Tiny Url
http://tinyurl.com/y2mtxqb7
جنكيز أكتار
فبراير 22 2019

تركيا والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عند مفترق طرق

صوتت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في الآونة الأخيرة لصالح رفض طلب استناداً إلى أن مقدم الطلب، وهو من تركيا، لم يستنفد جميع السبل القانونية في بلاده. وكان أصحاب الطلب يشتكون من انتهاكات لحقوق الإنسان في ديسمبر 2015 خلال حظر للتجول على مدار الساعة فُرض في مدينة جيزري (جزيرة ابن عمر) في جنوب شرقي تركيا ذي الأغلبية الكردية.
يأتي هذا القرار في أعقاب رفض الحكومة التركية تنفيذ حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن تطلق سراح صلاح الدين دميرطاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، والمسجون منذ نوفمبر عام 2016 في أعقاب إعلان الحكومة حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي وقعت في شهر يوليو من ذلك العام.
أضف إلى هذا 27 ألف طلب قدمهم أشخاص يدّعون بفصلهم من وظائفهم على نحو غير قانوني في أعقاب محاولة انقلاب 2016 ورفضتهم المحكمة، وستعرفون مدى خيبة الأمل الكبيرة التي يشعر بها من يأسوا منذ زمن من التماس العدالة في المحاكم التركية ولجأوا إلى المحكمة التي مقرها ستراسبورغ لتصحيح الوضع.
لكن منذ زمن طويل وحتى الآن، لم تُبد المحكمة اهتماماً بالفصل في انتهاكات حقوق الإنسان بتركيا. وعندما أصدرت حكماً ضد الحكومة التركية، رفضت أنقرة الالتزام بذلك القرار.
على سبيل المثال، أعلنت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن المحكمة الدستورية التركية تواصل مراجعة حالات تتعلق بجيزري، وأنه - على الرغم من أن مقدمي الطلبات دفعوا بأن المحكمة الدستورية التركية لم تعد ملاذاً قانونياً فعالاً - فإنهم فشلوا في إثبات دفوعهم. وكيفية إثبات هذه الدفوع لا يمكن تخيلها بالمعنى الحرفي للكلمة.
وبالمثل، فإن المحكمة ذكرت أن الطلبات - التي وصل عددها إلى 27 ألف طلب - سابقة لأوانها نظراً لأنه يتعين أولا استنفاد كافة السبل القانونية محلياً قبل التقدم بطلب في ستراسبورغ. كما ذكرت أنه على الرغم من أن من الصعب إثبات ما إذا كانت المؤسسات القانونية في تركيا ما زالت فاعلة، فإن هذا سيتبين بمرور الوقت. فما الذي يمكن لعشرات الآلاف من الضحايا أن يفعلوه إذاً ليُثبتوا أن لجنة حالة الطوارئ التركية - التي من المفترض أنها تأسست للنظر في المظالم التي تنشأ عن حالة الطوارئ - ما هي إلّا مسرحية مصطنعة؟ وتُماطل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وترفض تحمل المسؤولية.
وفي الآونة الأخيرة أيضاً، رُفضت طلبات قدمها 17 محامياً متهمون بأنهم أعضاء في منظمات توصف بأنها إرهابية وجرى توجيه الطلبات من جديد إلى المحكمة الدستورية التركية، التي ظلت عازفة عن نظر القضايا لشهور.
وفيما يتعلق بعدم التزام تركيا بحكم المحكمة بشأن دميرطاش، فقد كان الدور على الحكومة التركية للمماطلة. وعلى عكس رد روسيا في حالات مشابهة، كانت بمثابة إعلانٍ بأن القانون الروسي فوق قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، تجنبت تركيا صراحة الإقرار بأنها لا تشعر بأنها تدين بالفضل لقرارات المحكمة. 
وحقيقة الأمر، بالنسبة للساعين للعدالة في تركيا، أن التقدم بطلب للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان يفقد معناه أكثر فأكثر بمرور الوقت. وكان إيسار كاراكاش، صاحب الإسهام في موقع أحوال تركية، على علم في تحليله بحقيقة أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وميثاقها الأساسي ليس هدفه نشر الديمقراطية في الدول غير الديمقراطية؛ فلا وثائق تأسيس المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ولا ميثاقها، ولا فقهها القانوني يشيرون إلى مثل هذه الوظيفة. فالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تراقب سيادة القانون وتصحح أوجه الانحراف البسيطة، لكن ليس من واجباتها إصلاح دولة فاشية خارجة عن سلطة القضاء مثل تركيا، ولا تملك السلطة لفعل ذلك. الأمر ذاته ينطبق على روسيا والكثير من دول الشيوعية السابقة أيضاً.
وللأسف، فإن عضوية مجلس أوروبا أو الاتحاد الأوروبي ليست هي المسار الذي يقود إلى الديمقراطية وسيادة القانون بالنسبة لكتلة الاتحاد السوفيتي السابق. فمنذ عام 1989، انضمت غالبية هذه الدول إلى المؤسسات الأوروبية؛ لكن ثبت أن التلقيح بمصل الديمقراطية الأوروبي ليس فعالاً.
وبصفة تركيا أحد الأطراف المؤسسة للميثاق، فقد أصرّت على أنها ديمقراطية متقدمة، ولا يمكن أن ترتكب خطأً إذا ما قورنت بالدول الشيوعية السابقة. وعلى الرغم من أنه من المحزن أن تركيا قد سقطت في مستنقع المنبوذين، فإن هذا ليس بالمفاجأة؛ فتركيا، شأنها في ذلك شأن البط الأعرج في هذا المستنقع، فشل معها لقاح الديمقراطية الأوروبي. 

صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشترك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي ذي الأغلبية الكردية، في السجن
صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشترك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي ذي الأغلبية الكردية، في السجن

دعونا الآن نطلق نظرة على التقرير السنوي لعام 2018 الذي نشرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في الرابع والعشرين من يناير.
منذ أن تمت الموافقة على الاختصاص القضائي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 1989، كان من بين ثلاثة آلاف و532 حكماً صدر عن المحكمة بخصوص تركيا ثلاثة آلاف و128 حكماً بسبب انتهاك لمادة واحدة على الأقل من الميثاق. وتركيا في المرتبة الأولى بهذا الأداء، متفوقة على جميع منافسيها بفارق كبير. ومن بين الانتهاكات، كانت هناك 919 حالة تتعلق بالحق في محاكمة عادلة، و775 حالة تتعلق بالحق في الحرية والأمن، و660 حالة تتعلق بحقوق الملكية الخاصة نتيجة لتأميم الحكومة لممتلكات خاصة، و603 حالات تتعلق بالحق في محاكمة ناجزة.
ومن بين ألف و14 حكماً أصدرتهم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عام 2018، كان 146 حكماً بخصوص تركيا. وفي 140 من الأحكام، قضت المحكمة بأن حقاً واحداً على الأقل من حقوق الإنسان قد انتُهك. ونتجت عن أربع من تلك الحالات أحكامٌ قضائية بعدم وقوع انتهاك لحقوق، بينما جرت تسوية اثنتين عبر التحكيم.
وكانت المواد التي تكرر انتهاكها لأكبر عدد من المرات على النحو التالي: الحق في محاكمة عادلة (41 مرة)، وحرية التعبير (40 مرة)، والحق في الحرية والأمن (29 مرة)، والحق في تحقيق فعال (15 مرة)، والحق في التجمع السلمي (11 مرة)، والمعاملة غير الإنسانية أو المُهينة (11 مرة)، والحق في محاكمة ناجزة (تسع مرات).
ويتطرق التقرير إلى قضية دميرطاش كمثال في موضعين، الأول في الإشارة إلى انتهاك المادة الخامسة من الميثاق - والتي تضمن الحق في الحرية والأمن - والثانية في الإشارة إلى انتهاك البروتوكول الأول من الميثاق، والذي يحمي حرية الانتخاب.
وتركيا من بين الدول التي تحتل مرتبة صدارة من حيث عدد الطلبات التي تتلقاها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، حيث تحتل المرتبة الرابعة. وتتلقى المحكمة طلبات من 47 دولة من الدول الأعضاء في مجلس أوروبا. ومن بين 56 ألفاً و350 حالة تنتظر أحكاماً، يرتبط 72 بالمئة من تلك الطلبات بست دول فقط. وتحتل روسيا المرتبة الأولى بعدد طلبات يصل إلى 11 ألفاً و750 طلباً، ثم رومانيا بثمانية آلاف و500 طلب، وأوكرانيا بسبعة آلاف و250 طلباً، وتركيا بسبعة آلاف و107 طلبات. ولنضع في الحسبان أن أكثر من 27 ألف طلب رُفضوا يتعلقون بتركيا أيضاً.
***
ويتّسع الشرخ الذي حدث بين تركيا والمؤسسات الأوروبية بعد عام 1945؛ فقد وصلت مباحثات الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي إلى نهاية بحكم الأمر الواقع، فضلاً عن التوتر وعدم الاستقرار في حلف شمال الأطلسي وعن الحالة المزعجة التي وصلت إليها العلاقات مع مجلس أوروبا. وجميع مؤسسات مجلس أوروبا تلاحظ المسار الفظيع الذي تسلكه تركيا وتسجله، بما في ذلك لجنة فينيسيا (اللجنة الأوروبية للديمقراطية من خلال القانون)، ولجنة مراقبة الجمعية البرلمانية، ومفوض حقوق الإنسان، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. على سبيل المثال، ما زالت تركيا غير قادرة على إيجاد قاض يحل محل قاضيها المعين في السابق، والذي انتهت مدته قبل عامين في الثلاثين من أبريل 2017.
وعندما قبِلت تركيا عام 1987 بحق الفرد في التقدم للمحكمة، ووافقت على الاختصاص القضائي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عام 1989، صارت جزءاً من نظام الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. ويقول البعض إن توركوت أوزال، رئيس تركيا في عام 1989، وقّع على القانون المعني مع الإعراب عن الاعتقاد بأن النظام القضائي المهترئ في تركيا يمكن إصلاحه فقط عبر الانضمام للنظام الأوروبي وتبني معاييره. وهذا بالضبط هو ما حدث؛ فعلى الرغم من كل شيء، خضع نظامنا القانوني لعملية تحول. وتُظهر الزيادة الكبيرة في انتهاكات حقوق الإنسان، والناتجة عن التغييرات المضادة للديمقراطية في البلاد، أن العلاقة مع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان غير قابلة للاستمرار؛ فلا ستراسبورغ ولا أنقرة تتوقعان أي شيء من بعضهما البعض.
وهناك حديث علني في مجلس الدوما الروسي عن نبذ مجلس أوروبا والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. ولم تصل تركيا إلى هذا المرحلة بعد، لكن الوصول إليها يلوح في الأُفُق.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.