نيك آشدون
ديسمبر 18 2017

تركيا: هل تسير المعارضة إلى هاوية الانتخابات معصوبة العينين؟

تسعى الحكومة التركية إلى فرض تغييرات على طريقة إجراء الانتخابات في البلاد بواسطة تدابير تشريعية، وهي إجراءات يقول محللون إن من شأنها أن تقوض مصداقية الجولة القادمة من الانتخابات المقرر عقدها عام 2019 والتي يرى الرئيس رجب طيب إردوغان أنه يجب الفوز بها بشكل حاسم.

ففى الشهر الماضى، أدخلت الحكومة بندين قانونيين ينظمان عملية الإشراف على الانتخابات كجزء من قانون أعم يحدد دور المجلس الأعلى للانتخابات إزاء عملية التصويت فى تركيا، لكنها قامت بعد ذلك بسحب البندين من مشروع القانون النهائى بعد موجة من السخط العام واحتجاجات من أحزاب المعارضة. ورغم ذلك، نشرت جريدة "حريت" تقريرا قالت فيه إن الفقرتين أعيد إدراجهم بنفس النص فى تعديلات للقانون تسعى الحكومة الى تمريرها مستقبلا.

ومن المعلوم أن الفائز فى الانتخابات الرئاسية القادمة، التى ستجرى فى خريف عام 2019، سيكون بإمكانه التمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة النطاق تمت الموافقة عليها فى استفتاء فى ابريل الماضي، ولو بأغلبية ضئيلة فقط. وهو ما يعد استكمالا لسلسلة من الانتصارات الانتخابية التي حققها إردوغان وحزب العدالة والتنمية بهوامش فوز آخذة في التضاؤل في الجولات الماضية من عمليات التصويت قبيل الانتخابات المحلية والبرلمانية المقبلة العام القادم.

وينص البند الأول على أن تكون الدولة وحدها هي المسؤولة عن تعيين المشرفين على صناديق الاقتراع، مع العلم أن اختيار هؤلاء يقع حاليا على عاتق المجالس الانتخابية للمناطق والأحزاب السياسية معا. وتوجد نحو 175 ألف لجنة تشرف على صناديق الاقتراع في أي انتخابات تركية وطنية، تتكون كل منها من اثنين من الموظفين المدنيين، منهم رئيس اللجنة، وخمسة ممثلين من الأحزاب السياسية.

أما الفقرة الثانية فتنص على أنه يتعين على مراقبي الانتخابات التسجيل للحصول على تصاريح من المجالس الانتخابية للمناطق، ما يضطرهم أيضا للحصول على إذن من الدولة لمراقبة الانتخابات، في حين كانوا في السابق يسجلون هويتهم فقط مع الأحزاب السياسية. وبالنسبة للمراقبين، فإن هذا يعني أن الدولة تستطيع أن تحدد من يمكنه أن يراقب الانتخابات ومن لا يمكنه ذلك، وهو أمر يبعث على القلق لأن الدولة تخضع لسيطرة حزب سياسي واحد منذ 15 عاما.

يقول ماكس هوفمان، المدير المساعد للأمن القومي والسياسة الدولية في مركز التقدم الأمريكي، وهو مركز بحثي في واشنطن، في مقابلة عبر البريد الإلكتروني "إنه من الصعب النظر إلى هذه التغييرات دون الاعتقاد أن حزب العدالة والتنمية يمهد الطريق لسرقة انتخابات 2019، إذا لزم الأمر."

وأضاف "التعديلات تمحي الكثير من الآليات المتبقية لعملية المراقبة التي تقف حائلا أمام تزوير الانتخابات بشكل سافر."

وقال كيرم غولاي، وهو استاذ قانون وخبير في شؤون الانتخابات التركية في جامعة أمستردام، إنه من الناحية العملية، فقد عينت الدولة المشرفين على مراكز الاقتراع منذ فترة طويلة، لكن مع الفارق أن الأحزاب السياسية لها أيضا حق قانوني في أن تكون جزءا من عملية ترشيح هؤلاء المشرفين.

وأضاف "هذه التغييرات تدعو إلى القلق على المستوى العام، لأنها تعني الابتعاد خطوة أخرى عن المشاركة الديمقراطية والسياسية في إطار رسمي... لكنها في الواقع لا تغير أي شيء غير موجود من الناحية العملية على أي حال".

وتابع قائلا إن تغيير قواعد تسجيل مراقبي الانتخابات هو الأمر المقلق بحق، حيث أنه في الماضي كانت هناك عادة شائعة للتسجيل في اللحظات الأخيرة ولم يكن الأمر يمثل أي مشكلة، لكن مع هذه المتطلبات الجديدة سيصبح الأمر مستحيلا.

بطريقهما الى التصويت رغم الكثافة الامنية
بطريقهما الى التصويت رغم الكثافة الامنية

من الجدير بالذكر أن المراقبين يلعبون دورا حاسما في الانتخابات باعتبارهم الأشخاص الوحيدين الذين بإمكانهم قانونا الاعتراض على حوادث التزوير.

ويفسر غولاي: "إذا قمت بجعل عملية التسجيل أكثر صعوبة عن طريق فرض المزيد من المتطلبات، فسترى أنه حتى إذا التقط المواطنون في مراكز الاقتراع مقاطع فيديو تظهر وجود عمليات تزوير أو حتى حاولوا الاعتراض عليها، لن يمكن إلغاء التصويت".

كان حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأقليات قد واجه بالتحديد صعوبات جمة خلال استفتاء أبريل الماضي حيث تم استبعاد ما لا يقل عن 170 من مشرفي لجان الاقتراع الذين رشحهم بزعم "سمعتهم السيئة"، كما قال الحزب إن العديد من المراقبين التابعين له تم منعهم من الدخول.

وقالت نائبة رئيس الحزب المسؤولة عن شؤون الانتخابات يوردوسيف أوزوكمينلر في رسالة بالبريد الإلكترونى "إن الاستفتاء جرى فى ظروف غير متكافئة وتحت تدابير استثنائية تعرضت في ظلها المعارضة للاضطهاد".

وأضافت أوزوكمينلر أن الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية الاخرى مارست ضغوطا عنيفة على الناخبين في الجنوب الشرقي ذي الأغلبية الكردية والذي كان قد شهد صراعا عنيفا بين القوات المسلحة مدعومة من ميليشيات حرس القرى الكردية الموالية للحكومة وحزب العمال الكردستاني الذي يقود حملة للانفصال منذ عام 1984.

وقالت: "شهدت العديد من المدن، وخاصة في ديار بكر وفان وماردين وموش و بدليس، ضغوطا كبيرة من الجيش والشرطة والقوات الخاصة أثناء الحملات الانتخابية وعملية التصويت"، مشيرة إلى أن الكثير من مؤيدي الحزب عزفوا عن التصويت في بعض المواقع بسبب تهديدات من قادة الشرطة وزعماء ميليشيات حرس القرى.

وأردفت أوزوكمينلر قائلة إنها تخشى من أن هذه التغييرات المقترحة قد تجعل من المستحيل تقريبا على أحزاب المعارضة أن تسجل المراقبين التابعين لها.

كان الاستفتاء الذى فاز به حزب العدالة والتنمية بزعامة إردوغان بنسبة 51 فى المئة شابه العديد من ادعاءات التزوير وسوء السلوك من جانب السلطات، وشمل ذلك قرارا فى اللحظة الاخيرة من المجلس الأعلى للانتخابات بقبول أوراق الاقتراع غير المختومة.

وقالت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في تقرير صادر عن البعثة التي أرسلتها لمراقبة التصويت إن الاستفتاء "لا يرقى الى مستوى المعايير الي يتلزم بها مجلس أوروبا وإن الإطار القانوني لم يكن كافيا لإجراء عملية ديمقراطية حقيقية".

وقال غولاي "لا أتذكر إن كان هناك أي تقرير سابق ينتقد الانتخابات في تركيا بهذه الحدة".

احتجاجات الاستفتاء في تركيا
احتجاجات الاستفتاء في تركيا

وهذه المعطيات تثير مخاوف الكثيرين بشأن الانتخابات المقبلة في تركيا.

يقول هوارد إيسنستات، وهو أستاذ تاريخ في جامعة سانت لورانس الأمريكية وزميل غير مقيم في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، في رسالة بالبريد الالكتروني "رأينا في الانتخابات البلدية عام 2014 ثم مرة أخرى في استفتاء أبريل 2017 أن المعارضة لم تكن فقط قادرة على المنافسة بسبب عدم تكافؤ الفرص، ولكن أيضا لم يكن من الممكن التأكد من صحة الأرقام الناتجة من فرز الأصوات."

وأضاف إيسنستات أن الانتخابات القادمة ستكون حاسمة بالنسبة لإردوغان الذى لن يترك أي مجال للمغامرة بنتيجتها.

وتابع قائلا "بالنسبة لي يتلخص الأمر في الآتي: إردوغان يفضل بالتأكيد الفوز في الانتخابات دون اللجوء إلى التزوير بشكل فاضح. ولكن هل هو على استعداد لأن يخسر تلك الجولة؟ لا أعتقد ذلك. الانتخابات المقبلة تعد مسألة حياة أو موت بالنسبة له. وسيفوز بها بكل الطرق الشرعية وغير الشرعية."

وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، شرعت الحكومة في عمليات تطهير واسعة ومستمرة للجهاز البيروقراطي في البلاد، وكان وقع هذه العمليات شديدا على النظام الانتخابي. إذ أدت إلى تسريع وتيرة عملية طويلة الأمد من حزب العدالة والتنمية تهدف إلى زرع مؤيدي الحزب في الجهاز البيروقراطي، وقد تأثر بهذه العملية تحديدا الجهاز القضائي الذي يشغل أعضاؤه مناصب رئيسية في مجلس الانتخابات التركي.

وأشار تقرير منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى أنه تم استبدال ثلاثة من أعضاء المجلس الأعلى للانتخابات و221 من رؤساء المجالس الانتخابية من المستوى الأدنى بعد أن عُزلوا من مناصبهم كقضاة عقب الانقلاب الفاشل.

وفي المراسيم الرئاسية التي صدرت بعد محاولة الانقلاب، تم فصل تسعة من رؤساء مجالس الانتخابات في المقاطعات من مجموع 81، وألقي القبض على اثنين منهم، كما أقيل 143 من المشرفين التابعين للمجلس الأعلى للانتخابات من أصل 1080 وتم وضع 67 منهم قيد الاحتجاز، في حين ألقت الشرطة القبض على أكثر من 500 من موظفي المجلس الانتخابي على جميع مستويات الإدارة.

يقول غولاى إن عمليات التطهير تلك تهدد مبدأ استقلال المؤسسات، بما فى ذلك المجلس الأعلى للانتخابات ذاته، حيث تعطي هذه الإجراءات "إشارة للبقية أنه إذا لم تتعاونوا معنا، فلن توجد قواعد لحمايتك. وبالتالي، لماذا سيتصرف عضو في المجلس الأعلى للانتخابات بشكل مستقل؟ لا اعتقد أنهم يستطيعون ذلك في ظل الظروف الحالية".

كما أنه من المرجح أن تتم التعيينات الحكومية لمشرفي مراكز الاقتراع بناء على الانتماءات الحزبية، حيث يقول غولاي إن إردوغان "يريد أن تتعاظم سلطته الشخصية لذلك فإن الناس الذين لا يتعاطفون معه أو الأشخاص الذين لا يحبهم حقا لن يحصلوا على هذه الترشيحات".

وأضاف غولاي أن من التبعات المثيرة للقلق للاستفتاء هو أنه ربما للمرة الأولى فى تركيا منذ أول انتخابات حرة فى عام 1950 ينظر قطاع كبير من السكان إلى تصويت وطني باعتباره مشكوكا في شرعيته.

وأوضح "الكثير من الأشخاص يعتقدون أن ما يجري غير عادل وأن مستقبلهم سُرق منهم. فكيف يتوقع إردوغان وزمرته أن يستمرا في السلطة على المدى الطويل ما لم يقنع هؤلاء الناس بالعكس؟"

لكن إيسنستات يرى أن معظم الاشخاص الذين يعارضون إردوغان لم يكونوا مؤيدين للانقلاب ويرغبون في رحيل الرئيس بالوسائل الديمقراطية، لذلك تبقى الانتخابات الشرعية أملهم الأخير.

ويقول "قد لا يحبون إردوغان، لكنهم يعتقدون أنه يمكن وينبغي خلعه عن طريق الانتخابات، وإذا لم يعودوا يعتقدون أن ذلك ممكنا، لن يكون لديهم المزيد من الخيارات. وإما سيلجأون للفرار إلى الخارج أو سيقبلون هيمنة إردوغان الدائمة أو سيسعون للتعبير عن معارضتهم خارج نطاق الانتخابات."

فيما يقول هوفمان إن أنصار إردوغان يؤيدون الديمقراطية أيضا، وإذا اعتقدوا أن الانتخابات شابها التزوير، فإن ذلك سيقلل من شعبيته.

وأضاف "على الصعيد المحلي، فإن خطاب إردوغان - وخاصة بعد 15 يوليو – يستند إلى التعهد بتعزيز الديمقراطية وإرادة الشعب التي يقول إنه يحميها ويأتمر بأمرها. وهو ما يتوافق مع إرادة أغلبية كبيرة من ناخبي حزب العدالة والتنمية الذين يدعمون الديمقراطية حسبما كشف استطلاع حديث للرأي، لكنهم يرون أن إجراءات إردوغان تهدف إلى حماية الديمقراطية وليس تقويضها."

وتابع قائلا "حتى وإن ظهرت أدلة موثوقة على وجود تزوير حقيقي في الانتخابات، فإنه من المرجح أن معظم الناخبين من حزب العدالة والتنمية سيرفضوها باعتبارها "أخبار زائفة" وسيصدقون ما يقوله إردوغان. لكن ربما يقلل هذا من الدعم حول الهوامش.. وإردوغان وحزب العدالة والتنمية يفوزان مؤخرا بهوامش ضئيلة".

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: