ديميتار بيشيف
ديسمبر 01 2017

تركيا وايران ورسيا .. هل حان الوقت لنهاية اللعبة في سوريا؟

تعتز روسيا دائما بقدرتها على الفوز بالحروب حتى بالرغم من أن سجلها في الدبلوماسية هو أبعد ما يكون عن الكمال. وفي الحالة السورية، تمكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تحقيق النصر على ساحة المعركة، لكن جمع الغنائم على المستوى السياسي تبين أنه أكثر صعوبة على موسكو.

فبعد توارد الأنباء على مدار الأيام العشرة الماضية تقريبا، يمكن للمرء التماس العذر لهؤلاء الذين بدأوا يعتقدون أن مدينة سوتشى بجنوب روسيا تحولت إلى مركز للدبلوماسية العالمية يضاهي جنيف أو نيويورك.

هذا بالطبع يأتي في أعقاب بزوغ بوتين باعتباره صاحب النفوذ الأقوى في الأزمة السورية. وتكشف هذا بشكل أكبر عندما أتى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى مدينة سوتشي، منتجع بوتين المفضل على البحر الأسود وقبلة الدبلوماسية الروسية، في 13 نوفمبر، وبعدها بثمانية أيام، أقلت طائرة عسكرية روسية الرئيس السوري بشار الأسد عبر المجال الجوي التركي من أجل عقد محادثات مع بوتين.

وقد توجت هذه الجهود بعقد قمة ثلاثية فى 22 نوفمبر بين بوتين وإردوغان والرئيس الإيراني حسن روحانى أيضا فى سوتشى. أضف إلى هذا المكالمة الهاتفية بين بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 20 نوفمبر، فضلا عن لقائهما القصير في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادىء (أبيك) في الصين الذي أسفر عن بيان مشترك حول سوريا، ما كشف عن أن هناك شيئا قيد التحضير.

وفي الواقع، تقف روسيا في موقع القيادة هذه المرة، فبعد أن دخلت المعترك السوري في سبتمبر 2015 في محاولة منها لإبقاء الأسد في السلطة في الوقت الذي كان فيه معرضا لخطر الإطاحة به، يدفع الكرملين حاليا في اتجاه التوصل إلى تسوية لتقاسم السلطة من أجل وضع حد للحرب الأهلية الطاحنة – لكن بشروطها الخاصة بالطبع. ووفقا لمراقبين سياسيين، فان موسكو تسعى على المدى الطويل إلى وضع دستور جديد يحد من سلطة الرئيس السوري وربما قد يؤدي إلى تنحي الأسد بمجرد انتهاء فترة ولايته الحالية في 2021.

ووصولا إلى هذه الغاية، تسعى روسيا لتحسين علاقاتها مع جميع الأطراف، سواء كانت النظام السوري أو إيران أو تركيا أو السعودية أو مختلف فصائل المعارضة (لدرجة أن هناك ما يسمى بمنصة موسكو وهي عبارة عن مجموعة من الشخصيات التي تدين بالولاء للكرملين) أو الأكراد أو الإسرائيليون (سيرجي ناريشكين، رئيس جهاز المخابرات الخارجية، كان في إسرائيل مؤخرا لإطلاع كبار المسؤولين هناك عن مستجدات الوضع في سوريا) ولا ننسى بالطبع الولايات المتحدة.

لكن التحدث إلى جميع الأطراف هو أمر وإجبارهم على الانصياع لتوجهاتك هو أمر آخر، فبالتأكيد جميع الأطراف التي يتحدث إليها بوتين لها أجندات مختلفة جذريا. فعلى سبيل المثال تنشد الولايات المتحدة الحصول على مساعدة روسيا في كبح جماح إيران في شرق سوريا، وهو الهدف ذاته الذي يسعى إليه الإسرائيليون فيما يتعلق بالجنوب الغربي. وتفيد التقارير أن محادثات بوتين مع روحاني وإردوغان كانت تهدف إلى طمأنتهما وتبديد مخاوفهما من أن موسكو قد تكون قطعت اتفاقا مع الأمريكيين على حساب المصالح التركية والإيرانية.

كما تتواصل المعارضة السورية مع روسيا على أمل أن تتمكن من الضغط على الأسد. وعلى النقيض من ذلك، ينتظر النظام السوري والإيرانيون من بوتين مساعدتهم على سحق بقايا المقاومة المسلحة بالرغم من الشعارات التي تم ترديدها في محادثات أستانة حول خفض التصعيد. في السياق ذاته، تشكك إيران في المزاعم الروسية بأن القضاء على الدولة الإسلامية أنهى الحرب في سوريا وفتح مرحلة سياسية جديدة، فيما يرى حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني أن روسيا تعد إحدى القوى المشاركة مع الولايات المتحدة في ضمان تمتع الأكراد بحكم ذاتي في المستقبل بينما تريد كل من أنقرة وطهران أن تستغنى موسكو عن علاقاتها مع الأكراد.

وبالتالي، فإن الصفقة الكبرى التي يسعى بوتين لإتمامها تبدو أمرا بعيد المنال، كما يكتنف الغموض الجولة القادمة من المحادثات فى جنيف هذا الاسبوع وليس من الواضح ما إذا كان ممثلو النظام والمعارضة سيحضرون المفاوضات في نهاية الأمر. في حين يبدو أن الخطة الروسية لعقد مؤتمر رفيع المستوى - أيضا في سوتشي -  بمشاركة فصائل معارضة متعددة ونظام الأسد وقد وُضعت على الرف. باختصار، يبدو أن طموحات موسكو اصطدمت بالواقع وعلى روسيا الآن أن تبدأ في ترتيب أولوياتها بالتوافق مع الحقائق الموجودة على الأرض.

ما هي الآثار المترتبة على تركيا؟ بالنظر إلى أن إردوغان دخل في جدال مرير مع الولايات المتحدة وأيضا في خلاف مع السعودية، فإنه يضع رهانه بالكامل على الروس، ولكن كما قال المحلل السياسي الروسي فلاديمير فرولوف، فإن هذه المقامرة قد لا تؤتي أكلها خاصة مع انتهاج بوتين لسياسة تعتمد على التقارب من محاور متعددة.

هذا يضعنا في مواجهة فصل جديد في الحرب السورية تتصادم فيه إيران والولايات المتحدة، سواء بشكل مباشر أو عن طريق وكلاء لهما، وهو ما سيولد مشاكل جديدة بالنسبة لتركيا. فبادئ ذي بدء، سيؤدي هذا التصادم إلى تعزيز قبضة حزب الاتحاد الديمقراطي على الأراضي التي يسيطر عليها حاليا في الشمال والشمال الشرقي السوري. وبالتأكيد ستتشبث أنقرة بقطعة الأرض السورية التي تقع تحت نفوذها. لكن ما إذا كانت تركيا ستستخدمها كورقة تفاوض لفرض نفوذها في المحادثات التي لا نهاية لها بشأن مستقبل سوريا وكيفية حدوث ذلك هو أمر مفتوح للتساؤل.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: