ديميتار بيشيف
فبراير 09 2018

تركيا وإيران وروسيا.. الوعد الكاذب بعدم التصعيد في سوريا

مع مضي قوات الحكومة السورية وداعميها الروس والإيرانيين قدما في هجماتهم الشاملة على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة في إدلب وحماة والغوطة الشرقية، قال خبير لدى منظمة هيومن رايتس ووتش "إذا كان هذا هو عدم التصعيد، فسأكره تصور ما يعنيه التصعيد".
وترد تقارير يومية عن قتلى وجرحى مدنيين. فقد قتل ما لا يقل عن 200 في منطقة إدلب منذ بدء الهجوم في أواخر ديسمبر. واتهمت نيكي هيلي سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة الحكومة بتنفيذ هجمات بغاز الكلور. وهذه المناطق كثيفة السكان. كان مئات الآلاف من الأشخاص قد لجأوا إلى إدلب بعد موجات سابقة من المعارك في مناطق أخرى من سوريا. ويقطن 400 ألف شخص في ضاحية الغوطة الشرقية بدمشق وتلوح في الأفق كارثة إنسانية هناك. 
وكشف الهجوم العسكري مدى انعدام الثقة بعملية آستانة للسلام التي تقودها روسيا بالتعاون مع تركيا وايران. فقد أجريت عدة جولات من المفاوضات الرامية لكبح العمليات القتالية وتمهيد الطريق أمام تسوية سياسية، غير أنها لم تسفر عن شيء. وتوجد تساؤلات جادة عما إذا كانت روسيا وإيران وتركيا، القوى الثلاث الراعية لمحادثات آستانة، قد سعت حقا لتحقيق تقدم من خلال المحادثات، أم أنها استغلت تلك المفاوضات كستار بينما تسعى لتحقيق أهدافها الخاصة في سوريا.
والرد سهل نسبيا على السؤال فيما يتعلق بإيران. فلا يوجد مبرر يذكر للاعتقاد بأن طهران، وعلى نفس منوال وكيلها الرئيس السوري بشار الأسد، قد تعاملت في أي وقت مع عدم التصعيد على أنه يمثل أي شيء سوى مجرد حيلة لإتاحة قوات لاسخدامها في الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية واستعادة مناطق من شرق سوريا.
والآن يتحول الانتباه إلى الغرب، ويشمل ذلك مناطق تحت سيطرة هيئة تحرير الشام فرع تنظيم القاعدة. فالحكومة وحلفاؤها المدعومون من إيران يسعون لانتزاع أكبر مساحة ممكنة من الأراضي دون أن يصل الأمر إلى اشتباك مع الولايات المتحدة أو تركيا.
وموقف روسيا أكثر تعقيدا. فمن ناحية، تتصدر موسكو عملية آستانة بل وترعى العمل من أجل دستور جديد يقوم على تقاسم السلطة بين الأسد وخصومه. واتفاقات عدم التصعيد لها أهمية محورية في الاستراتيجية الروسية. وعلى الجانب الآخر، تتقدم القوة الجوية الروسية هجمات الحكومة. وزادت الضربات الجوية بشكل كثيف في أعقاب إسقاط المعارضة المسلحة في محافظة إدلب طائرة روسية الأسبوع الماضي. ويبدو أن روسيا تتفق في الرأي مع الحكومة السورية وتلقي بثقلها وراء جهود استعادة إدلب، آخر مركز حضري كبير تحت سيطرة المعارضة المناهضة للأسد.
ويوجد تفسير آخر أقل وطأة، وهو أن الروس يمسكون العصا من أجل حمل المعارضة على الجلوس إلى مائدة التفاوض وإجبارهم على إبداء المزيد من المرونة. فمؤتمر الحوار الوطني السوري الذي جرى الترويج له كثيرا، وعقد في سوتشي في 30 من يناير انتهى به المطاف إلى فشل ذريع. فقد قاطع كثير من الفصائل المؤتمر. ومن بين تلك الفصائل جيش النصر وهو الجماعة المسلحة التابعة للجيش السوري الحر التي أسقطت الطائرة الحربية الروسية. وهناك احتمال كبير بأن صناع السياسة في موسكو لم يتخلوا تماما عن خططهم للتوصل إلى اتفاق سياسي واسع مع ما يتبقى من المعارضة المسلحة.
غير أنه، في هذه المرحلة، تزداد صعوبة أن تنأى روسيا بنفسها عن إيران والأسد. ويبدو أن تأثير الروس محدود على تصرفات شركائهم باستثناء فيما يتعلق بالقرارات التكتيكية المحضة. فهي لا يمكنها كبح قوات الأسد، ناهيك عن وكلاء إيران وسوف تظل معهم حتى النهاية المرة. وفي نوفمبر، طمأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مواطنيه والعالم بأن العمليات العسكرية الروسية تقترب من النهاية. لكن برغم ذلك يبدو أن الطائرات الروسية لن تغادر سوريا قريبا.
ووضع تركيا أكثر دقة. فبعد كل شيء، من يتم سحقهم هم حلفاؤها. غير أن أنقرة مدينة لموسكو بمنحها الضوء الأخضر لتنفيذ عمليتها في عفرين ويدها مغلولة. وتتصرف تركيا بشكل تصالحي، فهي على سبيل المثال تساعد في إعادة رفات الطيار الروسي الذي أسقطت طائرته وتعرب عن تقديرها لفكرة عدم التصعيد.    
وما نشهده هو، بالضرورة، تكرار لعمليات (درع الفرات) التي نفذتها تركيا بين أغسطس 2016 ومارس 2017. ففي ذلك الحين قايضت تركيا شرق حلب بموافقة روسيا على التوغل في سوريا من أجل وقف زحف القوات الكردية غربا. وبخلاف ذلك فقد شملت الصفقة بعد ذلك الاعتراف بنفوذ تركيا على إدلب التي انتقل إليها مسلحون ومدنيون من حلب قبل تسليمها للأسد. وكان إقامة نقاط المراقبة العسكرية التركية في شمال إدلب، على أطراف عفرين، في يناير خطوة أخرى في نفس الاتجاه. غير أن أنقرة قد تحصل في هذه المرة على صفقة أسوأ.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: