نوفمبر 07 2017

تركيا والناتو .. التهدئة الدبلوماسية لم تحسّن صورة العلاقات المتدهورة

تثير العلاقة الإشكالية بين تركيا والناتو المزيد من التكهنات باتجاه احتمال انسحاب تركيا من الحلف ليشكل موضوع شراء منظومة صواريخ S 400 المفصل الأساس الذي فجر الازمة التي كانت تكتسب فيما سبق نوعا من الازمة الباردة دلت عليها العديد من التصريحات والمواقف التركية.
في مقال سابق 

ناقشنا ابعاد تلك العلاقة بين الطرفين وعرضنا المراحل التي مرت بها وهنا سنستكمل تلك المقدمات.
لابد من القول ان الموضوع ابعد من حدود صفقة الصواريخ باتجاه جوهر العلاقات التركية مع الطرفين : الروسي والحلف ، فألى اين تسير تركيا في علاقتها مع الطرفين؟
بالطبع هنالك في داخل تركيا من يعبر عن مشاعر قلقة من تطورات تلك العلاقة بين الطرفين لجهة ما هو استراتيجي فأيهما في موازين القوى سوف يحفظ لتركيا امنها القومي؟
يقول دنيز زيريك، محلل الشؤون الدفاعية بصحيفة حرييت التركية، "أن قرار تركيا شراء منظومة  S400 يمثل خطوة محفوفة بالمخاطر من شأنها أن تقوض استراتيجية الدفاع الجماعي التي وضعها الناتو في ميثاقه، وأنها قد تزيد الاعتماد على روسيا".
 أما الخبير هاكان كيليتش الذي ناقش باستفاضة موضوع شراء تركيا لهذا النظام الصاروخي المتطور، فقد تشكك في توجه روسيا حيال تركيا، معتبراً أنها تستهدف بالأساس إبعاد تركيا عن الناتو من دون ضمانات قاطعة بأنها ستمد تركيا بتكنولوجيا الرادارات المتقدمة والبرمجيات ونظم التوجيه.
في المقابل يجمع محللون عسكريون واستراتيجيون انه قد يكون الانفصال المحتمل في العلاقات بين الناتو وتركيا أكبر مكسب استراتيجي لموسكو في القرن الحادي والعشرين، لا سيما أن إظهار قدرة موسكو على بيع مثل هذه الأنظمة لبلد عضو في الناتو من شأنه أن يعزز من مكانتها في سوق الأسلحة العالمية. 

تركيا والناتو
الازمة التي تسببت بها صفقةصواريخ اس 400 الروسية

تقول الباحثة الروسية يكاترجينا خولكوفسكايا في معرض تعليقها على الموضوع انه "في عام 2013 فاجأ الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي كان آنذاك رئيسا للوزراء، الكثيرين بتصريح له حول منظمة شنغهاي للتعاون، حين قال موجها حديثه للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين " أَخْرجنا من هذه المعاناة- أي محاولة الانضمام إلى الاتحاد الإوروبي- نرغب في إنجاز اتفاق التجارة الحرة مع الدول الأعضاء في المنظمة. لقد تحدثتُ معك من قبل عن منظمة شنغهاي، ونَحن مهتمون بهذا الموضوع".
في ذلك الوقت بدا حديث أردوغان كأنه دعابة، كما وصفه هو نفسه، أو ربما كان رسالة استفزاز وجهها إلى الناتو مفادها لسنا في حاجة إليكم، فلدينا خيارات أخرى. في تلك الآونة لم يحمل حديث أردوغان على محمل الجد سوى قليلين في تركيا وروسيا.
يبدو بناءا على ذلك ان الاستراتجية التركية منذ ذلك التاريخ وهي تقترب من صيغة الامر الواقع الذي يريد اردوغان فرضه على جميع الأطراف فهو يسابق الزمن مع الناتو في أمرين:
الأول: هو الوصول بالعلاقات مع روسيا ودول منظومة شنغهاي الى مستوى التحالف الاستراتيجي المتين الذي يملأ الفراغ الذي يمكن ان يشكله مغادرة الناتو وفق اكثر السيناريوهات المتشائمة.
الثاني: هو التمكن التركي من الاستقلالية في ميدان الإنتاج الحربي بحلول السنوات الخمس المقبلة وذلك ما يفسر الانفاق التركي الهائل على الصناعات الحربية والاستعراض المتواصل من الجانب التركي لمنجزات المصانع التركية.ربما يبدو المشهد فيه كثير من الخيال غير الواقعي ذلك الذي ينسجه اردوغان لاسيما بعد يأسه من اوربا والعلاقات الملتبسة مع الاتحاد الأوربي فضلا عن تطيره من السياسات الأميركية في تعاملها مع القضية الكردية ومع ما يسميه الخطاب الرسمي التركي الكيان الموازي.
يشخّص الباحث ليونيد بيرشيدكس في موقع بلومبيرغ  بعضا من ملامح التردي في علاقة تركيا مع الناتو، فاستنادا الى التقرير الأخير لهيئة الحلف شاركت تركيا في أربعة فقط من بين ثمانية عشرة من المناورات التي اجراها الحلف في العام الماضي.
تركيا على الرغم من انها تملك رابع أقوى جيش في الحلف بعد اميركا وفرنسا وبريطانيا والثاني في عديد القوات المسلحة بعد الولايات المتحدة الا ان مشاركتها في نشاطات الناتو العسكرية صارت يوما بعد يوم في تضاؤل ملفت للنظر.
وما يلفت النظر ان كل ذلك قد تزامن مع اضطرار عشرات العسكريين الاتراك الذين كانوا في مهمة رسمية مع الناتو الى طلب اللجوء في اعقاب ما يعرف انقلاب الخامس عشر من تموز 2016 وهي إشكالية أخرى في العلاقة بين الطرفين فأردوغان ينادي بأعادتهم اليه لمحاكمتهم بينما اجراءات قبول لجوءهم كانت قد اخذت مجراها في كل من المانيا واليونان وبلجيكا.
الباحثة جودي ديمبسي من معهد كارنيجي استطلعت اراء عدد من الخبراء بصدد الازمة الخالية وتوصلت الى عدد من الاستنتاجات المهمة نورد منها:
رأي فيدريجا بيندي الاستاذة في المدرسة العليا للعلاقات الدولية في جامعة جون هوبكنز:"لاشك ان اقدام الرئيس التركي على شراء منظومة الصواريخ الروسية كان حدثا مدويا في وجه الناتو ولا شك انه خطوة معلنة وصريحة في الافتراق التركي مع الغرب الذي يصر اردوغان على انتهاجه".
رأي كريستيان براكل من المجلس الألماني للعلاقات الخارجية:" سأنطلق من حقيقة ان اغلب استطلاعات الرأي من الجانب التركي تضع الناتو في ذيل القائمة للمؤسسات العالمية موضع الثقة.
اذا هي مسألة الثقة التي تصدعت بين الطرفين بمرور الزمن. 

تركيا والناتو
اردوغان مع امين عام حلف الناتو: هل تبدد الدبلوماسية ازمة العلاقات بين الطرفين؟

لكن ما فاقم هذا الانحدار في العلاقة هو ما تلا الانقلاب المزعوم والادهى من ذلك ان اردوغان نفسه بدأ يتصرف كزعيم وطني ومن وجهة نظره هو.
اردوغان من وجهة نظره أيضا انه  يجب ان بكون معاديا للامبريالية والامر الاخر الذي ينعكس أيضا على العلاقات مع الناتو هو العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة والتي تأثرت كثيرا بسبب الازمة السورية ومواقف وسياسات تركيا تجاه الاكراد.
في وسط هذه الازمة المتفاقمة تأتي تصريحات ينس ستولتنبرج أمين عام الناتو، أن تركيا بلد محوري بالنسبة لأمن أوروبا والحلف العسكري.
 ففي مقابلة مع صحيفة "فيلت آم زونتاج" الألمانية ، قال ستولتنبرج إن تركيا لا تزال تفي بالتزاماتها وتقدم إسهاما مهما لعمليات الناتو. بحكم موقعها الجغرافي القريب من بؤر أزمات كسورية والعراق وبحكم قدراتها العسكرية، فإنها على قدر كبير من الأهمية في محاربة تنظيم داعش وفي استقرار الحدود الجنوبية للحلف".
وقال ستولتنبرج :"إن تركيا تلعب دورا محوريا أيضا في البحر المتوسط في تنفيذ اتفاقية اللاجئين مع الاتحاد الأوروبي".
 وفيما يتعلق بانتقاد الغرب لسياسة القيادة التركية، قال ستولتنبرج:" ضعوا في الاعتبار من فضلكم، أنه ليس هناك بلد آخر في حلف الناتو، تعرض لهجمات من إرهابيين على نحو قوي كما تعرضت تركيا، وللبلد الحق في أن يدافع عن نفسه وأن يدين هؤلاء الذين شاركوا في محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016". 
في الوقت نفسه، أكد ستولتنبرج أن هذا ينبغي أن " يتم وفقا لمبادئ سيادة القانون"، وحث ستولتنبرج كل الحلفاء " على إظهار الاحترام المتبادل والحفاظ على الهدوء واختيار نهج متوازن في التعامل مع الواجبات والمشاكل".
الإيقاع الهادئ الذي طبع تصريحات امين عام الناتو انما سعى من خلاله كما يبدو الى محاولة امتصاص الازمة بطريقة دبلوماسية وإيجاد مقاربة واقعية للازمة الراهنة المترتبة على التقارب الاستراتيجي التركي – الروسي لكن تلك التصريحات والمواقف الدبلوماسية لم تفلح في  تبديد  السحابة القاتمة التي تخيم على المشهد ولا في تحسين  العلاقة المتوترة بين الطرفين.

الناتو وتركيا
هل تسهم تصريحات امين عام الناتو في تهدئة الازمة؟