ilhan Tanir
فبراير 15 2018

تركيا.. واشنطن تنظر للأكراد من زاوية إقليمية

من وجهة نظر تركيا، فإن المشهد يبدو كما لو أن الولايات المتحدة اختارت ملايين قلائل من الأكراد السوريين لا دولة مستقلة لهم وفضلتهم على شراكتها الممتدة لسبعين عاما في حلف شمال الأطلسي مع تركيا.
لكن من وجهة نظر واشنطن، فإن التحالف الأميركي مع أكراد سوريا لا يتعلق بالعلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا بل هو لبنة مهمة في بناء مستقبل أميركا في الشرق الأوسط.
وواشنطن غاضبة من أن أنقرة، التي كانت من المتوقع أن تبقى بقوة في معسكر حلف شمال الأطلسي، رفضت العمل إلى جانب الولايات المتحدة في المعركة القادمة ضد ما يرى مسؤولون أميركيون أنه خصمهم المشترك، إيران.
بيد أن أنقرة، التي لا ترى مصالحها في هذه المنافسة الإقليمية، منخرطة في لعبة خطيرة في إطار سياسة حافة الهاوية مع الولايات المتحدة. ولا يبدو أن هذا الوضع سيصل إلى حل في أي وقت قريب.
ومن المقرر أن يقوم وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بزيارة إلى تركيا يوم الجمعة. وكان البنتاجون أعلن يوم الاثنين موازنته التي شملت 550 مليون دولار لدعم قوات سوريا الديمقراطية، وهي مجموعة تهيمن عليها وحدات حماية الشعب الكردية. ووفقا لأنقرة، فإن قوات حماية الشعب الكردية جزء من حزب العمال الكردستاني الذي ظل يقاتل داخل تركيا لأكثر من 30 عاما.
ومن بين الأموال التي جرى تخصيصها لقوات سوريا الديمقراطية، تم توجيه 200 مليون دولار لتأسيس وتدريب قوات أمنية حدودية جديدة على الرغم من أن تيلرسون كان قد قال لتوه الشهر الماضي إنه لا عمل يجري بشأن قوة حدودية من مثل هذا النوع.
وبقرار الميزانية هذا، أكدت الولايات المتحدة التزامها الطويل الأجل تجاه الأكراد السوريين. ووفقا للصحفي عبد الله حافظ المقيم في لندن، وهو خبير في القضايا الكردية، فإن الولايات المتحدة كانت تريد العمل مع تركيا ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا لكنها لم تجد فيها الشريك الراغب في ذلك.
يقول حافظ إن تركيا كانت بدلا من ذلك ترى في تنظيم الدولة الإسلامية أداة لسحق التطلعات الكردية ومن ثم ولت الولايات المتحدة وجهتها شطر الأكراد، وهي تشعر الآن بأن عليها التزاما أخلاقيا بالاستمرار في دعمهم.
وبداية، فإن القادة الأميركيين وضعوا خطا أحمر في المنطقة السورية الخاضعة لسيطرة الأكراد في منبج الأسبوع الماضي عندما أعلنوا أنهم لن يبرحوها.
وقال الميجر جنرال جيمي جاراد، قائد العمليات الخاصة التي تقودها الولايات المتحدة في العراق وسوريا "نحن فخورون جدا بمواقعنا هنا، ونريد أن نتأكد من أن الجميع يعرف هذا".
وقال الجنرال بول فونك "إذا ضربتمونا سنرد بعنف. سندافع عن أنفسنا".
فضلا عن ذلك، فإن الولايات المتحدة بهذه الميزانية تكون قد أعلنت إلى أي مدى ستواصل دعمها للأكراد في سوريا.
إذا، لماذا لا تتخلى الولايات المتحدة عن الأكراد؟
يجيب على هذا السؤال وبوضوح شديد تقرير نشره في نوفمبر المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي الأميركي (جينسا).
ويرأس قوة مهام التقرير كل من السفير الأميركي السابق لدى تركيا إيريك إيدلمان والجنرال المتقاعد من القوات الجوية تشارلز والد، وهو خبير بمركز (بايبارتيزان بوليسي)، إلى جانب خبراء بارزين آخرين في قوة المهام.
وجينسا معهد مهم معروف بثقله ونفوذه في واشنطن وبخاصة لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وينصح التقرير المؤلف من 15 صفحة بعنوان "مجابهة التوسع الإيراني في سوريا" الإدارة الأميركية وبشدة بدعم الأكراد في سوريا بهدف تقويض النفوذ الإيراني.
وتلخص افتتاحية التقرير الجامعة في فقرتين الرأي بشأن السياسة في سوريا:


"خطاب الرئيس ترامب الشهر الماضي حول السياسة بشأن إيران أكد على نحو صحيح أن خطة العمل الشاملة المشتركة غير مقبولة وأن هناك حاجة لاستراتيجية شاملة لمواجهة العدوان الإيراني الإقليمي المتنامي. وبدلا من اتخاذ قرار بالتخلي عن الاتفاق النووي من عدمه، يجب على صناع السياسات الأميركيين التركيز أولا على إعادة بناء مراكز قوة من خلال مجابهة النفوذ الإيراني المتزايد في أنحاء الشرق الأوسط."


"والأمر الأكثر إلحاحا، والذي يتسق مع نوايا الإدارة المعلنة والمتمثلة في التصدي للسلوك الإيراني الضار في المنطقة بأسرها، هو ضرورة أن تضع الولايات المتحدة عقبات حقيقية أمام سعي طهران إلى تحقيق الانتصار الكامل لنظام الأسد في سوريا. وللوقت أهمية بالغة في هذا الأمر حيث استعادت القوات المدعومة من إيران في الآونة الأخيرة السيطرة على جميع أنحاء البلاد تقريبا باستثناء الأراضي التي حررها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من أيدي تنظيم الدولة الإسلامية. هذه المكاسب الاستراتيجية وأي مكاسب أخرى تتحقق تنذر بترسيخ دور إيران كحكم في سوريا ما بعد الحرب وتحكم سيطرتها على "جسر بري" يربط إيران مباشرة بلبنان وحزب الله".


وتحتوي الصفحة الأخيرة من التقرير هذه الفقرات التي تبين قيمة قوات سوريا الديمقراطية للولايات المتحدة:
"الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية -- وليس الأسد أو إيران أو روسيا أو حزب الله أو تركيا -- هما من تحملا المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. واستكمال هذه المهمة -- بينما هو أمر حيوي ومهم -- يتجاوز كونه غاية في حد ذاته، إذ يجب أن يعطي أثرا إيجابيا مهما في تحديد مصير سوريا ما بعد الحرب بالنسبة للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ووكلائه في سوريا وعلى رأسهم قوات سوريا الديمقراطية التي أبدت بالفعل معارضتها للميليشيات المدعومة من قبل إيران التي تدخل أراضيها. كما سيفرض عقبات على الأرض لا تخطئها عين في طريق الجسر البري الإيراني.
"في الوقت ذاته، ستكون القوات الأميركية على الأرجح بحاجة لتعزيز تواجدها وجهودها في التدريب والإرشاد والمساعدة والتجهيز بالمعدات في سوريا. هذه الخطوات ستكون ضرورية لتجنب تلاشي قدرات قوات سوريا الديمقراطية مع مضيها في استعادة الأراضي ولدعم السياسة الأميركية المعلنة ضد القوات المتحالفة مع الأسد".
إذا، ما الذي يخبرنا به هذا التقرير؟
في السنوات القادمة، وربما في العقد القادم، ولكي يتسنى لواشنطن السيطرة على المنطقة -- وبخاصة لتقويض نفوذ إيران -- فإنها تنظر إلى الأكراد السوريين على أنهم حلفاء مهمين.
ومن هذا المنطلق، نحن بحاجة إلى أن ننظر إلى مبلغ النصف مليار دولار الذي جنبته واشنطن لأكراد سوريا في الميزانية. ومن المنطقي أن نفترض أن الولايات المتحدة ستدعم القوات الكردية السورية عبر وسائل أخرى وأموال أخرى وفق ما تراه هي ضروري.
ومنذ أن بدأت الولايات المتحدة قتالها ضد تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014 وحربها بالوكالة ضد إيران، واللاعبون الأهم هم أكراد سوريا الذين كسبوا ثقة الجنرالات الأميركيين. وسيستمر هذا الأمر خلال السنوات الثلاث القادمة على الأقل من رئاسة ترامب أو لسبع سنوات إذا ما أعيد انتخابه.
بيد أن جزءا كبيرا من سكان تركيا البالغ تعدادهم 80 مليون نسمة ضد الولايت المتحدة ومن المفهوم أن الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي يُذل ويهين ويسجن مواطنين أميركيين منذ عام 2013، لعب دورا رئيسيا في إذكاء هذه المشاعر.    
وإذا لم تخرج مفاجآت كبيرة من الاجتماع مع تيلرسون ولم يقدم أي من الطرفين على تراجع كبير عن موقفه، فإن العلاقات بين واشنطن وأنقرة ستستمر في التدهور.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة خذلت الأكراد في المنطقة عدة مرات في الماضي، يبدو أنها هذه المرة لديها النية للاستمرار في الشراكة معهم كوسيلة للتصدي لإيران.
ومع الدخول في منافسة إقليمية مع إيران، تركز إدارة ترامب على المصالح والأهداف القومية الأميركية ولا تهتم بالضرورة كثيرا للحساسيات التركية. وبالطبع، هناك رأي في واشنطن بأن تركيا لا تستحق المزيد نظرا لأنها أدارت ظهرها كثيرا للمعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية واستهدفت بشكل مستمر الوجود الأميركي في سوريا.
وبينما تنظر أنقرة إلى هذه العلاقة الثنائية مع أكراد سوريا على أنها خديعة، ترى واشنطن أن الأكراد شركاء داعمين وحجر زاوية  في سياستها الإقليمية. وتعد واشنطن خططا لحشد دول أخرى وتأليبها على إيران، بداية من إسرائيل ووصولا إلى السعودية والأردن ومصر. وتحاول الولايات المتحدة إقناع تركيا بأن تتعاون، لكن إذا رفضت أنقرة الانضمام إلى هذا التحالف المناهض لإيران، فبإمكان واشنطن المضي قدما مع شركاء آخرين في المنطقة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: