تانير أكشم
يناير 19 2018

تركيا: هرانت دينك.. 11 عاما على مقتله

ماذا يمكنني أن أقول عنه؟ أي ذكرى يمكنني أن أناقشها بعد مرور أحد عشر عاما على مقتله؟ لا أعرف حقا.
لقد كان بمثابة مارتن لوثر كينج، جيه.آر تركيا. لم يكن شخصا ما دفع ثمنا فادحا لتعبيره عن الأحداث المأساوية التاريخية التي عانى منها الأرمن. فقد كان ملقى على أحد الأرصفة وبنعلي حذائه ثقوب، لقد كان رمزا لكفاح عاشته تركيا وكان يمثل الأمل للمستقبل. كان رمزا للكفاح من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. وكان الثقب الموجود في نعله وكأنه ينتظر بزوغ الأمل.
لا أعرف إذا كنتم ستتفقون معي، سواء كنتم يمينيين أم يساريين، مسلمين أم علمانيين، علويين أم أتراك، فهذا لا يغير من الأمر شيئا. وعندما يذكر اسمه، يطرق عدد كبير من الشعب تركي عيناه للأسفل. وإن لم يقولوا شيئا أو لم يكن لديهم ما يقولونه، فإنهم يظلوا صامتين ومتسمين بالاحترام.
لقد فكرت مرارا في هذا. "ما السبب وراء كونه كذلك؟"
فإن إجابتي هي أنه يمثل جرحا في ضمير تركيا. وفي الأعماق، ولكن بدون قدرة على الصياغة في كلمات، نشعر بذنب وعار كبيرين.  فقد كان الثقب في نعل حذائه يمثل انعكاسا لهذا.
وعندما كان حيا، كان منبوذا وأجبر على العيش في عزلة. وأصبح شهيدا لهذا الشعور العميق بالوحدة. وهذا هو السبب وراء شعورنا بآلام في قلوبنا في كل مرة نفكر فيه.
وأنا أحد الأشخاص الذين يشعرون بهذا الوخز في الضمير. 
وكان هذا في ديسمبر من العام 2006، عندما توجهت إليه مباشرة لدى وصولي إلى اسطنبول.  وقال "تعالى يا سبب إزعاجي ... فقد تسببت في مشاكل لي مجددا. فقد وجهوا لنا اتهامات بسبب ما كتبته."
وكان من المقرر أن أمثل أمام المحكمة في الرابع من يناير لكنه لم ينس أن يكون مجاملا أو مهذبا. وقال "الأمر يعود لك. بإمكانك عدم الذهاب". لكن إذا لم أذهب، بسبب شيئ ما كتبته، فكان سيُلقى القبض على ابنه آران دينك وشقيقه الأكبر سركيس. وبالطبع، لم أكن لأدع هذا يحدث. 
وفي الرابع من يناير، ذهبت إلى المحكمة مع أرات وفتحية تشيتين وإردال دوغان وأدليت بشهادتي. وعدنا إلى صحيفة أكوس بعد ذلك. وجلست فتحية وإردال وهارانت وأنا. وكنا نتحدث. وكان في غاية القلق. كان مرعوبا جدا. وقال "أنا متشائم." وفتح حاسبه الآلي وقرأ رسالة من رسائل التهديد المرسلة إليه بالبريد الإلكتروني. وهدده شخص ما بقتل ابنه والتخلص من جثته.
وحتى ذلك الحين، لم يخبر أي شخص أو يكتب أي شيء عن ما حدث في شهر فبراير من عام 2004، عندما استُدعي إلى مكتب محافظ اسطنبول وتعرضه للتهديد. وتوسلنا إليه للكشف عن هذا التهديد، لكنه أصر على رفضه قائلا "لا".
وقال "إنهم يرغبون في خوض صراع، ولن أمنحهم هذا الصراع." ولم يقل أي شئ بعد ذلك.
لكن عندما تزايدت التهديدات والهجمات التي كان يتعرض لها، غير رأيه وقال "سأكتب عن ما حدث الآن." وأنا واثق أن ما كتبه في 12 يناير كانت آخر مقالاته.
وعندما كنا نتحدث، قلت "انظر هرانت، سنمر بأوقات سيئة جدا.  لن يسمحو لحزب العدالة والتنمية باختيار رئيس. وبعد ذلك، سيلقون بالبلاد في الفوضى. وأعتقد أنه ستكون هناك اغتيالات سياسية. سيقتلون صحفيين وسياسيين مشهورين. ولو كنت أنا من يخطط حالات القتل هذه، لكنت وضعتك على رأس القائمة. سيقتلونك أنت أولا. ولو كنت مكانك ما انتظرت بل كنت سأغادر البلاد على الفور."
ولم ينبس ببنت شفه.
وقلت "اترك البلاد وعد بحلول شهر مايو. إذا كانت المشكلة التي تواجهها هي الحصول التأشيرة، يمكنني أن أرسل لك دعوة".
وقال "لا، المشكلة ليست في الحصول على التأشيرة ... لدي تاشيرة. أنا في الواقع افتقد بلدي عندما أسافر. أخشى أن لا أكون قادرا على العودة مطلقا إذا ما غادرت الآن."
اعتقد أنه كان يعلم أنه سيقتل وكان ينتظر موته. وفي نفس هذا المساء، توجهنا معا إلى المطعم الذي اعتدنا الذهاب إليه دائما، مطعم بونجوكوك في شارع استقلال. وقال بينما كنا نسير "لا أخاف التهم التي وجهوها لي. يمكنني أن أتعامل معها. لكن ما أخشاه الآن هو السير في  الشوارع. أخشى أن يطلق علي شخص ما النار في رأسي أو يطعنني بسكين في الظهر."
وهذه هي الطريقة التي مات بها...
وفي هذا المساء، حدث شئ غريب في بونجوكوك. فقد اعتدنا الجلوس في الطابق العلوي، لكن لم يكن به متسع. وأُجبرنا على الجلوس في الطابق الأرضي بجوار النافذة. وكان مضطربا جدا. وظل ينظر حولة بتوتر. وكان معنا فهري أرال أيضا. ورآنا سليم درينغيل، فجاء وجلس معنا لفترة قصيرة ثم غادر.
وكان يوجد بعض الأشخاص يجلسون على المنضدة المجاورة لنا. واعتقد أن أحدهم عرفني في البداية، فجاء وقدم نفسه. وعندما رأى هرانت، بدأ على الفور في الحديث. وقال إن اسمه مصطفى كمال وأنه عميل متقاعد بجهاز المخابرات الوطنية. وكان يمكنك رؤية الخوف في عيني هرانت. وقال الرجل "أنت مضطرب وخائف جدا". وواصل القول "لا يوجد سبب ما يدعو للخوف. أعرف موقفك. وتمت مناقشته في أنقرة، أعرف، لن يحدث شيئا لك." ثم غادر.  لقد كانت تجربة سيريالية جدا. 
ولم يعلم هرانت ماذا يقول.
مشاعر اليأس والعزلة والبقاء وحيدا ... 
واتخذ قراره. وقال "إذا عاقبوني بالسجن، حسينها سأغادر". لكن لم يكن يفكر في شئ ما ببساطة ركوب الطائرة والمغادرة. فقد كان سيهجر البلد الذي هجره.
وشرح ما الذي سيفعله باستفاضه عدة مرات. وقال "سأسير على نفس الطريق الذي سار عليه أسلافي في 1915 بمغادرة هذا البلد". هذا ما كان يعتقده. سيتوجه جميع أفراد أسرته إلى ملطية حيث ولد ومن هناك سيسير على نفس الطريق الذي أُجبر أسلافه على السير فيه في 1915 والتوجه إلى سوريا.
وقال "لم يرغبوا بوجود أسلافي في هذا البلد، والآن لا يرغبون في وجودي. ومن ثم، سأسير على نفس الطريق الذي سار عليه أسلافي عندما أُجبروا على السير فيه، مع فهم أنني لن أعود ثانية إلى هذا البلد."
وإذا لم يُقتل، كان سيفعل هذا على الأرجح.
وبعد مرور أحد عشر عاما، ومع رؤية الوضع الذي تشهده البلاد، فإن سؤالي هو: هل سيكون بمقدورنا الاحتفاظ بهرانت وأمثاله في هذا البلد. وهل سينبت الأمل من الثقب الموجود في الحذاء؟
يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: