعة سباق المئة متر، فالاقتصاد لا يمكن أن ينمو لفترة طويلة بمعدل أعلى من معدل نموه الطبيعي.

إن الاقتصاد الذي يتم تحفيزه بتشجيع الاستهلاك ويوسع العجز بضرائب وحوافز ائتمانية يستنفد طاقته في النهاية، ومؤشر أسعار المنتجين الذي يتسارع ووصل في الفترة الراهنة إلى 17 في المئة هو أهم علامة على هذا.

وتوجد أيضا مؤشرات أخرى على رأسها العجز المتنامي في الميزانية وعجز الحساب الجاري.

لا يقابل مجتمع الأعمال معدل النمو هذا بحماسة كبيرة. وظهر ذلك في أسواق الأسهم التي لم تشهد أي انتعاش.

وأسباب فتور عالم الأعمال تكمن في التفاصيل.

لم ينشر معهد الإحصاءات التركي (تركستات) تفاصيل كاملة، ولذلك لا يمكن مقارنة بيانات الدخل القومي ببيانات اقتصادية أخرى، وعلاوة على ذلك، كشف المعهد عن نسبة النمو في كل القطاعات مجتمعة، ولذلك، ولكي نصل إلى الحقيقة، ينبغي مسح ومراجعة كل البيانات الاقتصادية وبالتفصيل.

ولنبدأ ببيان (تركستات):

زاد الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 11.1 في المئة في الربع الثالث من 2017 مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

التقديرات للناتج المحلي الإجمالي حسب طبيعة الإنتاج زادت 24.2 في المئة بناء على الأسعار الحالية في الربع الثالث من 2017 وأصبحت 827 مليار و230 مليون ليرة.

زادت القيمة المضافة الإجمالية للقطاع الزراعي بواقع 2.8 في المئة في الربع الثالث من 2017 مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وزادت في القطاع الصناعي بنسبة 14.8 وبنسبة 18.7 في قطاع الإنشاءات و20 في المئة في قطاع الخدمات.

زاد الناتج المحلي الإجمالي المعدل في ضوء التقويم 9.6 في المئة في الربع الثالث من 2017 مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وزاد الناتج المحلي الإجمالي المعدل في ضوء العوامل الموسمية والتقويم معا 1.2 في المئة في 2017 مقارنة بالعام الماضي.

وفقا للبيانات المعدلة في ضوء التقويم والعوامل الموسمية انكمش القطاع الزراعي وقطاع التصنيع بواقع 0.2 و1.3 في المئة على الترتيب وذلك مقارنة بالربع الثاني، وعلاوة على ذلك استمر انخفاض نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي (بالدولار) خلال الأشهر التسعة الأولى من العام.

تسعى الحكومة إلى إظهار وجه واحد فقط من العملة وإخفاء الوجه الآخر.

في ظل تسارع التدهور في كل المؤشرات الرئيسية وخاصة التضخم والبطالة وسعر الصرف وعجز الحساب الجاري، لا نعرف من سيتعامل بجدية مع نمو في خانة العشرات.

الاقتصاديون والمستثمرون بالبورصة الذين يسعون دوما وراء التوقعات قصيرة الأجل يعرفون جيدا أن الحكومة لا تملك فرصة كبيرة لمواصلة الحوافز الضريبية ومدفوعات دعم الضمان الاجتماعي اللتين ساهمتا في هذا النمو، أو تجديد صندوق الضمانات الائتمانية.فالأرقام واضحة.

وحسب أرقام وكالة التنظيم والإشراف المصرفي (بي.دي.دي.كيه) زادت القروض بنسبة 24 في المئة في الربع الثالث من 2017 مقارنة بنفس الفترة من العام السابق.

يوجد أيضا تغير في معدل النمو في الفترة الحالية مقارنة بفترة الأساس:

نمو اقتصاد تركيا في الربع الأخير من عام 2002 بنسبة 11.2 وبنسبة 11.6 في المئة في الربع الثاني من 2004 وبنسبة 8.7 في المئة في الربع الثالث من 2010 والنسب كلها في ضوء تغير النمو في تلك الفترات مقارنة بفترة الأساس.

والوجهان المهمان الآخران لهذا النمو هما الإنفاق العام وصندوق الضمانات الائتمانية (كي.جي.إف).

بدأت الزيادات في الإنفاق العام قبل استفتاء ابريل 2017 واستمرت منذ ذلك الحين، وكان عجز الميزانية 29.5 مليار ليرة في عام 2016. ونتيجة لتخفيف بعض الضرائب وتأجيل جمع أقساط الضمان الاجتماعي وأيضا ارتفاع الإنفاق العام، اتسعت الفجوة إلى 35 مليار ليرة في الأشهر العشرة الأولى من 2017.

بالنسبة الديون من صندوق الضمانات الائتمانية:

يبدو أن معظم هذه الديون لم ترد، ولذلك فإنه أمر حتمي أن يلجأ الدائنون إلى البنوك وأن تلجأ البنوك إلى دافعي الضرائب.

علاوة على ذلك، فنحن لا نعرف حجم (القروض المعلقة) في النظام المصرفي.

ووفقا لبيانات وكالة التنظيم والإشراف المصرفي فإن القروض المعلقة كانت 63 مليار ليرة حتى سبتمبر أيلول 2017، ونسبة الديون المعلقة إلى القروض المستحقة هي 3.05 في المئة.

يبدو من هذا أنه لا توجد مشكلة. لكن القروض الممنوحة لمؤسسات مثل "ترك تيليكوم" و "ترك سيل"، والتي ارتفعت بشدة، غير مدرجة ضمن القروض المعلقة بالحسابات الختامية للبنوك.

لذلك لم يجر الاحتفاظ بشروط لهذه الديون المتعثرة. وعند دراسة هوامش الحسابات الختامية للبنوك نجد أن حجم القروض "الخطرة" أكبر عدة مرات مما هو معلن رسميا.

وسنرى الصورة بشكل أوضح عندما يتم تنفيذ البند التاسع من "المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية" في مطلع العام الجديد.

من الناحية النظرية، هذا سيلزم البنوك بكشف كل القروض التي تجاوزت تأخيراتها مدة ثلاثة أشهر حتى أصبحت متعثرة.

ويبدو من هوامش الحسابات الختامية للبنوك أن وكالة التنظيم والإشراف المصرفي تسمح "بطفو" بعض القروض أو عدم تعريفها بأنها متعثرة وذلك باستخدام ما تملكه من صلاحيات بناء على "تشريع تصنيف القروض".

خيارات الخزانة تضيق أيضا. وإذا أصدرت الولايات المتحدة سندات إضافية لتقليل عجزها الهائل في الميزانية فلن يهتم أحد في سندات دين لدى بلد أصبح من بين أكثر خمسة أسواق ناشئة هشاشة.

ولذلك، فإن الخيار الوحيد الباقي أما الحكومة لزيادة رأس المال هو صندوق الثروة التركي وهو مؤسسة تتحكم في بنك خلق التركي المتهم بانتهاك العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: