تركيا والولايات المتحدة.. تقارب أم تقاطع مؤقت للمصالح؟

أصبحت العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا في الفترة الأخيرة متقلبة وسريعة التغير على نحو مثير للدهشة فتجدها تارة مشتعلة بالاتهامات المتبادلة والتصريحات المعادية من الطرفين وتارة أخرى يسودها البرود والفتور. وعلى الرغم من أن الدولتين ملزمتان بشكل رسمي بالعمل سويا في إطار تحالف واحد، دخلت أنقرة وواشنطن في صدام عنيف بسبب قائمة طويلة من القضايا، بدءا من العلاقة المتشابكة للولايات المتحدة مع الأكراد السوريين، ومرورا بالملاحقة القضائية لبنك خلق التركي الذي يواجه اتهامات بالتحايل على العقوبات الأميركية ضد إيران، وحتى مصير فتح الله غولن الذي يعيش في الولايات المتحدة وتتهمه السلطات التركية بأنه العقل المدبر لمحاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016.
وحتى في الوقت الذي تحظى فيه الدولتان بلحظة تقارب، يظل نشوب مواجهة عسكرية مباشرة في شمال سوريا بين الحليفتين في حلف شمال الأطلسي احتمالا واقعيا وممكن الحدوث في أي وقت. لكن هناك مؤشرات بالفعل على عودة الدفء إلى العلاقات التركية-الأميركية، فالقس الأميركي أندرو برانسون خرج من السجن الذي ظل قابعا فيه لشهور في تركيا وعاد بأمان إلى موطنه، كما يجري حاليا تنفيذ اتفاق بخصوص مدينة منبج السورية تراقب بموجبه دوريات مشتركة بين القوات التركية والأميركية الوضع في المدينة التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، وهي منظمة تعتبرها تركيا امتدادا لحزب العمال الكردستاني المحظور. وفي بادرة حسن نية مؤخرا، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مكافأة مالية ضخمة نظير الإدلاء بمعلومات تؤدي إلى اعتقال ثلاثة من أهم قادة حزب العمال الكردستاني. كما منحت واشنطن تركيا إعفاءات من العقوبات النفطية الجديدة التي فرضتها على إيران، فيما ألغت تركيا إجراءاتها العقابية بحق مسؤولين بارزين من الولايات المتحدة. 
ويبدو أن الأمور تسير في اتجاه تطبيع العلاقات، أو على الأقل هذا ما يريده ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. لكن مما لا شك فيه أن هذا التقارب قائم على أساس هش.
فأولا، الولايات المتحدة ليست على استعداد لإنهاء شراكتها مع الأكراد السوريين، حيث عملت واشنطن لفترة طويلة على إقامة علاقات قوية مع وحدات حماية الشعب حتى تتكفل الأخيرة بالتصدي لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي بدأ بالفعل في تنظيم صفوفه مرة أخرى على طول المناطق الحدودية في شمال شرق سوريا. وعلى المدى الطويل، إذا كانت الاستراتيجية الأميركية موجهة نحو احتواء إيران، فليس هناك بالكاد أي طرف آخر يمكن لواشنطن العمل معه سوى الأكراد.

في غضون ذلك، بقدر ما ترغب أنقرة في أن تفقد إيران نفوذها في سوريا أو العراق، فإنها أيضا غير راغبة في الانضمام لحملة ترامب الشعواء ضد طهران. ففي نهاية المطاف، تعد إيران شريكة لها بجانب روسيا في عملية أستانة للسلام في سوريا، والتي يبدو أنها ستحدد معالم كيفية تقسيم الغنائم بعد انقشاع غبار الصراع السوري. علاوة على ذلك، فإن طهران وأنقرة وجدتا أرضية مشتركة لمصالحهما الإقليمية في شمال العراق العام الماضي عندما عارضتا محاولة حكومة إقليم كردستان للاستقلال.
لكن يمكن اتخاذ بعض الخطوات لتعزيز التعاون بين أنقرة وواشنطن على الأرض. وتركيا تأمل بالفعل في إبرام اتفاق على غرار ما تم التوصل إليه بشأن منبج في بلدات شرق الفرات. وبموجب هذا الاتفاق المأمول، يمكن لوحدات حماية الشعب التخلي عن سيطرتها على تلك البلدات لصالح مجالس محلية تتمتع بحكم ذاتي وتضم العرب الموالين لتركيا أو الأكراد الذين يتبعون مسعود بارزاني، وهو صديق لأنقرة. لكن يجب علينا أولا أن نرى مدى نجاح تجربة منبج قبل أن نفترض أنه يمكن تكرارها في مكان آخر. فمن الممكن مثلا أن يؤدي قصف تركيا للقوات الكردية الأسبوع الماضي عبر الحدود إلى نتائج عكسية، وعلى الرغم من أن تركيا كانت تهدف بهذا القصف إلى الضغط على الولايات المتحدة، قد تسفر هذه الخطوة عن خروج خارطة طريق منبج عن مسارها بالكامل.
ثانيا، لا تبشر التطورات الأخيرة في الولايات المتحدة بالخير بالنسبة للأتراك. فاستراتيجية أردوغان تستند إلى فكرة مؤداها بأنه هو وترامب قادران على حل المشاكل بالعمل سويا. وفي الوقت الذي يمكن لأتباعه في الحكومة ووسائل الإعلام الموالية له مهاجمة أميركا وانتقادها كما يحلو لهم، يمكن له دوما التوصل إلى اتفاق مع ترامب في نهاية المطاف. هذا ما حدث في حالة برانسون على سبيل المثال. وكان من الواضح أن الهدف من إطلاق سراحه هو تعزيز شعبية ترامب في انتخابات التجديد النصفي وبناء جسور الثقة والنوايا الحسنة بين الزعيمين.
لكن الانتخابات أسفرت عن خسارة الجمهوريين للأغلبية في مجلس النواب، مما سيجعل عملية صنع قرارات السياسة الأميركية أكثر تعقيدا. وحتى لو قدم ترامب وعودا شتى لأردوغان بشأن التزامه بحل مختلف القضايا الخلافية على النحو الذي يكون مرضيا لتركيا، ستكون قدرته على الإيفاء بهذه الوعود محدودة ومقيدة بموافقة الكونغرس. من جانبه، سيكون الكونغرس بلا شك عازما على إعادة تأكيد موقفه بشأن العديد من القضايا الخلافية، وأبرزها بالطبع شراء تركيا لصواريخ (إس-400) الروسية، وهي الصفقة التي تهدد الدور التركي في مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات (إف-35) الأميركية. ومن المتوقع أن تعمل السلطة التشريعية في الولايات المتحدة على صياغة سياستها الخاصة فيما يتعلق بالعمل مع أردوغان، والتي من المرجح أن تكون أكثر تشددا من سياسة ترامب. وكان هذا النهج المزدوج متبعا بالفعل في سياسة الكونغرس بقيادة الحزب الجمهوري تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وإلى حد ما تجاه تركيا، لكن الأمر سيزداد سوءا الآن. ودعونا لا ننسى أن المحاكم الأميركية تلاحق أنقرة أيضا في قضية خرق العقوبات لبنك خلق المملوك للدولة.
في المقابل، تستعد تركيا لإجراء انتخابات محلية في شهر مارس المقبل، وهو ما قد يعني تفجر موجة أخرى من المشاعر المناهضة للولايات المتحدة خلال موسم الحملات الانتخابية، وخاصة إذا انهارت الليرة مرة أخرى.
نعم، تريد أنقرة إصلاح علاقاتها مع واشنطن بقدر ما ترغب في إعادة روابطها مع أوروبا إلى سابق عهدها. وفي الوقت الحاضر، فإنها تحرز تقدما في هذا الاتجاه. لكن العلاقات مع الولايات المتحدة لا تزال تفتقر إلى الثقة المتبادلة وتعصف بها القضايا الخلافية وتكبلها المناورات السياسية الداخلية في البلدين، ولن تكون مفاجأة للكثيرين إن دخلت تركيا والولايات المتحدة في صدام جديد عما قريب.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-us/turkey-and-united-states-daggers-or-detente
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.