أحمد أردي أوزتورك
يونيو 15 2018

تركيا ودول البلقان: علاقة متشعبة يكتنفها الغموض

إن أول ما يلفت انتباه المتابع للعلاقة بين تركيا ودول البلقان منذ عام 2000 وحتى الآن هو أن تركيا قد فرضت رؤيتها- من خلال مؤسسات وهيئات تابعة لها؛ مثل وكالة التنسيق والتعاون التركية، ووزارة الشؤون الدينية، ومعهد يونس أمره، وهيئة أتراك المهجر والمجتمعات ذات القُربى- في دول البلقان؛ حيث تحوَّل عمل هذه المؤسسات إلى ما يشبه بسط الهيمنة التركية خارج الدولة التركية وداخلها، الأمر الذي جعل هذه المؤسسات غير مرحب بها بين كافة شرائح المجتمع في هذه البلدان.
وإذا أردنا أن نعطي نموذجاً في هذه النقطة على التمازج بين القوة الاقتصادية وفكر الإسلام السياسي، فمن الطبيعي أن يتبادر إلى أذهاننا الأنشطة التي تقوم بها هيئة أتراك المهجر والمجتمعات ذات القربى؛ فمنذ أن بدأت هذه الهيئة نشاطها في عام 2011 ، وهي تجتذب سنوياً ما يقرب من 150 ألف طالب للتعليم في تركيا، تحت مسمى "المنح الدراسية". وتأتي دول البلقان في المرتبة الثانية بعد الجمهوريات التركية.
ومع هذا، وجدنا أن ما يقرب من 75% من الطلاب الوافدين من دول مثل ألبانيا، والبوسنة والهرسك، وبلغاريا، وكوسوفا، ومقدونيا، يتم توزيعهم للدراسة في كليات الإلهيات (التعليم الديني في تركيا).
تحدثت في هذا الموضوع مع أحد مسئولي وزارة التعليم القومي في دولة مقدونيا، الذي التقيته في عام 2017، وأذكر أنه عاتبني بقوله "نريد لشبابنا أن يتعلموا العلوم التطبيقية في تركيا؛ لأن كل طلابنا لا يتاح لهم سوى التعليم الديني فحسب".
مما لا شك فيه أن انعكاس السياسة الداخلية المتسلطة في تركيا، التي تتستر خلف الدين في كل خطوة تخطوها، على سياستها الخارجية، أصبح من الموضوعات المؤرقة عند دول البلقان، خاصة عندما جعلت الحكومة التركية جماعة فتح الله غولن على رأس جدول أعمالها اعتباراً من عام 2015. 
وإذا لم تخدعني ذاكرتي، فقد كانت أذربيجان هي أول دولة تفتتح فيها جماعة غولن مؤسسة تعليمية خارج تركيا في عام 1990-1991، وتبع ذلك إنشاء مدرسة أخرى لها في ألبانيا، ومنها انتشر نشاطها داخل باقي دول البلقان. وإن كانت تركيا عجزت اليوم عن إدارة نشاطات بعينها في تلك الدول، فقد تمكنت حركة غولن في التسعينيات أن تملأ بعض تلك المجالات التي عجزت تركيا عن ملئها. 
ولعل ما قاله لي مفتي دولة بلغاريا، خلال لقائي به في عام 2017 ، هو أبلغ مثال على هذا؛ حيث ذكر أنه عندما عجزت تركيا عن الوفاء ببنود الاتفاق، الذي أبرمته مع هيئة الإفتاء البلغارية في التسعينيات، لم تتوان جماعة غولن عن تقديم كافة المساعدات النقدية والعينية؛ لتسد بذلك الفجوة التي عجزت عنها الحكومة التركية. من هنا كان تطور علاقة جماعة غولن مع دول المنطقة وشعوبها استناداً إلى علاقات الماضي.
ولا أبالغ إذا قلت إن جماعة غولن تمكنت، خلال سنوات تعاونها مع حزب العدالة والتنمية، من أن تربح عنصراً أكثر أهمية في علاقتها بدول المنطقة. وكان من السهل على جماعة غولن، بعلاقتها المقربة إلى السلطة الحاكمة في تلك البلدان، وبما تملكه من مؤسسات تعليمية ودينية تمثل الفكر الديني الوسطي، أن تحافظ على وجودها في المنطقة حتى عامي 2014 و2015.
ومع تدهور العلاقات بين حزب العدالة والتنمية وجماعة غولن، عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، تحوَّلت منطقة البلقان إلى منطقة نزاع بين تركيا والحركة.
ولن يكون من قبيل المبالغة أيضاً لو قلت إن أي من دول البلقان لم يكن راضياً بسبب امتداد الصراع بين حزب العدالة والتنمية وجماعة غولن على أراضيها، سواء أكانت الجماعة هي الأكثر تأثيراً، أم كانت تركيا هي الأكثر ضغطاً.
ويرجع هذا السخط إلى ثلاثة أسباب رئيسة؛ الأول: أن منطقة البلقان تعرضت في فترات كثيرة من تاريخها للكثير من الفوضى الداخلية؛ حيث اندلعت الكثير من الصراعات؛ منها ما كان لأسباب عرقية أو دينية أو طبقية. تلك الأسباب التي لم يجد بعضها طريقاً إلى الحل في كثير من هذه الدول إلى الآن. وهذا يعني أن لدى هذه الدول ما يكفيها من المشكلات.
السبب الثاني: أن تركيا تحاول، في صراعها مع جماعة غولن، أن تُنزل بهذه الدول أكبر قدر من العقوبات؛ بممارسة الضغوط عليها، وبحَثِّها على إغلاق المؤسسات التابعة لها على أراضي تلك الدول، أو من أجل طرد عناصر هذه الجماعة خارج حدودها.
مثال ذلك، أن الحكومة التركية، حسب ما توفر لديّ من معلومات، حصلت عليها من مصادر في وزارة الخارجية الألبانية، أعلنت عن اعتبار ما يقرب من 450 فرداً من المنتمين لجماعة غولن على الأراضي الألبانية إرهابيين، وطلبت من ألبانيا بإلحاح أن تعيدهم إلى تركيا.
ومما لا شك فيه أن هذا السلوك التركي يعد تدخلاً سافراً في الشئون الداخلية لدولة ألبانيا، الأمر الذي ولَّد نوعاً من النفور والكراهية تجاه تركيا. وقد تكررت حالات مشابهة في بلدان أخرى مثل كوسوفا والبوسنة ومقدونيا، التي حاولت هي الأخرى التصدي لمحاولات تركيا التدخل في شؤونها الداخلية.
أما السبب الثالث فهو سعي تركيا المستمر لتمكين وجودها داخل دول البلقان، تحت زعم التصدي لجماعة فتح الله غولن؛ فتارة تنقل ملكية مدارس تملكها جماعة غولن إلى وقف المعارف، وتارة أخرى تُوجِّه الجمعيات الدينية التابعة لها للعمل في بعض المجالات الأخرى التي تمارس الجماعة نشاطها من خلالها. 
وأذكر في هذه النقطة، على وجه الخصوص، أن تركيا تسعى جاهدة كي تحل محل جماعة غولن في الكثير من دول البلقان، وفي مقدمتها مقدونيا وكوسوفا؛ بتنشيط أذرع حزب العدالة والتنمية هناك، سواء بالنسبة لوقف النقشبندي، أو لوقف الهدى، أو حتى لوقف الأنصار. وهذا ما يبرر إصرار الدولة التركية على تركيزها على الجانب الديني دون غيره.
تحدث إليَّ، في هذا الشأن، أحد المسؤولين في دولة مقدونيا، الذي رفض ذكر اسمه بقوله "كان الأمر أفضل مع جماعة غولن في الماضي. لا أعرف كيف سيصبح المستقبل مع أولئك الذين سيحلون محلها. إنه لمن المقلق للغاية أن تحاول إقحام جماعات دينية أخرى من الخارج إلى بلدنا، الذي ينظر إلى الدين بحساسية كبيرة".
خلاصة الأمر، إن الصراع القائم بين غولن وحزب العدالة والتنمية في البلقان سيزيد الوضع غموضاً فيما يتعلق بالمسار الواقع بين السياسة والدين في تلك الدول؛ حيث تحاول تركيا أن تصدر لتلك الدول مشكلاتها وصداماتها الداخلية، ومن ثم إشراك شعوب هذه الدول في تلك الأزمات، في الوقت الذي تسعى فيه السلطة الحاكمة في تلك الدول إلى إبقاء الدين بعيداً عن الحياة السياسية. 
لقد تمكنت تركيا في نهاية المطاف من زيادة تأثيرها في بلاد البلقان مع مطلع القرن الحادي والعشرين. ومع هذا يبقى الموضوع برمته رهن تصرف دول البلقان؛ من حيث قبولها أن تصبح مسرحاً لتصفية حسابات أمور داخلية على أراضيها من عدمه. وكانت النتيجة أننا أصبحنا في مواجهة دولة؛ تستغل الدين والتاريخ في إدارة سياستها، وتصدر مشكلاتها لدول البلقان. نعم لقد أصبحنا أمام دولة تتحدث بلسان متسلط قمعي، بدلاً من الدولة العلمانية المتصالحة التي تؤمن بقيم الديموقراطية.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/balkanlar/turkiye-balkanlar-cok-boyutlu-ve-karmasik-bir-iliskinin-belirsiz-hali-3