تركيا.. هل بالإمكان تأسيس الديمقراطية بتكاتف كل التيارت ضد الظلم؟

ما عشناه في السنوات الأخيرة، ذكّرنا مجددًا بكثير من الحقائق المؤلمة المرة. فمن كانوا يعتقدون أن زعامة رجب طيب أردوغان لعملية السلام مع الأكراد، كانت لها فائدة في إقناع الناس بموضوع صعب وشائك، عاشوا فيما بعد خيبة أمل كبيرة للغاية حيال ما كانوا يعتقدون؛ وذلك لأن الكلمات البرّاقة المزخرفة، سرعان ما تتحول إلى بيانات منسية تشكل خيبات أمل كبيرة، وذلك في أجواء يشعر فيها الزعماء والقادة أنفسهم أنهم غير آمنين.  لكن لا شك أنه لا يوجد ثمة طريق آخر لقياس مدى صد القادة في أقوالهم، سوى التركيز على مدى اجتيازهم اختبارات الديمقراطية الصعبة والحقيقية، بشكل ناجح، أي أن الأمر ليس مجرد التمتع بميزة القائد أو ما شابه. 
جدير بالذكر أننا تعلمنا، ولا زلنا نتعلم من خلال العديد من التجارب المؤلمة أنه لا يتعين علينا انتظار مساعي التحول الديمقراطي من الساسة؛ وذلك لأن لهم حسابات سياسية أخرى، ويغيرون جلدهم ويتلونون في مواقفهم ومبادئهم حسبًا للسياسات الراهنة الموجودة على الساحة. لا شك أن انتظار إجراء إصلاحات اجتماعية من القادة السياسيين الموجودين في أوساط مناسبة للغاية لفكرة استغلال الديمقراطية، لضرب من الخيال والأوهام في بلدان منطقة الشرق الأوسط التي تهيمن عليها بشكل كبير ثقافة القيادة والزعامة.
حقًا نحن نعيش مع بلدان في المنطقة يشعرها القادة المستبدون بمصائبهم حتى بعد تركهم السلطة. ومن الوارد والممكن أن نعيش نحن أيضًا نفس المصير في ظل ظروف أسوأ. لكن تغيير هذا المصير المنتظر أمر بإمكاننا. كيف يحدث هذا؟
التشبث بأمل التغيير هذا، قد يبدو أمرًا بعيد المنال بالنسبة للكثيرين. إذ أن المحافظين ممن استولوا على السلطة، وداعميهم من الإسلاميين، قد وصلوا لنقطة  يخوضون فيها امتحانًا سيئًا للغاية. فهم يستخدمون دون أدنى شفقة أو رحمة نعم السلطة ومكتسباتها، ويضيقون الأمور على الأوساط الليبرالية واليسارية التي دعمتهم بالأمس القريب، تلك الأوساط التي كانت تقول في قرارة نفسها أثناء التصويت لصالح الاستفتاء الدستوري الأخير "لا يكفي لكن نعم".
الأوساط الليبرالية، واليسارية تعيش خيبة أمل كبيرة؛ رغم أنها مستعدة للتضحية بنفسها من أجل أصغر بارقة أمل من الديمقراطية. فهم أيضًا تحت ضغط الشريحة اليسارية التقليدية، ويرون ضرورة عدم إعطاء فرصة ثانية لمعظم المحافظين. فهل في مثل هذه الظروف الصعبة، يستطيع المحافظون الازدهار من جديد بعقلية تحررية؟ للإجابة على هذا السؤال، دعونا نجري مزيدا من الفحص المتأني للأرضية السلبية لهذا الادّعاء الذي نرى أنه من الممكن أن يتحقق ويحدث.
أما المحافظون الذين تعرضوا لظلم وغبن حالة الطوارئ في تركيا، موضوع آخر يتعين تناوله بالفحص والدراسة بدقة وعناية. جزء ممن يعيشون خيبة أمل نتيجة الصدمة الكبيرة التي تعرضوا لها، أبدوا ندمهم لأنهم لم يتعاطفوا بشكل قليل مع الشرائح الأخرى، بل وعمدوا إلى نقد أنفسهم ذاتيًا.
وأنا أرى أن هذا النقد الذاتي مهم للغاية، ويتعين علينا تعزيزه ليكون أكبر من ذلك. ولا شك أنني في معظم مقالاتي، ومحادثاتي أعمل على تعزيز هذا النقد الذاتي، وإظهاره. لكني أرى في ذات الوقت أن الأمر لم يتم تقييمه وتناوله كما ينبغي من قبل بعض الشرائح والفئات الأخرى.
ولا ننسى أن هناك من ينظرون إلى كل من ينقد نفسه ذاتيا نظرات يقللون فيها من حجم ما يفعلون، كأن يقولون على سبيل التهكم "ما كانوا أن يفعلوا ذلك لولا أن حلت بهم مصيبة، وبمجرد أن يزول عنهم ما حل بهم سينسون ما قالوا"، فمن يقولون هذا لا يدركون أنهم بذلك يسحقون بأقدامهم نبتة جميلة صغيرة كانت في طريقها للنمو. ليسوا مدركين لحقيقة مفادها أنه ليست هناك تجربة ديمقراطية ملموسة أفضل من هذا؛ حتى يتسنى لنا التعرف على الديمقراطية التي لم تعرف في هذه الديار على أنها تقليد للنضال والكفاح. فلا شك أن المكتسبات والإنجازات من الممكن أن تتحقق من خلال تذكر أخطاء الماضي، وإدراكها جيدًا، مع ضرورة وجود همة جديدة، ولن يتحقق ذلك من خلال تبني الأحكام المسبقة القائمة على فكرة التحيز وعدم الإنصاف.
كما أن من بين ضحايا حالة الطوارئ أناس معروفون بالغضب والكراهية، وغيرهم ممن صاروا راديكاليين بعد أن عجزوا عن التخلص من حالتهم النفسية المتحيزة غير المنصفة رغم أنهم في دائرة المظلومين. وهناك أيضًا من يرون أنه لا مناص عن التحلي بالقوة كعلاج للنهوض من بوتقة الوضع الضعيف الذي سقطوا فيه.
ومن بينهم أيضًا من يرون أنه لا بد من الانتقام مستقبلا من كل ما تعرضو له من ظلم. وليس من السهل تذكير هؤلاء الأشخاص بأن كل ما حدث وتعرضوا له في هذه الأجواء القاسية، ليس شيئًا سوى امتحان كان لا بد خوضه. كما أنه ليس من السهل بمكان أن يقوم كل من عاشوا كافة أشكال قسوة وظلم حالة الطوارئ، بإجراء تقييم صحي لكل ما عاشوه ومرّوا به؛ لكن عليهم أن يعلموا أنهم إذا لم يفعلوا ذلك  فإنهم سيخدمون بذلك الحلقة المفرغة لهذه الأراضي.
الجميع مسؤولون عن حالة الجدل الحاصلة، كما تقع عليهم المسؤولية الأخلاقية في ذلك. فالتيار الأردوغاني، ومن يقف ضده من تيارات أخرى عجزوا عن تشكيل الأرضية الديمقراطية الصحية. فمن ينتقد ما يراه معارضًا، لا يستطيع رؤية نفسه مصابًا بنفس المرض.
ولقد عاشت تركيا حالات كثيرة من هذا الجدال والنقاش. ففي وقت من الأوقات كان شائعًا في هذه الديار الاستقطاب بين سليمان ديميريل وبولنت أجاويد، كما كانت هناك خيارات المناصرة والتأييد السائدة بين فريقي عصمت إينونو، وعدنان مندريس؛ لكن كل هذا الأمور أسفرت عن نقاشات فارغة استهكلت أوقاتًا إنتاجية.
لماذا قلنا إنها نقاشات فارغة؛ لأنه الجدل حول الأشخاص، وتناولهم بالنقاش، لم يمهد يومًا ما لتأسيس أرضية صالحة لظهور الديمقراطية وانتشارها. بل على العكس من ذلك، هذا الأمر من شأنه تعزيز فرص الاستقطاب داخل المجتمع، ويؤدي إلى تقويض إمكانيات تأسيس ديمقراطية ذات فائدة نحن أحوج ما نكون إليها. ومن ثم فإنني أرى أن مرض شخصنة الأشياء هو أحد أهم الموضوعات التي يتعين على الديمقراطيين في هذا البلد الحذر منها، وعدم نسيانها.
الوضع الذي رسمنا صورته، بمثابة لوحة قاتمة تعد هي الأسوأ من كافة النواحي للأوضاع التي وصلنا إليها. وأنا كلما رسمت لوحة سيئة بهذا الشكل، أرى أن الخروج ضد هذه الأوضاع من الممكن أن يبدأ من القاع. وهذا سيحدث بالآليات الصحيحة التي تقوم عليها المفاهيم والمبادئ، لا بالنقاشات السياسية الفارغة التي تحدثنا عنها. فنحن مضطرون لنعيش كافة الدلالات والمؤشرات الملموسة للخروج ضد الظلم القائم على أساس الاضطهاد. فاليساري واليميني، والتركي والكردي، والعلوي والسني، يمكنهم لا شك النجاح في تحقيق هذا المطلب.
تجدر الإشارة أنه خلال الأيام القليلة الماضية، حدثت واقعة اهتممت بها كثيرًا، واقعة يمكن اعتبارها مؤشرًا على ما قلته من إمكانية التكاتف بين كافة الفئات ضد الظلم. جميعكم تعلمون غوكهان أتشيك كوللو، ذلك المدرس الذي مات في الحبس، موتةً تحوم حولها الشبهات، وبعد أن أقيمت عليه صلاة الجنازة، طلب دفنه في مقابر الخونة (التي بنيت لدفن الضالعين في المحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا في يوليو 2016). هذا الرجل ربما لم يكن لافتًا للانتباه في الأيام الأولى التي تلت المحاولة الانقلابية؛ لكنه بات الموضوع الرئيس الذي يتم تناوله في كافة الأوساط داخل تركيا مؤخرًا، بعد تناول وسائل الإعلام وثيقة تثبت حقه في العودة لعمله الذي فصل منه على خلفية اتهامه بالمشاركة في المحاولة الانقلابية، الوثيقة التي صدرت بعد مرور 18 شهرًا على وفاته المشبوهة. أما اليساري ولي صاتشيلق، الذي فقد ذراعه نتيجة ما شاهده من تعذيب في السجن، فقد قرر عدم الوقوف صامتًا ضد هذا الظلم والاضطهاد الذي تعرض له المدرس المذكور، وقام بردة فعل كانت هي الأكثر حميمية وإنسانية.

زرنا اليوم قبر غوكهان أتشيك كوللو الذي أُعيد لعمله بعد مقتله في محبسه. نريد حقوق الإنسان للجميع، نريد العدالة للناس كافة.

 

 
هذا الرجل اليساري، ولي صاتشيلق، قطع مسافة بلغت 800 كيلومترًا، وزار قبر اليميني، غوكهان أتشيك كوللو، وطلب منه السماح واعتذر له من أمام قبره باسم الإنسانية. هذا الموقف، وهذا اللقاء بين اليساري واليميني، حتى ولو كان الأخير ميتًا، يثبت أنه بالإمكان نجاح الهويات والانتماءات المعارضة لبعضها البعض بشكل كبير، في تحقيق ما هو أصعب بشأن معارضة الظلم والاضطهاد والتصدي له. فهذه الخطوات وجدت صدى لها في أشد القلوب قساوة.
والآن فإن قضيتنا تتمثل في زيادة وتعزيز هذه الخطوات الشجاعة والفاضلة، وألا يقتصر الأمر على مجرد الدعم فقط. فيجب علينا أن نزيد من أعداد الأتراك المهتمين بالقضية الكردية، والسنة والعلويين، واليمينيين الذين يسارعون لدعم اليساريين ونصرتهم.
وختامًا أقول إنه ليس من الصعب بمكان أن يتكاتف كل من يشعرون بأنهم مشتركون في مصير واحد، ويتضامنوا ضد كافة الآلام، وذلك من خلال الابتعاد عن كوارث وويلات وأد الديمقراطية، واستغلالها أو تجاهلها. لقد شاهدنا أن هذا الأمر يسير لما عشناه بأنفسنا، ونجحنا فيه، بل يمكننا فعل المزيد في هذا الصدد.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
https://ahvalnews.com/tr/demokrasi/dipten-cikisla-demokrasiyi-tesis-mumkun-mu
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.