كرم سعيد
يناير 10 2018

تركيا وألمانيا.. تقارب مسكون بهواجس الجهاديين

في محاولة لتبديد ما ذكره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بخصوص اتهام ألمانيا بالنازية، ووصفه برلين بأنها أصبحت ملآذا للإرهابيين، سعى وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عشية لقاء نظيره الألماني زيغمار غابرييل في  برلين 6 يناير الجاري إلى تهدئة الأزمة والاتفاق على انعاش الحوار الإستراتيجي بينهما.
الظاهر أن الزيارة تشكل نقلة نوعية إلى مستوى أفضل لبحث العلاقات الثنائية بين البلدين العضوين في حلف "الناتو"، وتنطوي على أهمية سياسية كبيرة لإمكانية تطوير العلاقات التي شهدت توترا حادا مؤخرا، كما هدفت تركيا من خلالها إلى فتح نافذة في الطرق المغلقة أمام عضويتها في الاتحاد الأوروبي.
لكن كل ذلك يصطدم بكثير من الملفات العالقة بين البلدين، أبرزها استمرار الانتقادات الألمانية للسياسات التركية في الداخل، ورفض النهج العقابي، وتوغل السلطة التنفيذية في تركيا، عشية الانقلاب الفاشل في يوليو 2016، الذي اعتبره أردوغان "هدية من الله" وفشله "نصر للمؤمنين".
السلوك التركي الخشن، والسعي إلى تفصيل المشهد السياسي على مقاس طموحات الرئيس أردوغان، دفع الحكومة الألمانية إلي التخلي عن نهج الاعتدال الذي مارسته معه، وحذرت مواطنيها من السفر إلى تركيا للسياحة والاقتصاديين من الاستثمار.
تصاعد غضب برلين من تركيا، بسبب اعتقال صحافيين وعاملين ألمان من أصل تركي في مجال حقوق الإنسان، فضلا عن إدراج تركيا 680 شركة ألمانية على لائحة أصدرتها خاصة بداعمي الإرهاب، وهناك سبعة من مواطني ألمانيا، من أصول تركية، معتقلين في أنقرة، بينهم مراسل جريدة "دي فيلت" الألمانية دنيس يوغل.
ترفض ألمانيا إعادة عسكريين ومدنيين أتراك متهمين في جرائم إلى أنقرة لعدم كفاية الأدلة، ووجهت السلطات التركية تهما لهم تتعلق بالمشاركة في محاولة الانقلاب الفاشلة، ما يمكن أن يجدد التوتر في العلاقات بين البلدين التي تسير وسط مجموعة من الألغام السياسية.
الملف الأهم في فضاء العلاقات بين الجانبين، يتعلق بعدم قناعة ألمانيا بدعاوي تركية تؤكد عدم وجود علاقة بين أنقرة والجماعات الراديكالية المنتشرة في سوريا والعراق، أو على الأقل فك الارتباط معها.
وكشف عن ذلك تقرير بثته قناة ARD الألمانية، في 6 يناير الجاري، أكد وجود معسكر لتنظيم "داعش" الإرهابي في مدينة غازي عنتاب جنوبي تركيا لتدريب الإرهابيين ونقلهم لاحقاً إلى سوريا والعراق للقتال.
أوضح التقرير التلفزيوني المشار إليه، أن تركيا أكبر سوق لـ "داعش" يعتمد على تهريب المواد المختلفة، على الرغم من انكار الحكومة وحزب العدالة والتنمية لهذا النوع من الاتهامات.
بحسب بعض وسائل الإعلام في ألمانيا، هناك مواقع ثلاثة تحتوي معسكرات التدريب والتجنيد للجهاديين في تركيا، الأول في مدينة "كرمان" التي تقع وسط الأناضول وبالقرب من اسطنبول، والثاني في مدينة "أوزمانيا" الإستراتيجية على البحر المتوسط، بينما يقع الثالث في مدينة "سان ليلورفا أورفا" في جنوب غرب تركيا.
المثير أن التأكيدات السابقة جاءت بعد أيام قليلة من كشف القناة الألمانية الأولى امتلاك تنظيم داعش لمكتب يديره أتراك لتنظيم سياحة الشباب الأوروبي في سوريا والعراق مروراً بتركيا.
الأرجح أن رفض الحكومة الألمانية لغالبية التوجهات السياسية التركية، وارتباط أنقرة بالجماعات الراديكالية، أدى إلى تراجع الصورة الذهنية لأنقرة في الفضاء الأوروبي عموما، وهو ما بدا في فشل أردوغان عشية زيارته لباريس في إقناع الرئيس الفرنسي ماكرون بأهمية عضوية بلاده في الاتحاد الأوروبي.
دبلوماسية الشاي ونقاش أوغلو- غابرييل أمام العدسات، تبدو كأنها خرجت من إطار القوالب التقليدية، فقد دعا وزير الخارجية الألماني نظيره التركي إلى إعادة مراجعة ملف حقوق الإنسان، وإفساح المجال أمام الحريات والإفراج عن الصحافيين الأتراك.
في هذا السياق، فإن دبلوماسية الشاي أو سياسية العلاقة الشخصية التي يؤسس لها أوغلو- غابرييل، يمكن أن تسهم في حدوث هدوء نسبي أو تحقيق نقلة بطيئة في العلاقة الراكدة بين البلدين.
 لكن ليس من المتوقع استعادة الدفء الكامل بين تركيا وألمانيا، أو بين أنقرة والمحيط الأوروبي، وسط استمرار القناعات الغربية، بأن ثمة علاقة من وراء ستار بين تركيا والجماعات الجهادية في كل من سوريا والعراق، وأن تركيا تؤسس مشاريعها في الإقليم على أساس التعاون مع كيانات إرهابية.
رغم محاولات تركيا دحض الاتهامات التي تلاحقها بشأن العلاقة مع جماعات راديكالية، والتوجه نحو بناء اتفاقيات أمنية لمنع عودة المقاتلين الأجانب إلى أوطانهم، إلا أن الوقائع على الأرض  كشفت أن هناك توجها لدى أنقرة لتوظيف هؤلاء لصالحها، سواء في علاقتها مع أوروبا أو طموحاتها الإقليمية، او ضمن حساباتها الأيدويولوجية.
في المقابل، ما زالت ألمانيا ترفض سلوك أردوغان بشأن أدلجة كل تباين مع أوروبا، خصوصاً أنه نجح في توظيف خلافه حول ملف الهجرة والتعديلات الدستورية وتحويل ذلك إلى فرصة لاستمالة مشاعر الجمهور ودغدغة مشاعره القومية والدينية.
يعتبر أردوغان الرفض الأوروبي، خاصة الألماني، للإجراءات القمعية واتهام بلاده ببناء تحالفات أيديولوجية مع جماعات راديكالية، بمثابة "عداء للإسلام وتكريس لظاهرة الإسلاموفوبيا"، ويكشف الوجه الحقيقي لأوروبا، التي وصفها بالنازية والفاشية والرجل المريض فضلا عن العداء للأتراك أنفسهم.
وما زال الاتحاد الأوروبي متردداً في تحديث اتفاق الوحدة الجمركية الموقع مع تركيا في ديسمبر 1995 لدعم الروابط التجارية والاقتصادية، كما أن ألمانيا وهي الشريك التجاري الأول لتركيا في الاتحاد الأوروبي، قلقة من تراجع الأوضاع السياسية في تركيا.
كما أن الملف الخاص باتهام ألمانيا لأنقرة بالتجسس على منتمين لحركة "خدمة"، ما زال مفتوحا، وهو ما يعزز نزعة أوروبا السلبية حيال أردوغان ويؤكد أنه يسعى إلى استخدام الأتراك المقيمين في أوروبا كسلاح سياسي واستخباراتي ضد أمن دولها القومي.
ستظل مسألة التعاون بين تركيا وجماعات تمارس العنف والإرهاب، واحدة من الإشكاليات التي يلفها الالتباس، وقد تقف حائلا أمام تطوير علاقة أنقرة بكثير من دول الاتحاد الأوروبي، لأن أردوغان يحاول الاستفادة من هذه الورقة لتحقيق أهداف سياسية تتعلق بتوجهات حزب العدالة والتنمية الإسلامية، وليس لتوسيع دائرة المصالح المشتركة، وهو الانحراف الذي يمكن أن يؤدي لمزيد من الخلافات.