تركيا والتفجيرات الإرهابية في مصر

 

تعرضت مصر ظهر الجمعة إلى أعنف عملية إرهابية تشهدها منذ عقود خالية، سواء من حيث نمط تنفيذها، أو طبيعة الموقع المستهدف، أو عدد الضحايا، حيث أفضى الهجوم الإرهابي الذي تعرض له مسجد الروضة في شمال سيناء إلى مصرع 305 مواطن وإصابة ١٠٥ آخرين، بما بات يطرح تساؤلات عن أسباب تصاعد موجات العنف التي تشهدها الدولة المصرية، عبر حدودها المختلفة ومحركات استهداف دور العبادة، وعلاقة ذلك ببعض القوى الإقليمية والتي يأتي على رأسها تركيا كونها تتخذ مقاربات معادية، صريحة ومعلنة، لاستقرار الدولة المصرية، وتنهض سياساتها وبرامج أدوارها الإقليمية على دعم التيارات الجهادية والإرهابية. 
إن طرح هذه التساؤلات في هذا التوقيت إنما يرتبط بعدد من العوامل الرئيسية منها ما يتعلق بطبيعة العلاقات الوثيقة بين تركيا وتيارات العنف والإرهاب على مسرح عمليات الإقليم، وتوظيف هذه العلاقات لضرب استقرار الدول العربية. فقبل يومين فقط من وقوع العملية الإرهابية في العريش بسيناء والتي أعلن تنظيم ولاية "بيت المقدس" مسئوليته عنها، كشفت الدولة المصرية عن أكبر قضية تجسس استهدفت، عبر مجموعات وبأدوات مختلفة، الإضرار بالأمن القومي المصري. 
وقد شملت القضية نحو 29 متهما، بعضهم داخل مصر وبعضهم الآخر خارجها. وتضمنت الأتهامات التخابر مع دولة تركيا، بقصد الإضرار بالمصالح المصرية، والإنضمام إلى جماعات إرهابية ترعاها السلطات التركية، وفق تحريات المخابرات العامة المصرية، التي كشفت عن تخطيط المتهمين وعناصر تابعة لجهاز الاستخبارات التركي (MIT)، لاستهداف المنشأت الحيوية المصرية، والإضرار بالاقتصاد الوطني، ووضع سيناريوهات فوضى تفضي إلى استيلاء جماعة الإخوان الإرهابية على السلطة في مصر. 
لا ينفصل ذلك عن طبيعة التوترات التي تصاعدت مؤخرا بين الجانبين، على خلفية تحركات مصر الخارجية والتي استهدفت،على نحو غير مباشر، الضغط على تركيا ودفعها للتخلي عن استخدام الجماعات الجهادية على الساحة الداخلية المصرية. فقبل أيام معدودة من الحادث الإرهابي الذي شهده مسجد الروضة، أصدرت الخارجية التركية بيان إدانة فيما يشبه مذكرة الاحتجاج للدولة المصرية بسبب المناورات المصرية – اليونانية الأخيرة، والتي جاءت بالقرب من حدود تركيا البحرية، وذلك في مشهد أوضح أن ثمة صراع متبادل بين الدولتين بأوراق ضغط مختلفة.
وبينما تعمل مصر على مواجهة تركيا عبر أدوات تستهدف دعم الاستقرار الإقليمي وتوطيد العلاقات مع العديد من القوى الدولية المناوئة لسياسات دعم الإرهاب التي تتبناها تركيا، فإن الأخيرة تعمد إلى توظيف علاقاتها المتشابكة مع الجماعات الجهادية لتأجيج التوتر في ساحة مصر الداخلية، وفي محيطها الإقليمي، سيما عبر الحدود الليبية، فيما يطلق عليه استراتيجية "شد الأطراف"، والتي تستهدف اشغال مصر عن الاضطلاع بأدوار بارزة في مواجهة سياسات تركيا الإقليمية.
ويبدو أن أحد المحركات المرجحة لتورط تركيا فيما تشهده مصر من عمليات عنف وإرهاب، يتعلق بتوجه الجماعات الإرهابية، لاستهداف دور العبادة المصرية، سواء كنائس أو مساجد، وذلك في مشهد استنساخي لظاهرة الإرهاب المتلاحق والمتزامن الذي استهدف العشرات من الكنائس المصرية على يد المجموعات المرتبطة بـ"الإخوان" بعد ثورة الثلاثين من يونيو، وهى الثورة التي كانت السبب الرئيسي في تأجيج حدة الصراع بين مصر وتركيا، بسبب دعم الأخيرة لجماعة الإخوان. 
يتداخل مع ذلك أثر العلاقة المركبة بين تركيا والعديد من الجماعات الإرهابية التي تشهد نزوحا من الساحتين العراقية والسورية بتجاه مناطق أخرى، سيما دول شمال أفريقيا، ويبدو أن تركيا في هذا الإطار تعمد إلى إعادة توظيف أدوار هذه الجماعات الإرهابية، بما يخدم أجندتها الإقليمية، وذلك عبر توفير الدعم الاستخباراتي،والمالي، والإعلامي للعديد من هذه الجماعات. 
وقد أشارت إلى ذلك الكثير من التقارير الإعلامية، والتقديرات الأمنية، وكذلك العديد من المسئوليين الغربين، بشأن نمط العلاقة بين سياسات تركيا وتحركات الجماعات الجهادية في الشرق الأوسط. وتحدث في هذا الشأن ايضا صراحة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، خلال القمة الإسلامية – الأمريكية، في الرياض، حينما أشار إلى أن مواجهة الجماعات الإرهابية، إنما يتأسس على المواجهة الشاملة للإرهاب، فيما يتصل بالتمويل والتسليح والدعم السياسي والأيديولوجي، مشيرا إلى أن الإرهابي ليس فقط من يحمل السلاح، وإنما أيضا من يدربه ويموله ويسلحه، ويرفر له الغطاء السياسي والأيديولوجي، وذلك في إشارة واضحة وصريحة لدولة تركيا.
إن حديث الرئيس المصري، يأتي متسقا مع ما سبق وكشفتهأجهزة الأمن المصرية بشأن شحنات أسلحة كانت ستمرر عبرالموانئ المصرية قادمة من تركيا لدعم جماعات إرهابية. كما كشفت الأجهزة الأمنية المصرية العشرات من "أدوات التجسس"، التي كان يُستهدف تمريرها عبر المطارات المصرية لجماعات إرهابية مدعومة من قبل السلطات التركية.
لذلك، فإن تصاعد العمليات الإرهابية التي تشهدها الدولة المصرية، بالتزامن مع الهجرة المعاكسة للجماعات الإرهابية من ميادين الجوار التركي إلى مناطق جديدة، قد يشير إلى أن أنقرة باتت تعمل علىتأجيج الصراع في مناطق أخرى وفي مسارات مكثفة تستهدف بالأساس الطموحات التنموية المصرية، والمشروعات الإقليمية المدعومة منها في مواجهة الأيديولوجية الجهادية التي تروج لها تركيا، عبر القنوات الإعلامية التي تستضيفها والجماعات الإرهابية التي توفر لها الغطاء السياسي والدعم المالي. 
ولعل ذلك ما كانت قد أوضحته مسبقا تحريات المخابرات العامة المصرية، حيث أشارت بوضوح إلى أن مهام خلية التجسس التركيةالتي كشفت مؤخرا، تركزت على محوريين رئيسيين، الأول، شمل تقديم كافة المعلومات عبر مكالمات يتم تمريرها على "خوادم" تركية عن الوضع الداخلي المصري، ومسار العمليات المخططة له، وسبل وأدوات استهدافه، فيما تضمن المحور الثاني إنشاء كيانات ومنابر إعلامية تبث من الخارج تعمد إلى توظيف كل ما يصلها من معلومات وبيانات، لاصطناع أخبار وشائعات كاذبة ضد مؤسسات الدولة المصرية، وتوفير الدعم الإعلامي للعمليات الإرهابية التي تستهدف الدولة المصرية ومصالحها الحيوية.