Yavuz Baydar
مارس 26 2018

تركيا: هل ستدرك المعارضة أهمية بيع مجموعة دوغان الإعلامية؟

يطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لنفسه العنان، بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ليمضي بسرعة قصوى في توجيه دفة البلاد صوب الوجهة التي يريدها، وذلك مع تشديد قبضته على الإعلام وكلّ ما تبقى من الصحافة المستقلة في تركيا.
بيعت دوغان، أكبر مجموعة إعلامية في البلاد، إلى شركة ديميرورين الموالية لأردوغان. ومثلت صفقة البيع التي بلغت قيمتها 1.1 مليار دولار نهاية لحقبة، فقد كانت دوغان تميل إلى الرقابة الذاتية في السنوات الخمس الماضية لكنها ظلت انعكاسا لتنوع الآراء الهش في تركيا.
وتعني عملية البيع هذه كتابة شهادة وفاة التعددية في إعلام الاتجاه العام التركي، وهو ما يعطي الحكومة سيطرة كاملة على الإعلام قبيل الانتخابات العامة التي ستجرى العام المقبل.
وكما يقول إيرول أونديروغلو ممثل منظمة مراسلون بلا حدود المدافعة عن حرية الإعلام فإنه "في ظل حملة غير مسبوقة ضد المجتمع المدني والمعارضة السياسية، لم يتبق سوى عدد قليل من الصحف المحدودة الانتشار يوفر بديلا عن الدعاية الحكومية".
ولدى دوغان عدد كبير من منافذ النشر والبث، وقد منحتها صحفها وقنواتها التلفزيونية ودورياتها ووكالة الأنباء التابعة لها سيطرة على نحو 30 بالمئة من قطاع الإعلام التركي. واستنادا إلى حجم توزيع منشوراتها المطبوعة وتصنيفات شبكاتها التلفزيونية وكم الإعلانات التي اجتذبتها، فإن بيع دوغان يعني أن 92 بالمئة على الأقل من الإعلام التركي بات تحت السيطرة المباشرة للقصر الرئاسي. وكل ما تبقى هو مجموعة صغيرة من الصحف اليومية وقناة صغيرة معارضة وعدد قليل من المواقع الإلكترونية التي تواجه صعوبات كبيرة في توفير التمويل اللازم لتغطية أوضاعها المالية.
وبعيدا عن ولائها لأردوغان، فإن عائلة ديميرورين صاحبة أنشطة الأعمال معروفة بأنها من أشد معارضي الصحافة المستقلة. وعندما اشترى آل ديميرورين صحيفتي يسار الوسط "ملليت" و"وطن" – وكلاهما إصدار يومي يحظى بالاحترام – انطلقت عمليات فصل من العمل بالجملة وتغييرات في الإدارة ووُضع كل إمعة في منصب محرر.
وهناك مخاوف من أن مجموعة دوغان الإعلامية باتت على وشك أن تعاني المصير ذاته. وقال زملاء لي كنت قد تحدثت إليهم إنهم يتوقعون الأسوأ. وبالنظر إلى عدد الأشخاص الذين يعملون لدى المجموعة، يبدو أن اضطرابات ضخمة في الصحافة التركية باتت وشيكة.
ويتشكك قليلون في أن بيع مجموعة دوغان كان تحركا سياسيا كبيرا من جانب أردوغان وأن ذلك التحرك يهدف إلى ضمان تحقيق الفوز في انتخابات عام 2019، إذ يأمل أن يمهد هذا الطريق أمام "رئاسة سوبر" تدوم أبد الدهر ولا تسمح بفصل السلطات في غياب لسيادة القانون.
منذ أن أُغلقت وكالة جيهان للأنباء في عام 2016 بسبب اتهامات بارتباطها بحركة غولن، ظلت وكالة دوغان للأنباء المنافس الوحيد القوي من القطاع الخاص في مواجهة وكالة الأناضول الرسمية للأنباء. كانت وكالة دوغان بالغة الأهمية كما كانت جيهان فيما يتعلق بنشر أنباء فرز الأصوات في أنحاء البلاد على نحو مستقل.
أما الآن فقد باتت الضبابية تحيط بوكالة دوغان، فقد يغلقها مالكوها الجدد أو – في أفضل تقدير – يقلصون حجمها بشكل كبير. ومن المحتمل أن تُترك وكالة دوغان للأنباء المملوكة لمجموعة ديميرورين للمحررين الموالين للنظام. 
ثم إن هناك شبكة توزيع الصحف في أنحاء البلاد. فشبكة ياي-سات لتوزيع الصحف هي وحدة تابعة لمجموعة دوغان الإعلامية، لكنها أيضا قد تُغلَق أو تندمج مع منافستها الموالية للحكومة شبكة تُرْكفَاز للتوزيع. لقد كانت ياي-سات شريان حياة للصحف العلمانية واليسارية وتلك الموالية للأكراد التي ترغب في انتقاد الإدارة. ومن شأن بيع مجموعة دوغان الإعلامية مضاعفة المخاطر المحدقة بنشر الوعي بين القراء عبر تلك النوافذ الإعلامية.
ويأتي خروج دوغان من حظيرة الإعلام إلى جانب تطور آخر مهم على الساحة الرقمية. فبعد ساعات من صدور نبأ بيع المجموعة، أقر البرلمان التركي قانونا يضع المنصات الرقمية مثل نتفليكس وشبكات الإعلام الاجتماعي مثل يوتيوب وتويتر تحت رحمة المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون المعنِي بمراقبة وسائل الإعلام في الدولة.
ويُحكم حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان وحزب الحركة القومية قبضتهما على المجلس المعروف بسمعته السيئة من حيث فرض عقوبات بالغة القسوة أو حظر بث المواد التي تنحرف عن الخط الذي ترسمه الحكومة في المجال السياسي. ويوجب القانون الجديد على مقدمي المحتوي الصوتي أو المصور عبر الإنترنت التقدم للحصول على رخصة أو الوقوع تحت طائلة الحظر.
والتداعيات كثيرة كما أوضح غارو بايلان عضو البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد "ليس فقط على الساسة ولكن أيضا على كل شخص يحاول التعبير عن نفسه على وسائل التواصل الاجتماعي في هذه الأيام. حتى هذه المساحة الصغيرة، اعتبرها النظام كبيرة جداً. فإذا كان لي أن أبث مادة هنا وأكتب عبارة ’بايلان تي.في‘ في الزاوية، سيكون علي أن أتوجه إلى واحدة من المنصات المعروفة للحصول على رخصة".
أضاف بايلان "إذا أصبحنا غداً بلداً يحظر فيه نتفليكس ويوتيوب فسيصبح هذا البلد في زمرة بلدان من أمثال كوريا الشمالية".
ومما لا يحتمل الكثير من الشك أن تركيا باتت اليوم في حقبة جديدة يواجه فيها الإعلام الحر خطر التلاشي.
والسؤال هنا هو: هل ستدرك أحزاب المعارضة المغيبة أهمية التطورات التي حدثت في الآونة الأخيرة؟ وهل ستفهم إلى أي مدى تعيق تلك التطورات فرصها في الوصول إلى جمهور الناخبين؟ الكثير من ذلك يعتمد على ما إن كانت المعارضة ستقود مقاطعة لوسائل الإعلام الموالية للحكومة، وتقدم جبهة موحدة ضد نظام تتزايد النظرة إليه على أنه يقف بقوة ضد حرية التعبير، أم لا؟


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: