باتريشيا ألونسو
ديسمبر 11 2017

تركيا وعلاقة الحب القاتلة مع الأسلحة غير المرخصة

"كان أليستر سيبلغ السابعة عشر من العمر في يناير؛ كان سيصل إلى سن البلوغ ويصير على موعد مع التخرج من المدرسة، لكنه حُرم من خيارات حياته فقط بسبب رجل كان يحمل بندقية". بهذه الكلمات تحدث ديفيد جريماسون الذي أسلم طفله ابن العامين روحه إلى بارئها في تركيا عام 2003 إثر طلق ناري أصابه.

كان أليستر ينام في سلام داخل عربة أطفال بأحد المقاهي في بلدة فوكا المطلة على بحر إيجه بالقرب من مدينة إزمير غربي البلاد.

يقول جريماسون "وقعت هناك مشادة كلامية على طاولة أخرى وبدأ البعض يطلقون الأعيرة النارية بصورة عشوائية. في ذلك الوقت كان أليستر في تركيا مع والدته التركية أوزلم وكانا في زيارة لجده وجدته بينما كان ديفيد في بلد الأسرة باسكتلندا. يعلق قائلا "كنا بدأنا لتونا نعتاد أن نكون أبا وأما".

خلال الفترة بين يناير وسبتمبر 2017، قتل أكثر من 1500 شخص نتيجة لحوادث العنف التي يستخدم فيها السلاح في تركيا بحسب مؤسسة الأمل، وهي أبرز منظمة مناهضة لاستخدام السلاح في البلاد. وتقدر المؤسسة عدد قطع السلاح الموجودة في تركيا بنحو 25 مليون قطعة 85 بالمئة منها على الأقل غير مرخص، وتقول إن ما يثير المزيد من القلق أن استخدام الأسلحة النارية زاد بأكثر من ثلاثة بالمئة مقارنة مع عام 2016.

ويتم جمع هذه البيانات من خلال رصد الصحف المحلية والقومية لكن السلطات تطعن في صحة المنهج المتبع في ذلك. كما أقرت وزارة الداخلية بأن أكثر من 87 بالمئة من الأسلحة التي تم التحفظ عليها كان غير مرخص.

يقول جريماسون "لم أكن أعرف حدود الموقف في ذلك الحين، فهذا أمر لا تفكر فيه أبدا عندما تأتي قادما من المملكة المتحدة حيث الحوادث التي يستخدم فيها السلاح غير معتادة ومعدل امتلاك السلاح منخفض".

بعد مقتل أليستر، أجرى ديفيد وزوجته آنذاك أوزليم بعض الأبحاث وخلصا إلى أن بعض الأمور بحاجة للتغيير. يقول جريماسون، الذي أصبح أحد مناصري الرقابة على السلاح، "ربما كان الغضب هو النقطة التي بدأ عندها كل شيء" وكرر هذه الجملة مرارا خلال الحديث معه. أضاف "ربما كان القيام بحملات أمرا يسترعي التركيز عليه خلال فترة حزننا. آمل أن يكون ذلك غير شيئا... أنا متاكد من أن ذلك تحقق".

قدمت  الأسرة عريضة تدعو إلى تشديد قوانين حيازة السلاح عام 2003. يقول ديفيد "في ذلك الحين لم يكن الأمر سهلا كما هو اليوم. لم يكن باستطاعتك أن تفعل ذلك عبر الفضاء الإلكتروني. من ثم كنا فقط نجمع توقيعات على ورق لتمريرها إلى البرلمان". ويعود بذاكرته إلى الوراء فيقول إنهما أدركا خلال تلك العملية أن الجميع تقريبا تعرضوا لحوادث عنف استخدم فيها السلاح في تركيا سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر ويعلق على ذلك بالقول "بدا أن كل شخص لديه قصة".

يقول جريماسون "أذكر قصة حدثت في فترة قريبة من وفاة أليستر. كان أستاذ بإحدى مدارس التعليم الأساسي ينتظر دوره في الكشف على تذكرة يانصيب كان قد اشتراها، لكن ذلك استغرق وقتا طويلا جدا من البائع الذي كان مشغولا مع شخص آخر. أطلق المدرس النار عليه فقط لأنه لم يكن يطيق الانتظار. استحضرت تلك القصة ليس فقط لأن الرجل كان يحمل سلاحا، بل لأنه أيضا كان يدرِّس لأطفال".

كما رأي موقفا مشابها في منطقة السوق الكبير في اسطنبول. كان جريماسون هناك مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) عندما دخل اثنان من أصحاب المحلات في مشادة كلامية مع بعضهما البعض بسبب نزاع على الدور في استخدام المرحاض. هز جريماسون رأسه مستنكرا ما حدث وقال "قتل شخص. مشادة كلامية بسبب خلاف على المرحاض... وشخص يموت".

وسلطت وسائل الإعلام المحلية الضوء على واقعة أخرى الشهر الماضي كانت بطلتها فتاة في السابعة عشر من عمرها قتلها شخص كان يطاردها في اسطنبول ببندقية اشتراها عبر الإنترنت. ونحو 60 بالمئة من حالات قتل النساء في تركيا تشمل استخدام السلاح الناري.

وبيع السلاح الناري عبر الإنترنت سر معلن في تركيا على الرغم من بعض التعديلات التي طرأت على التشريعات في الآونة الأخيرة. وقال بائعو السلاح الذين تحدثنا إليهم أثناء كتابتنا لهذا المقال إن شراء السلاح عبر الإنترنت لم يعد أمرا ممكنا حيث يتم تغريم البائع 500 ليرة تركية (أقل من 130 دولارا) عن كل قطعة سلاح يبيعها.

لكن لماذا يزيد عدد قطع السلاح في تركيا عاما تلو الآخر؟

يقول البعض إن الأمر مرتبط بالثقافة بينما يدفع آخرون بوجود أسباب أمنية. وتعتقد مبادرة الحق في التسلح الشخصي والدفاع عن النفس التي تتخذ من أنقرة مقرا أن "التسلح حق طبيعي للشعب التركي" وفق ما يقوله رفيق إشيك، وهو ممثل عن المبادرة، مضيفا أن التسلح جزء من الثقافة التركية. ويعلق قائلا "لقد أسسنا بلدنا بقوة السلاح. لقد حررنا أراضينا بالبنادق. نحن مستعدون لحماية أحبتنا وبلدنا وأرضنا وحريتنا لأننا مسلحون".

وتدعو هذه الجماعة إلى خفض تكلفة امتلاك السلاح وتسهيل إجراءاته في الوقت الذي ترى فيه قطاعات برلمانية أن هذا الأمر ميسر جدا بالفعل. وردا على سؤال حول إحصاءات حوادث العنف المستخدم فيها السلاح، قال إيشيك "تسعون بالمئة من الجرائم المرتبطة باستخدام السلاح في تركيا تشمل استخدام سلاح غير مرخص... عندما تقول ’العنف المسلح في تركيا‘ يجب أن تقول’العنف المستخدمة فيه أسلحة غير قانونية‘ لأن المواطنين الملتزمين بالقانون وأسلحتهم المرخصة ليسوا جزءا من العنف".

أما جريماسون فيقول "بالنسبة لي السلاح لا يعني حماية. بالنسبة لي السلاح فوضى وموت. كلما زاد عدد البنادق كلما كثُر الهرج... أعتقد أن من المهم تغيير المعتقد الثقافي القائل بأن من’ الرجولة‘ أن تحمل سلاحا.

وتعتقد مؤسسة الأمل أن زيادة الوعي بالموقف مهمة من أجل تشكيل الرأي العام.

وقال جريماسون "نحن بحاجة لمحاولة التثقيف... التعليم هو الإجابة دائما... لكن هناك حاجة أيضا لقوانين أكثر صرامة".

واقترح حزب الشعب الجمهوري، الحزب الرئيسي المعارض في تركيا، الشهر الماضي تعديل القانون رقم 2521 الخاص بمنتجي السلاح غير المرخص والمتعاملين فيه بحيث تفرض غرامة على هذه الفئة تتراوح بين 20-200 ألف ليرة (5-50 ألف دولار) بعد دراسة أجراها الحزب وأظهرت أن 15 ألفا و625 شخصا قتلوا بالأسلحة النارية في السنوات العشر الأخيرة ونحو 68 ألفا جرحوا.

وعلى الرغم من أن ما تحقق من تقدم في هذا المجال قليل، تتفق الحكومة مع الرأي القائل بأنه ما زالت هناك حاجة للمزيد من القيود.

وبعد مقتل طالب في السابعة عشر من العمر ببندقية مشتراة عبر الإنترنت، أبلغت بلما ساتر -- رئيسة لجنة الالتماسات بالبرلمان التركي وعضو الحزب الحاكم -- وكالة الأناضول التي تديرها الدولة بأن الغرامة الحالية البالغ قدرها 500 ليرة (130 دولارا) غير كافية. وتعتقد أن العقوبات يجب أن تشمل السجن أو توجيه اتهامات جنائية.

وتتفق معها في هذا الرأي مؤسسة الأمل التي تقول "نريد أن يجد الناس صعوبة في الحصول على سلاح بحيث يمكن الحد من العنف. الترتيبات القانونية ضرورية".

وحظيت حالة أليستر بتغطية واسعة من وسائل الإعلام في كل من تركيا وبريطانيا. "قررنا أن نبقي القضية مطروحة في وسائل الإعلام من أجل تسليط الضوء على القضية. الأمر كان صعبا، كان صعبا جدا. لكنا كنا نعرف أن انتباه وسائل الإعلام مهم". وما زال الأمر كذلك.
يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: