نوفمبر 06 2017

تركيا والناتو .. صراعات المصالح وتناقض الاستراتيجيات

يتيح الفضاء الجغرافي المحيط بتركيا ان تكون لاعبا أساسيا في الاحداث وأن تمارس دورا في تفاعلاتها وأن تتمدد ما استطاعت بحسب ما تمليه ضرورات الجغرافيا السياسية.
ولا شك ان احداث سوريا والعراق وتداعيات القضية الفلسطينية منحت تركيا مثل تلك الأدوار مستندة الى عوامل كثيرة يقع في مقدمتها الحفاظ على امنها القومي ومصالحها لاسيما وان ساحات الصراع السورية والعراقية تشهد لتركيا وجودا تاريخيا قديما من خلال حقبة السيطرة العثمانية وهو ما تتشبث به تركيا وتستثمره بصفته عاملا إضافيا.
لكن بموازاة ذلك صارت تركيا وجها لوجه مع القوتيين العظميين الروسية والأميركية وهما تفرضان امرا واقعا في هاتين الساحتين المشتعلتين مما عقّد الدور التركي ثم ازداد الامر تعقيدا مع التمدد الإيراني والقوى الضاربة المتواجدة على الأرض والتي تمدها ايران بالايديولوجيا والمال والسلاح.
ولأن لتركيا تاريخا عميقا بصفتها عضوا في الناتو فقد افترضت لنفسها ان تلك العضوية تتيح لها صفة صانع قرار في الوضع الإقليمي ولكنها اكتشف انها محددة بأدوار تقديم الخدمات وتوفير أسباب نجاح خطط الناتو أكثر من ان يكون لها دورا قياديا في صناعة القرار وهي الإشكالية التي واجهت الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من دون غيره من زعماء تركيا السابقين.
اردوغان يجد نفسه متمردا على كل أحد لا يقيم وزنا لتركيا ولا يعدها قوة إقليمية عظمى وتركيا اردوغان ترى نفسها قادرة على تغيير موازين قوى كثيرة اذا شاءت لكن هذا الصراخ الذي يكرره اردوغان ومساعديه لا يجد له صدى في أوساط الناتو وكأن لسان حال الناتو يقول: افعل ما تمليه عليك خطط الكبار.
وعندما كانت علاقة اردوغان بروسيا قد وصلت الى القطيعة في اعقاب اسقاط الدفاعات التركية الطائرة الحربية الروسية في نوفمبر 2015 كان اردوغان يستنجد بالناتو درءا لغضب بوتين وردود افعاله ثم ما لبث ان طالب الناتو بالتواجد في البحر الأسود بدعوى السيطرة الروسية عليه.

الصواريخ الروسية تؤجج الازمة
صواريخ روسية لارضاء اردوغان واغضاب الناتو

هذه المسارات السياسية المتداخلة سرعان ما شهدت تحولا جذريا حاسما بعودة اردوغان للاحتماء في احضان روسيا بل والأكثر من ذلك إتمام صفقة في منتهى الخطورة على مصالح واسترتيجيات الناتو تمثلت في إتمام  تركيا تعاقدها على منظومة الدفاع الجويS 400، وأعلان إردوغان، في سبتمبر 2017، التوصل مع الجانب الروسي لاتفاق نهائي بشأن حصول بلاده على تلك الصواريخ من دون التشاوور مع الناتو.
قرار اردوغان في امتلاك تركيا تلك الصواريخ جاء في سياق توجه شامل يمكن تركيا من الاكتفاء الذاتي من ناحية السلاح بحلول العام 2023 بعد دخول تركيا نادي صانعي ومصدري السلاح وهو ما اعلنه اردوغان في مناسبات عدة متزامنا مع رصد ميزانيات ضخمة للإنتاج الحربي.
ولهذا لم يكن مستغربا إضفاء صبغة من المواقف الوطنية المستقلة عن الناتو في موضوع اقتناء الصواريخ الاستراتيجية الروسية وموضوع الاكتفاء الذاتي من الأسلحة.
يذكر الباحث محمد عبد القادر أن التوترات التي شهدتها تركيا مع القوى الغربية بعد محاولة الانقلاب في يوليو2016، دفعت الى اتهامات صريحة لدول حلف الناتو بالتورط في محاولة الانقلاب، وذلك عبر غض الطرف عن التعاطي بجدية مع مسائل تخص الأمن التركي قبل محاولة الانقلاب، وعدم الاستجابة لمطالب الحكومة التركية بشأن تسليم بعض العناصر التي تورطت في محاولة الانقلاب.
كما أن ثمة اعتقاداً سائداً لدى تركيا بشأن دعم الناتو محاولة الانقلاب ممثلا في الدور الفعال الذي لعبته وحدات عسكرية تشكل جزءاً من فيلق الانتشار السريع التركي في الحلف. ويدعم المزاعم حول تورط الناتو في محاولة الانقلاب أن معظم الذين قادوا الانقلاب تقول تركيا ان لديهم علاقة مع الناتو.
يقول متين غورجان في موقع المونيتور إلى أن بعض وسائل الإعلام التركية لا سيما المؤيدة لحزب العدالة والتنمية قد اضطلعت بأدوار رئيسية للترويج لمثل هذه الأفكار،وأنه لا يكاد يمر يوم دون ان تظهر عناوين تروج لفكرة ان محاولة الانقلاب التي قام بها أتباع حركة فتح الله غولن كانت بعلم حلف الناتو، هنالك تسخين للشارع التركي وخاصة قواعد حزب اردوغان المحافظة في رفض سياسات الناتو. 

الصواريخ الروسية لتركيا
تسخين جمهور حزب العدالة والتنمية ضد الناتو

في بحث له في الموضوع يذكر الباحث دانيال باييس في موقعه الرسمي ان الناتو يواجه مشكلةً وجودية تتعلق برجب طيب أردوغان، "حاكم تركيا الديكتاتور الإسلاموي"، الذي تهدد سياساته بتقويض هذا التحالف الفريد من نوعه المستمر منذ ما يقرب من 70 عاماً والذي يضم 29 دولةً.
فالمبادئ التأسيسية لحلف الناتو الذي تأسس في العام  1949 حددت الهدف الطموح للتحالف والذي ينص على"حماية الحرية، والتراث المشترك وحضارة شعوب الدول الأعضاء، التي تأسست على مبادئ الديمقراطية وحرية الفرد وسيادة القانون" وبعبارة أخرى، فالتحالف موجود للدفاع عن الحضارة الغربية.
أما اليوم فيعني ذلك احتواء وهزيمة روسيا وحركات الإسلام السياسي المتطرف. أما عن هذين الهدفين الأخيرين، فتُعد الحركة الإسلاموية هي التهديد الأعمق والأطول أمداً لأنه لا يعتمد على شخصية قائد واحد بل على أيديولوجية قوية للغاية، وهي الأيديولوجية التي تلت الفاشية والشيوعية بفاعلية كأكبر تحد متطرف للغرب.
في العام 1995 صرح الأمين العام ويلي كلايس أن"الأصولية خطيرة على مثلما كانت الشيوعية".وذكر أنه مع انتهاء الحرب الباردة "برز التطرف الإسلامي ربما كأخطر تهديد لحلف الناتو وأمن الغرب."
ولا يكاد يزعج أعضاء الناتو البارزين سوء معاملة مواطني الدول الأعضاء في الحلف: فهم لا ينزعجون من إلقاء القبض على اكثر من 50 من الألمان أو محاولة اغتيال بعض الأتراك في ألمانيا ، أو احتجاز الأميركيين في تركيا، أو العنف البدني المتكرر ضد الأميركيين في الولايات المتحدة.
ولكن يبدو أن شراء تركيا لنظام الدفاع الصاروخي الروسي،( S-400)، يُعد مصدر إزعاج أكبر من الانسحاب وإنهاء الصفقة. 
يواجه حلف الناتو خيارات عدة فمثلا يمكنه الاستمرار في سياسته الحالية، على أمل أن يكون أردوغان مجرد حلقة مضطربة، وأن تركيا ستعود إلى الغرب. أو يمكنه النظر في جدوى حلف الناتو باعتبارها مهمة للغاية لأن يتم التضحية بها من أجل احتمالٍ جُزافي، واتخاذ خطوات حازمة لتجميد أنشطة تركيا خارج الحلف حتى تعود ثانيةً للتصرف كحليف. وقد تتضمن هذه الخطوات:
إزالة الأسلحة النووية من قاعدة انجرليك وإغلاق عمليات حلف الناتو فيها. 
إلغاء مبيعات الأسلحة الى تركيا مثل طائرات إف 35 واستبعاد المشاركة التركية من تطوير الأسلحة فضلا عن عدم تبادل المعلومات الاستخبارية وعدم تدريب الجنود أو البحارة الأتراك ورفض تعيين الموظفين الأتراك في مناصب في حلف الناتو.

اردوغان والناتو
اردوغان والناتو :علاقة معقدة

ويلفت للنظر انه في وسط هذه الازمة المحتدمة لم تكتف تركيا - اردوغان بأثارة موضوع صفقة الصواريخ الروسية بل توجه تركيا سياسا وأمنيا بما يهدد مصالح واستراتيجيات الناتو أكثروأكثر.
يذكر "معهد كاتيخون للدراسات الاستراتيجية" في تقرير له بصدد إشكالية العلاقة بين تركيا والناتو، بأن إدماج تركيا في عمليات التكامل الأوراسي بدأ يظهر للعيان واحتمال انضمامها في المستقبل إلى منظمة شنغهاي للتعاون امر متوقع .
لكن من غير الممكن أن تكون تركيا عضوا في منظمة شنغهاي للتعاون ومنظمة حلف شمال الأطلسي في نفس الوقت. المنظمتان تنظران لبعضهما البعض من منظار العداوة.
 من جهة أخرى فأن التقارب مع روسيا وإيران والصين يشير إلى وجود قطيعة مع الولايات المتحدة. هذه هي ثوابت جيوسياسية. 
تركيا لم تعلن بعد عن نيتها الانسحاب من حلف الناتو ولا الناتو اعلن نيّته التخلي عن تركيا لكن هنالك أزمة متفاقمة في العلاقة بين الطرفين وهنالك تداعيات إقليمية ودولية لاستمرار الازمة بينهما فضلا عن دور اللاعبين الروسي والصيني في استمرار هذه الازمة وهو ما سنتعرض له في مقالة قادمة.