تركيا وعفرين.. محركات سياسية ومحددات انتخابية

تتعدد المحركات وتتداخل الدوافع وراء العمليات العسكرية التي تشنها تركيا في مدينة عفرين المجاورة لحدودها الجنوبية، والمحيطة بها تمركزات تركية عسكرية في الداخل السوري، حيث جرابلس والباب وأعزاز إلي الشرق، ومحافظة أدلب في الغرب. 
سياق العملية التي أطلق عليها "غصن الزيتون"، وتستهدف نزع السيطرة على عفرين من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، يرتبط بالداخل التركي مثلما يتعلق بتحولات سياسات تركيا الخارجية، لأن ثمة أزمة مصطنعة يخلقها النظام التركي قبل كل استحقاق انتخابي، كي يحشد الجماهير ويشحذ الهمم لدعم سياساته الخارجية فيما أهدافه تنصب علي الساحة المحلية. 
قبل الاستفتاء علي التعديل الدستوري في أبريل 2016 شهدت علاقات تركيا مع دول الاتحاد الأوروبي أزمة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات المشتركة، سرعان ما سعت أنقرة إلى تخفيض منسوب حدتها بمجرد تمرير حزمة التعديلات الدستورية. 
ذات السيناريو يُعاد تكراره حاليا مع كل من موسكو وواشنطن بفعل التصريحات السياسية والحملات الإعلامية ضد الدولتين من جراء معارضة خطط تركيا للتدخل العسكري في المدينة السورية ذات الأغلبية الكردية. 
وفيما تتصاعد المواجهة بين الجانبين تدريجيا فإن الهدف هذه المرة يتعلق بالانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في عام 2019، إن لم يكن قبل ذلك عبر انتخابات مبكرة. 
تكتيكات الرئيس، رجب طيب أردوغان، توضح الرغبة في استباق التحديات التي ترتبط باحتمالات توجه المعارضة للتكتل عبر اختيار مرشح منافس، قد يكون الرئيس السابق، عبد الله غول، بما يجعل ضبابية نتائج استطلاعات الرأي تشهد تحولات دراماتيكية.
توجه الرئيس التركي وإستراتيجيته لخلق تهديد خارجي لاجتياز تحدي داخلي اُختبرت تاريخيا وأثبتت فاعلية في تركيا، فتجارب أردوغان ذاته، على مدى عقد ونيف، توضح ذلك.
المعارضة ذاتها سبق لها أن اختبرت ذات الإستراتيجية حينما كانت تسيطر علي الحكم في سبعينيات القرن الخالي، فبعد التدخل العسكري في قبرص عام 1974 تضاعفت نسبة التأييد الشعبي للائتلاف الحاكم بقيادة الراحل بولند أجاويد، ليحقق أكبر فوز في تاريخه السياسي، في أول انتخابات تالية على هذه الأحداث.
التمهيد للاستحقاقات السياسية بات من منظور القيادة السياسية في تركيا يشبه الاستعداد للمعارك العسكرية، فبينما تستهدف المدفعية التركية مدينة عفرين، وينتشر الجندرمة على حدودها، وتتأهب المدرعات والدبابات في الجوار السوري بأدلب عبر ثلاث قواعد عسكرية تتبع أنقرة، فإن الرئيس التركي لا يزال يداعب مخيلة المواطنين بشأن أحقية تركيا التاريخية في مناطق الجوار الجغرافي.
خصوصية موقع عفرين في مخططات أردوغان لا تتعلق بمحض معالمها التي لا تزال تشمل خط سكة حديد قادم من تركيا ويصل إلى مدينة حلب، تم تدشينه قبل الحرب العالمية الأولى، وإنما لكونها أيضا تفصل بين مناطق سيطرة فصائل "درع الفرات" التي تدعمها تركيا، لكونها ذات أهمية محورية لحيلولة دون التواصل الجغرافي بين المناطق الخاضعة لسيطرة حلفاء واشنطن من الأكراد.
لذلك ترفض تركيا سياسات واشنطن وتصعد خطابها حيالها بسبب خطط تشكيل قوة عسكرية قوامها من الأكراد على الحدود التركية – السورية، بينما تعتمد تركيا ذاتها في تحركها العسكري على وكلائها المحليين علي الساحة السورية، تحت اسم "الجيش الوطني السوري"، والذي يتكون من نحو 22 ألف مقاتل.
إشكالية التصعيد التركي حيال الجانب الأمريكي، واعتبار أنه يساند جيشا من الإرهابيين على حدود تركيا، لا يتعلق بالارتدادات العكسية لذلك على علاقات أنقرة مع واشنطن، وإنما يرتبط أيضا بالتداعيات المحتملة لذلك على الروابط التي نسجها أردوغان مؤخرا مع نظيره الروسي، فلاديميير بوتين.
أردوغان ناور باستخدام الغرب في مواجهة موسكو، بما سمح له بالسيطرة على جرابلس في الشرق وأعزاز في الغرب، والباب في الجنوب، ثم ناور بموسكو في مواجهة الغرب، بما سمح له بالتمركز في شمال أدلب، غير أن عفرين لا تشمل حلفاء واشنطن وحسب، وإنما أيضا حلفاء موسكو، التي لا تزال تتحفظ علي التدخل التركي، رغم بدايته، وترفضه بقدر رفض النظام السوري، والذي أعلن بدوره استعداده لمواجهته. 
القوات الروسية حالت من قبل دون تدخل تركيا إلى عفرين عبر التدخل العسكري في المدينة ورفع أعلامها في نواحيها وقراها وفوق العديد من مبانيها، على النحو الذي استنسخ حرفيا في مدينة منبج بعد ذلك للفصل بين الأتراك والأكراد، من خلال أدوار للجيش السوري. 
أردوغان هذه المرة يصعد على نحو غير مسبوق، ليس حيال النظام السوري فقط، وإنما أيضا حلفاء تركيا من الأمريكيين وحلفاء سوريا من الروس، ليعلن ضرورة عدم تكرار إستراتيجية الفصل بين تركيا وأعدائها من الإرهابيين، حتى لا تقع حوادث غير مقصودة، قائلا "أزيلوا أعلامكم الموجودة في قواعد المنظمة الإرهابية حتي لا نضطر إلي تسليمها لكم".
ورغم ذلك فإن متاعب تركيا وهواجسها لا ترتبط بالمسار العسكري بسبب الدعم الأمريكي للأكراد في سوريا، وإنما أيضا بسبب المسار السياسي، لتوجّه روسيا من جهتها إلى دعوة الأكراد لجلسات الحوار الوطني السوري الذي سيعقد في موسكو، في إطار ترتيبات حل الأزمة السورية، وفق بيان صادر عن مكتب وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، أوضح فيه أيضا أنه لا يمكن تجاهل الأكراد كجزء من الأمة السورية.
العملية التركية في عفرين تتم في ظل معارضة واشنطن، على رغم من أن تمركزات تركيا في الشمال السوري، تحققت بعد توفر غطاء جوي من قبل واشنطن، كما أن أنقرة لا يمكن أن تنهض بذات المهمة ما لم تسمح موسكو بذلك حتي لا تُستهدف مقاتلتها من قبل أنظمة الدفاع الصاروخي الروسي.
استغرقت تركيا نحو 183 يوم للسيطرة علي مدينة الباب، غير أن الهمة قد تكون أصعب في حالة مدينة عفرين ليس وحسب بالنظر إلي حضور الأكراد العسكري ومعارضة النظام السوري، ومواقف روسيا وواشنطن، وإنما لأن تركيا رغم كل التحديات أصرت على خوض هذه المعركة ليس إلا كونها إحدى أدوات الترويج للرئيس التركي الذي يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية، التي بدأت أولى مراحل الدعاية لها من داخل الأراضي السورية، عبر عملية "غصن الزيتون".