تركيا وأميركا: ترامب صار أقوى في القضايا الخارجية بعد الانتخابات

كيف ستتأثر علاقات الولايات المتحدة بتركيا في ظل الأغلبية التي بات يتمتع بها الحزب الديمقراطي في مجلس النواب ومع تعزيز الحزب الجمهوري لأغلبيته في مجلس الشيوخ؟

في البداية، علينا أن نتذكر أن اللاعب الأساسي للسياسة الخارجية الأميركية لا يزال هو الرئيس دونالد ترامب.

وبالتالي، لا نتوقع أي تغيير في عبارة "أميركا أولا" والسياسة التي ترتبط بها بالإضافة لطريقته التي تطغى عليها سماته الشخصية. 

بالإضافة إلى هذا، لا تتوفر أي مؤشرات على أن ترامب سيسعى لتغيير وزير الخارجية أو مستشار الأمن القومي، بينما تدور شائعات عن احتمال تغيير وزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس.

ثانيا، تجدر الإشارة إلى أن مجلس الشيوخ، وليس مجلس النواب، هو الذي يلعب الدور الأكبر في الكونغرس في تشكيل السياسة الخارجية للولايات المتحدة والتأثير عليها.

وبالنظر لأن الدعم الذي يقدمه ترامب كان محوريا في تعزيز الحزب الجمهوري لأغلبيته في مجلس الشيوخ، فإن الأرجح أن يحظى الرئيس بمهمة سهلة في إقناع مجلس الشيوخ بالسير وفقا للطريقة التي يوجهها هو نفسه فيما يتصل بمجموعة كبيرة من القضايا الخارجية، وبالموافقة على تعيين السفراء، وبينها مناطق محورية مثل أنقرة.

ثالثا، يمكن لمجلس النواب أن يزيد الأمر صعوبة بالنسبة لترامب وجدول أعماله بعقد جلسات استماع بل والسير باتجاه توبيخه.

غير أن أي تحقيقات هدفها توبيخ الرئيس ستكون مضيعة هائلة للوقت بلا أي أفق للنجاح، فالقانون ينص على ضرورة أن يصوت مجلس الشيوخ بأغلبية الثلثين على الأقل لعزل رئيس تعرض للتوبيخ في مجلس النواب.

وبالنظر لأن هذا لم يحدث أبدا، وبالنظر أيضا لنجاح الحزب الجمهوري في تعزيز أغلبيته في مجلس الشيوخ، لا يبدو من المرجح أن يحدث هذا الآن وهو أمر لم ينجح فيه معارضو ترامب على مدى العامين الماضيين.

وسيكون على الديمقراطيين في مجلس النواب تحديد ما إن كانوا سيواصلون أجندة عمل سياسية مع الرئيس أم سيعمدون إلى مهاجمته في كل فرصة متاحة.

ما الذي يمكننا أن نتوقعه إذاً بالنظر للظروف التي سردناها في السطور السابقة؟

لا أتوقع أن ننتظر كثيرا قبل أن يخرج علينا ترامب بتغريدة على تويتر يعترض فيها على بيانات أغضبته من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ومع وضع هذا في الاعتبار، سنجد أن ترامب ينجح في الحصول على أكثر ما يلائم أجندته الشخصية، ومنها على سبيل المثال قرار تركيا بإطلاق سراح القس الإنجيلي الأميركي أندرو برانسون وإحجامها عن الكشف عن أي دليل يدين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أو يشير لتورطه في مقتل الصحفي جمال خاشقجي، بالإضافة إلى أجندته الشخصية في السياسة الخارجية كخفض صادرات النفط الإيرانية على سبيل المثال.

كما أن رده، إن صدر عنه أي رد، على الإعلان الذي أصدره أردوغان قبل فترة ووصف فيه العقوبات التي أعادت الولايات المتحدة فرضها على إيران بأنها سياسة إمبريالية سيمثل مؤشرا على نيته إن كان سيعود للتغريدات الحادة في مواجهة الخطابات الرنانة من أنقرة.

من المرجح أن يعمد ترامب لإتمام الكثير من التعيينات الحكومية البارزة التي لم يطرحها في الفترة الأخيرة لتجنب تبديد طاقة أعضاء الكونغرس في مناقشة تعيينات غير قضائية وغير دائمة.

من الضروري أن تصوت أغلبية في مجلس الشيوخ من أجل إقرار تعيينات مهمة لا يتطلب الأمر تصويت مجلس النواب عليها.

وبين هذه المناصب تعيينات السفراء التي كان يتوقع أن تستغرق مناقشات مكثفة ومضنية خلال جلسات استماع في مجلس الشيوخ بسبب العلاقات الصعبة أو المقعدة مع الدول المعنية، ومنها على سبيل المثال تركيا.

ومع تعزيز الأغلبية التي يتمتع بها الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ، والنجاح الذي تحقق في تأكيد تعيينات دائمة لاثنين من القضاة في المحكمة العليا الأميركية و89 قاضيا في محاكم جزئيا ومحاكم استئناف، فإن من المرجح أن يتعاون السيناتور ميتش مكونيل مع البيت الأبيض من أجل إتمام التعيينات المحورية في مناصب السفراء، دون النظر لأي ضجة يمكن أن تثيرها جلسات استماع أو المناقشات تتعلق بلياقة المرشحين أو كفاءتهم.

من المؤكد أن أيا من سيتم ترشيحه للعمل سفيرا في تركيا في نهاية المطاف سيكون أمره محل نقاشات في جلسات استماع متواصلة، حتى بعد أن زالت إحدى أبرز نقاط الخلاف بين البلدين الحليفين مع إطلاق سراح برانسون.

هناك أيضا قضايا بينها شراء تركيا لصواريخ (إس 400) من روسيا، والفصل في قرار بيع طائرات (إف 35) المقاتلة من الولايات المتحدة إلى تركيا، وتسليم فتح الله كولن من الولايات المتحدة إلى تركيا، والوضع في سوريا، وما يتعلق بالأكراد السوريين، والآن العقوبات التي أعيد فرضها على إيران والاكتشافات النفطية في المياه القبرصية، وغيرها، كلها أمور تؤكد أن تعيين سفير جديد للولايات المتحدة لدى تركيا سيتسبب في إطلاق عملية طويلة ومليئة بالتوتر لمناقشة الشخص المرشح.

لا يمكن للحزب الديمقراطي بعد أن تقلص أكثر عدد نوابه في مجلس الشيوخ منع إقرار أي مرشح، لكن بوسع أعضائه إجبار المرشح أو المرشحة على الإجابة عن العديد من الأسئلة، خاصة ما يتعلق منها بالمخاوف المرتبطة بأردوغان وبتصرفات تركيا، وكذلك إحراج البيت الأبيض، أو على الأقل دفعه للشعور بعدم الراحة في علاقته مع تركيا.

سيتوقع ترامب ولاء ودعما لمرشحيه من أعضاء مجلس الشيوخ المنتمين للحزب الجمهوري.

كما أن نجاح المرشح الديمقراطي جو مانتشين، وفشل آخرين، في الدفاع عن مقعده في ولاية يتمتع فيها ترامب بالكثير من التأييد هو أمر لن تغفله ولايات أخرى من الولايات المؤيدة لترامب.

غير أن البيت الأبيض يدرك أنه لا يضمن ولاء أعمى، فدعوة الإدارة الأميركية لوقف إطلاق نار في اليمن تعكس وعيها بأن كثيرا من أعضاء مجلس الشيوخ لا يشعرون بارتياح كبير للعمليات العسكرية التي تقوم بها السعودية هناك.

يمكن لتركيا أن تتوقع أن يضغط أعضاء محددون في مجلس الشيوخ على البيت الأبيض لمواجهة تركيا بشأن حصولها المقترح على الصواريخ الروسية، هذا بالإضافة إلى الروابط التي يزعم أنها تربط بينها وبين جماعات معارضة متشددة في سوريا.

سيضم مجلس الشيوخ القليل من الأصوات، وغيرها الكثير بالتوازي في مجلس النواب (رغم قلة التأثير)، تدعو تركيا لتحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان، لكن ومثلما حدث من البيت الأبيض، ستكون الانتقادات بلا ضجيج ما لم يتعلق الأمر بمواطن أميركي أو يعرض المصالح الوطنية للولايات المتحدة لتهديد أو ضرر.
(ستستمر المحاولات الهادئة للإفراج عن العالم الأميركي التركي سيركان جولج السجين في تركيا، وكذا ثلاثة موظفين أتراك من العاملين في بعثات دبلوماسية أميركية، لكن دون ضجيج مثلما حدث في قضية برانسون.)

لن يكون لانتخاب امرأتين مسلمتين لعضوية مجلس النواب تأثير مباشر على العلاقات الأميركية التركية.

إحداهما هي رشيدة طالب، وهي من أصل فلسطيني، ويمكن أن نتوقع منها محاولات تتعلق بالعلاقات الأميركية الإسرائيلية.

ستسعى طالب، إلى جانب زميلتها إلهان عمر المولودة في الصومال، لتنفيذ أجندة سياسية تنتمي لليسار تتجاوز مجرد النجاح في كسب التعاطف لصالح المسلمين خارج الولايات المتحدة من تجمعات أقلية.

وأخيرا، قد يسيء أردوغان قراءة نتائج الانتخابات ليفهمها وكأنها رفضا من قطاعات عريضة لترامب وسياساته.

سيكون هذا خطأ. فأميركا، مثل تركيا، لا تزال بلدا يسوده الانقسام بين داعم لرئيسها ومعارض له.

والنظام الانتخابي الأميركي على وجه التحديد ساهم في تشديد قبضة ترامب على السياسة الخارجية، وكل من يعتقد غير ذلك سيودي بنفسه إلى حسابات غير ضرورية ولا تتمتع بالحكمة من قبل القادة الأجانب الذين يتعاملون معه.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/turkey-us-relations-trump-strengthened-foreign-affairs-after-us-mid-terms
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.