تركيا وإزدواجية الدفاع عن القدس

لم يكن موقف تركيا الرافض لقرارات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشأن الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، يمثل استثناء في سياق موجات الرفض العالمي التي لم تقتصر على بعض دول العالم الإسلامي، وإنما شملت كذلك أغلب القوى الإقليمية والدولية.

بيد أن الموقف التركي ظل له سماته الخاصة، التي جعلت منه أقرب إلى حالات إعلان المواقف التي تستهدف توظيف القرارات الأمريكية في سياق الاهتزازات غير المسبوقة التي تشهدها روابط أنقرة مع واشنطن، بسبب الاتهامات الموجهة قضائيا إلى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، فيما يخص التورط في عمليات فساد وتحايل على العقوبات الغربية على طهران.

على الرغم من أن السلطات التركية ظلت على الدوام توظف قضايا العالمين العربي والإسلامي لتعزيز أدوارها الإقليمية، وشعبيتها الداخلية، سيما لدى القطاعات المحافظة من الشعب التركي، غير أنها في هذه الحالة ابتغت التصعيد ليس فقط تعبيرا عن معارضة القرار الأمريكي ورفض تبعاته، وإنما لتأكيد أن السياسات الأمريكية تأتي في إطار صراع غربي – إسلامي، يستهدف تركيا، وأن قضية الفساد المتهم فيها الرئيس التركي، لا تنفصل عن جملة المواقف الأمريكية المعادية، والتي يأتي في إطارها أيضا القرارات الأخيرة بشأن القدس.

في هذا السياق، بدا التصعيد التركي إعلاميا أكثر من كونه عملا سياسيا مضادا، بالنظر إلى عدد من المحركات الأساسية، من ضمنها أن تركيا لم تترجم خطابها العاطفي إلى سياسات واقعية يمكن أن تشكل إطارا لتعبئة دول العالم ضد القرارات الأمريكية، التي تستبق مفاوضات الحل النهائي في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

لم تُقدم السلطات التركية على قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، رغم التلويح بذلك. فقد قال الرئيس التركي إن أنقرة قد تقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل إذا اعترفت الولايات المتحدة رسميا بالقدس عاصمة لها، مؤكدًا أن هذا الأمر "خط أحمر". كما قال المتحدث باسم الحكومة التركية، بكر بوزداغ، إن اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل سيزجّ المنطقة والعالم في أتون حريق لا نهاية له.

بعيدا عن التصريحات التركية الحماسية، ثمة حاجة للعودة إلى ما أعلنته تركيا ذاتها في 28 أغسطس 2016، بشأن إعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل، حيث تضَّمن نصا أنه تم توقيع اتفاقا بين أنقرة و"القدس"، لحل المشاكل العالقة بين الطرفين. ولم يذكر في الاتفاق تل أبيب كعاصمة لإسرائيل، وإنما القدس، بما يعني اعتراف تركي رسمي بما تدعي رفضه أنقرة على الصعيد الإعلامي.

وجاء في بنود الاتفاق دفع إسرائيل 20 مليون دولار لأسر ضحايا سفينة مافي مرمرة. كما نص الاتفاق على عودة التنسيق الاستخباراتي والتعاون الأمني بين البلدين، واستمرار إسرائيل في صيانة الطائرات الحربية التركية، والعودة لإبرام عقود تسلح بين الجانبين. وشمل الاتفاق كذلك إعادة السفراء إلى أنقرة وتل أبيب. وقبلت تركيا بكافة الاشتراطات الإسرائيلية الخاصة بإبعاد بعض القيادات الفلسطينية من الأراضي التركية.

ولا تبدو مواقف تركيا على هذا النحو تخرج عن إطار المواقف التركية السابقة والتاريخية، الخاصة بكون أنقرة ثاني دولة إسلامية تعترف بإسرائيل في مارس 1949، بعد إيران التي اعترفت رسميا بها عام 1948. كما ينسجم ذلك مع العلاقات الاستخباراتية والعسكرية التي لم تنقطع رغم التوترات التي نتجت عن حادثة 31 مايو 2010.

يبدو من الجدير بالملاحظة في هذا الإطار أن تطور العلاقات التركية – الإسرائيلية جاء في ظل تولي قيادات ذات توجهات إسلامية. فقد وقع رئيس الوزراء الإسرائيلي، دافيد بن جوريون في عام 1958، ورئيس الوزراء التركي المحافظ، عدنان مندريس اتفاقية تعاون ضد التطرف ونفوذ الاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط.

في عهد رئيس الوزراء الأسبق، والزعيم التاريخي لتيارات الإسلام السياسي في تركيا، نجم الدين أربكان، وقع الجانبين في عام 1996، اتفاقيات تعاون عسكري، مثلت نقلة غير مسبوقة في علاقات البلدين على المستوى الاسخباراتي والأمني.

وفي عهد حزب العدالة والتنمية شهدت العلاقات تطورات ملحوظة، فيما يخص تعزيز التعاون العسكري، حيث لا تزال تشتري أنقرة من إسرائيل العديد من الأسلحة، وكذلك تقوم تل أبيب بتحديث دبابات وطائرات تركية.

على المستوى الاقتصادي تجاوز التبادل التجاري العام الماضي، نحو 4.3 مليار دولار، وتشير تقديرات إلى أنه ارتفع بنحو 13 بالمئة بحلول أكتوبر 2017. وقام الرئيس التركي فى شهر أبريل الماضي بأرسال بعثة تجارية تُعد الأكبر إلى إسرائيل، حيث عَقد نحو 100 ممثل عن شركات تركية من قطاعات أعمال مختلفة، لقاءات تجارية مع شركات إسرائيلية، بهدف ايجاد تعاون اقتصادى واسع.

هذا في حين نظم اتحاد مصدري البحر الأبيض، فعالية اليوم التركي، في القدس، بمحطة قطار خط الحجاز التاريخي، التي أسست في العهد العثماني. وشارك في الفعالية مستشار وزارة الاقتصاد التركية إبراهيم شنل، والسفير التركي لدى إسرائيل، كمال أوكم.

وتخلل الفعالية حفلات غنائية باللغات التركية والعربية والعبرية، وسط مشاركة كبيرة من الجماهير الإسرائيلية، وذلك من أجل تعزيز التطبيع الثقافي بين البلدين. ونوه السفير أوكم، بأن القدس عاصمة الأديان السماوية الثلاثة، مشيرا إلى أن تركيا واسرائيل بمثابة "شريكين طبيعيين" لكونهما بلدان قريبان من بعضهما في المنطقة.

لم تقتصر ارتدادات الموقف التركي على إطار الروابط الثنائية مع إسرائيل، وإنما أثرت سلبا على القضية الفلسطينية. فقد اضطلعت أنقرة بأدوار عززت النزعة الراديكالية في قطاع غزة، كما تبنت مقاربات بالتنسيق مع قطر تستهدف توسيع خيارات حركة حماس أمام حركة "فتح"، على نحو أضعف الوحدة الفلسطينية، وعطل الجهود المصرية والعربية لتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية.

تجسد ذلك مؤخرا في مواقف حركة حماس، ورئيس مكتبها السياسي، إسماعيل هنية، الذي اتصل بالرئيس التركي ليشير بعد ذلك إلى أن "قضية القدس تشكل عنصر إجماع واهتمام لدى الأمة خاصة الرئيس أردوغان، لما يملك من مكانة دولية وإقليمية". وأوضح بيان صادر عن مكتبه، أن الرئيس التركي أبلغ هنية أنه سيدعو إلى "قمة إسلامية لبحث هذا الأمر"، وثمن هنية، خلال البيان، الخطوات التي يعتزم الرئيس التركي القيام بها.

وفيما تشير وسائل الإعلام التركية إلى أن أنقرة تعد "الخصم الإقليمي" لإسرائيل، فإن حقيقة المواقف التركية تشير إلى ما يناقض ذلك. وأشار وزير الخارجية التركي، جاويش أوغلو، على هامش المشاركة باجتماعات التحالف الدولي للحرب على داعش، أن بلاده تمارس ضغوطا على حركه حماس من أجل انً تلقي السلاح وتعترف بإسرائيل.

يتضح من ذلك، أن تركيا لا تختلف عن إيران، التي توظف القضية الفلسطينية لتعزيز أدوارها الإقليمية على حساب الدول العربية، وفيما أسست طهران ما يعرف بـ"فيلق القدس" ليس من أجل مجابهة إسرائيل، وإنما للتدخل في شئون الدول العربية.

فإن تركيا بدورها عملت على توظيف خطابها السياسي، وعلاقاتها مع الجماعات الراديكالية، ليس انتصارا لفلسطين، وقضيتها العادلة، بل امتلاكا لأوراق تستهدف منها تعزيز أدوارها الإقليمية والدولية، بما يثبت أن أنقرة لا تختلف عن طهران. فالدولتان يتبعان ذات الإستراتيجية. وتبدو العبارة الحاضرة في هذا الإطار ما أشارت إليه مصادر إسرائيلية بحسابنه مقولة تاريخية لاسحق رابين، حينما وصف تركيا بـ "الدولة التي تفضل الزواج السري من إسرائيل عن العلاقة العلنية".