ابراهيم السيد
نوفمبر 23 2017

تركيا وروسيا وايران .. الحمى الكردية تهدد ترويكا سوتشي

اتت زيارة الأسد الى مدينة "سوتشي" حسناء البحر الاسود ولقاؤه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ايذانا بأن انطلاق العملية السياسية في سوريا يحضر لها بشكل جدي من قبل  الاطراف الفاعلة الثلاث تركيا ايران وروسيا، وان الزيارة تأتي لشرعنة ما نتج عن الاجتماع الثلاثي على مستوى القمة بين رؤساء هذه الدول، الدعوة الروسية حملت في طياتها الكثير من الرسائل باتجاه الجميع، فالحضور الروسي  بات طاغيا على حساب معظم الاطراف في الازمة السورية، التي تتقاطع مصالحها وتتعاكس احيانا عنوانها البراغماتية السياسية الى اقصى حدودها.

كان تدخل روسيا مثمرا، الان بعد عامين من التدخل العسكري  تحاول عبر اجتماع القمة تحقيق توافق دولي حول اتفاق سلام، بدا اجتماع الاسد بوتين بروتوكولي رغم الصور الحميمة التي ظهرت الى العلن،  واشارة باتجاهات شتى بأن سيد الكرملين يمسك اوراق اللعبة في سوريا هذه الاشارة موجهة للحلفاء قبل الخصوم.

لطالما طغت البراغماتية على العلاقات الروسية التركية، وبدت واضحة في اكثر من مرحلة، فكلاهما وريثتا امبراطوريتين اورو-آسيوية، لكنهما استبعدتا عن ترتيبات البيت الاوروبي على الاقل منذ الحرب العالمية الثانية وصولا الى الحرب الباردة والى يومنا هذا، دون اغفال التباعد بين التركيبة الاطلسية وموسكو وفي هذه الفترة الأطلسي وأنقرة أيضا، فالتقارب الروسي التركي خطير ومن شأنه ان يخل بالمعادلات الجيوسياسية اذا ما استمر، وفي هذا السياق قال لي زميل صحفي روسي يوما: "لو ان روسيا تبنت الاسلام لكنا اتراكا، ولو ان تركيا تبنت الأرثودوكسية  لكانوا روسا"، في اشارة الى مدى تقاطع الطرفين.

من جهة أخرى، كثيرة هي الخلافات بين البلدين، المرور في مضيق البوسفور، والموقف من قضية النزاع حول منطقة  "ناغورني– قرة باغ" بين أذربيجان وأرمينيا، والتنافس على نقل بترول آسيا الوسطى وبحر قزوين، والقضية القبرصية، والدعم الروسي لليونان وأرمينيا، والازمة السورية بطبيعة الحال.

وعليه، يصحّ القول أنّ الجانب الاقتصادي يمثّل حجر الزاوية في مسار التقارب التركي- الروسي، لقد عُدّت العلاقات الروسية- التركية نموذجا للبراغماتية السياسية، حيث تختلف مواقف البلدين إزاء بعض القضايا من دون أن يؤثر ذلك في مجمل التطور الحادث في العلاقة بينهما. ولكن ستبقى العلاقات الروسية- التركية محكومة بحقائق الجغرافيا السياسية بين الدولتين.

أكد الخبير في الشؤون الشرق اوسطية اندريه استيبانوف لموقع "أحوال تركية" على ان التقارب بين انقرة وموسكو وطهران، وخصوصا في سوريا فبحسب قوله "سوريا مستنقع للجميع والحل النهائي يبدو عسير المنال حتى الان، التقدم السياسي بطيء جدا نحن نتقدم خطوة بخطوة، روسيا فرضت ايقاعها على الازمة السورية وانتزعت التنازلات من الجميع  حتى الاسد،  القمة بمثابة العمل التمهيدي لمؤتمر جنيف علينا ان نلاحظ تغيير مواقف النظام من مسائل التسوية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وقف قصف مناطق خفض التصعيد، وفتح الممرات الانسانية وهي رغبة مشتركة."

وأضاف ستيبانوف ان روسيا ترغب في الا تكون تركيا قفل الطوق الذي يفرضه الغرب والتقارب يبقي متنفسا سياسيا واقتصاديا ويمنع اطباق الحصار.

من جهته اشاد الباحث في معهد الاستشراق في موسكو بوريس دولوغوف  بتحسن العلاقات، وقال لموقع "أحوال تركية"  ان المشاكل دائما كانت مرتبطة بالتاريخ الروسي التركي المشترك، "احد اهم اسباب تحسن العلاقات بين البلدين العلاقة الشخصية بين بوتين وأردوغان، اصبح لدينا اهداف مشتركة في الازمة السورية وفي السياسية الدولية، في سوريا اقتربت الاهداف، التدخل الامريكي كان عاملا مهما والرغبة الامريكية بالتقسيم تحديدا، التقسيم الذي تعارضه انقرة وموسكو، فهو خطر على سوريا ويناقض الموقف الروسي الداعم لوحدة الاراضي السورية، دون اغفال سياسية اميركا في الداخل التركي وامتعاض الاخيرة منها."

لا شك ان اسباب التقارب موجودة، لكن معوقات التقدم تبقى حاضرة ايضا وبقوة، ليس ابتداء بالموقع الجغرافي وتداخل مناطق النفوذ (ارمينيا، اذربيجان، منطقة البحر الأسود، اجزاء من الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى) فتركيا أعلنت في 18 مارس أنها لن تعترف بضمّ جزيرة القرم إلى روسيا ، لأنّ ذلك انتهاك للقانون الدولي، وستستمر في تقديم الدعم للسكان التتار ذوي الأصول التركية في الجزيرة، الا ان كل هذه المشاكل يمكن تجاوزها الا قضية الدعم للكرد في سوريا والتي من الممكن ان تنسف أي تقدم.

اجتمعت الاطراف في مؤتمر القمة على وضع حد للازمة السورية، موسكو ترغب في ان تلعب انقرة دورا فاعلا في حفظ السلام في مناطق خفض التصعيد في سوريا. فتركيا لديها نفوذ كبير على الاطراف المسلحة المناهضة للنظام السوري، وبإمكانها لعب دور فاعل. وبدورها ترغب انقرة في ان تضمن موسكو عدم تقسيم سوريا، والا تقبل بقيام كيان كردي مستقل على الاراضي السورية وكذلك تلبية رغبات السوريين في الديمقراطية. فالهدف من القمة التغلب على تعنت النظام السوري، وتطرف ما يسمى بالمعارضة المعتدلة، تعميق الثقة والمصداقية بين اللاعبين الثلاث، ضمان انضمام الكرد الى العملية السياسية واستبعاد انشاء كيان مستقل.

وتجدر الاشارة في هذا المجال الى ان الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف صرح أن "روسيا على علم بتحفظات تركيا بشأن مشاركة بعض القوى السورية في مؤتمر الحوار الوطني، مؤكدا أنه سيكون هناك عمل على هذا الاتجاه".  في اشارة واضحة  ان الكرملين يدرك خطورة الحمى التي تصيب الاتراك بسبب القضية الكردية.

 بناء على ما سبق، كلا المشروعين الروسي والتركي مستقل بذاته ليس بالضرورة ان يتطابقا او ان يختلفا في سوريا وكلاهما يبحث عن حل يمكن ان يحفظ المصالح ويضع حدا للازمة والعنف في خضم محيط يغرق في الازمات،  فالأخطار المحدقة بالبلدين لا تأتي من احدهما على الاخر، بل من اميركا واوروبا الخصم الحقيقي للدولتين معا.