تركيا وقطر .. تحالف هش أم صلب؟

تبدلات عديدة تشهدها أنماط التحالفات الإقليمية على خدعم لفية التطورات المتسارعة التي تجابهها منطقة الشرق الأوسط وقضاياها الساخنة، والتي جعلت سمة العلاقات بين العديد من الفواعل الرئيسية هي التحالف "المرن"، وليس "الصلب".

بيد أن ما شهدته الروابط التركية – القطرية خلال السنوات الخالية على المستويات المختلفة جعلت العلاقات بين الجانبين تصوغ "توافقاً" أطلقت عليه بعض الأدبيات "تحالفاً لدعم تيار الإسلام السياسي"، وتزايدت الروابط عقب مواقف الدوحة المساندة لحكومة حزب العدالة والتنمية إبان تعرضها لمحاولة انقلاب عسكري، وإثر سياسات أنقرة المنحازة للدوحة في أزمتها مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي.

انعكس التقارب بين البلدين في زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مؤخراً للدوحة، وجولته في القاعدة العسكرية التركية على أراضيها، وتأكيده التداخل بين الأمن القومي للبلدين، مشيراً إلى أن الجنود الأتراك الموجودين في قطر إنما يؤدون مهامهم في بلدهم الثاني، في مسعى لتأكيد أن ثمة تحالفاً بين البلدين يرتبط بحسابات النخب الحاكمة، ومصالحها الخاصة، ونمط إدراكها وتصوراتها للمنافع المتبادلة على المستويات المختلفة.

مع ذلك ثمة محركات تشير إلى أن لقاءات الرئيس التركي بالأمير القطري، والتي بلغت نحو 17 لقاءً منذ وصول الأخير إلى السلطة، لم تفض إلى تشكل ما يمكن حسبانه تحالفاً صلباً أو استراتيجياً، وإنما أنتجت ما يطلق عليه "توافق مصالح"، وهى حالة وسمت أغلب التفاعلات السياسية في المنطقة، والتي وإن شهدت "تكتلات صلبة"، لكنها كانت غالباً قصيرة الأجل، وتحول العديد منها في معظم الأحيان إلى تحالفات غير مستقرة وهشة.

ويبدو أن ذلك لا يغيب عن العلاقات التركية – القطرية التي تتسم بدورها بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين وارتباطها ببعض الانفعلات السياسية، تجاه بعض التطورات خاصة تلك المرتبط بالانسجام الظاهر في فضاء دعم الإسلام السياسي والجهادي.

على المستوى الداخلي، ليس هناك إجماع بين الجماعات الرئيسية والمؤسسات الحيوية على الطبيعة الاستراتيجية لهذه العلاقات وجدواها للجانبين، سيما أن كلاً منهما يجابه تحديات محلية تجعل سياساته الخارجية ليست محل توافق.

قطر تواجه فيها السلطة الحاكمة إشكاليات متصاعدة الحدة بسبب سياساتها الاستبدادية، وتشكل أُطراً، لمعارضة خارجية منظمة تستهدف التحرك بوسائل مختلفة ضد الأمير القطري وممارساته حيال مواطنيه ومقدرات وثروات بلاده، وسياساته التي خلّفت توترات غير مسبوقة مع العديد من دول الجوار العربي.  

في مقابل تحولات مركبة باتت تشهدها الساحة الداخلية التركية، في ظل سعي النظام التركي إلى التنكيل بمعارضيه، واتساع نطاق انتهاك حقوق الإنسان، وتحويل النظام التركي إلى رهينة سياسات الرئيس وتوجهاته ذات الطابع الإسلاموي، التي أفضت إلى تصاعد حدة الاضطراب في علاقات تركيا الخارجية مع عديد من الحلفاء التقليديين.

كما أن العلاقات المشتركة بين البلدين، في أحد جوانبها، باتت تمثل عبئاً على كل منهما، فقد توترت العلاقات القطرية مع الدول الخليجية، جراء ممارسات قطر المنسقة مع سياسات تركيا الداعمة للتيارات المتطرفة الإسلامية داخل البلدان العربية.

ومثلت القاعدة العسكرية التركية في قطر أحد أسباب تصاعد حدة الانتقادات الداخلية للحكومة التركية، كونها تُدخل أنقرة في صراع كان يجب أن تتسم سياساتها حياله بـ"اللا فعل"، من أجل ضمان مصالحها مع مختلف أطرافه، حسب الكاتب التركي، مراد يكين Murat Yetkin.

شكّل ذلك أحد دوافع الانتقادات التي وُجهت إلى مسؤولي وزارتي الخارجية والدفاع التركيتين في اجتماع لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، عند مناقشة دواعي إنشاء هذه القاعدة وجدواها بالنسبة لمصالح تركيا الاستراتيجية، واعتبر البعض أن قطر دولة صغيرة بحجم جزيرة هاواي، ولا تمتلك قوة عسكرية حقيقية، بما يجعل تركيا، مقابل الأموال التي تحصلها من قطر، توظف أبناءها في قاعدة عسكرية للعمل كـ"جندرمة"، حسب وصف النائب عن حزب الشعب الجمهوري، مولود دورو، الذي اعتبر أن خطى أنقرة حيال الدوحة تمثل مغامرة بالمصالح الوطنية التركية، مع عديد من الفواعل المركزية على مسرح عمليات الشرق الأوسط.

المقاربة متسقة نسبياً مع قاعدة أن التحالف الاستراتيجي إحدى أهم سماته تتمثل في تعزيز قدرات أطرافه على مستويات مختلفة لا إضعافها وإظهار عزلتها في مواجهة القوى الأخرى، لكن من الواضح أن سياسات التقارب باتت تفضي إلى ارتدادات عكسية.

أثرت المواقف التركية من الأزمة الخليجية بالسلب على علاقات أنقرة مع بعض الدول الخليجية، كما تراجعت فعالية السياسات القطرية إقليميا بعد التحولات التي شهدتها سياسات تركيا حيال التنسيق مع إيران إزاء التطورات في سوريا والعراق، وهي تطورات أضحت تنعكس سلباً على علاقات تركيا مع الولايات المتحدة الأمريكية وكثير من دول حلف الناتو، وهو أمر قد ينسحب على علاقات قطر مع بعض القوى الغربية والعربية.

لا ينفصل ذلك عن حالة العزلة التي غدت الدولتان تواجهها بسبب سياستهما الخارجية، فأنقرة تجابه ما يمكن تسميته "العزلة الإقليمية"، التي حاول المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، الادعاء بأنها "عزلة ثمينة"، وهى ترتبط باتساع نطاق التوترات مع العديد من بلدان منطقة الشرق الأوسط، والجوار الجغرافي.

وتواجه الدوحة، اضطرابات متصاعدة الحدة في علاقاتها الإقليمية والدولية، سيما مع عديد من الدول العربية، بما يجعل من تعدد الزيارات بين الجانبين، وتأكيد العمل على تعزيز العلاقات المشتركة، إنما يعكس في مضمونه عناصر ضعف هيكلية يسعي كل طرف لإظهار عكسها، عبر زيارات مستنسخة بين مسئولي البلدين.

يتداخل مع ذلك تغير فعالية أدوار إحدى أهم ركائز العلاقات المشتركة، من حيث دعم التنظيمات الجهادية والراديكالية كتنظيم "داعش"، و"جبهة النصرة" (هيئة تحرير الشام، الآن)، وجماعة الإخوان، بسبب التراجع الدراماتيكي في أدوار هذه التنظيمات على مستوى الحضور الميداني، والقدرة العملياتية، والإمكانيات العسكرية، جراء تصاعد مسارات المواجهة على أكثر من ساحة عربية، بما أضحى يغلق منافذ تقليدية كانت الدولتان تستغلها لتوسيع نطاق النفوذ، وتسريع خطى التمدد الإقليمي.

من العوامل الحاكمة أيضاً في هذا السياق، ما تعانيه العلاقات بين البلدين من اختلالات هيكلية، في القدرات والإمكانيات، ليس وحسب لكونها تفتقد التوازن النسبي بين طرفيها، وإنما أيضاً انطلاقاً من كون الجانب التركي بات ينظر إلى النظام القطري، على أنه "اقتراب الفرصة"، حيث يعتبر أن سياساته قد تفضي إلى تحقيق أنقرة مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية، كما أنها قد تخدم استراتيجيتها القائمة على إعادة الاعتبار لتوظيف القوة الخشنة على الساحة الخارجية لدعم نفوذ تركيا الإقليمي.

يجسد ذلك طموح "الأردوغانيين" أو ما يطلق عليهم "العثمانيون الجدد" في تدشين عدد من القواعد العسكرية في مناطق متفرقة كالصومال والعراق وسوريا وقطر. وثمة تصريحات تركية أشارت في هذا الإطار إلى أن أنقرة استطاعت، عبر الدوحة العودة عسكرياً إلى منطقة الخليج بعد نحو مئة عام من انسحاب الإمبراطورية العثمانية منها خلال الحرب العالمية الأولي، بعد هزيمتها أمام القوات البريطانية، وهو ما أكد عليه زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، حينما أشار إلى أن قطر حُكمت سابقاً من قبل قائم مقام تركي.

وأعلن رئيس الوزراء التركي السابق، أحمد داوود أوغلو، عبر فيديو نشره عبر حسابه الرسمى فى موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، أن علاقة تركيا مع قطر فى الأصل علاقة تاريخية ترجع إلى "العهد العثماني"، طواها النسيان وتجددت مؤخرًا لتصبح وثيقة.

 هذه النوعية من التصريحات أكد عليها أيضا بعض المحللين بأن تركيا ترسخ، عبر وجودها العسكري في قطر، عودة الدوحة إلى مناطق النفوذ والسيطرة التى كانت تابعة للدولة العثمانية قبل قرون خلت.  

تبدو الرؤية التركية حيال الدوحة على المستوى الاقتصادي ليست بعيدة عن المستوى السياسي، بسبب ما تواجهه أنقرة من مشكلات اقتصادية متراكمة أفضت إلى ارتفاع معدل البطالة، واتساع نطاق الخلل في الميزان التجاري، وزيادة معدلات التضخم، وتفاقم الدين الخارجي، على نحو دفع بحسبان سياسات قطر أيضا "فرصة اقتصادية" لما تمتلكه الأخيرة من ثروات ضخمة بسبب مخزون الغاز الطبيعي، وما تحوزه عبر صندوق الثروة السيادية من استثمارات خارجية، وارتفاع حجم المشروعات المخصصة لاستضافة كأس العالم.

 تعتبر السلطات التركية أن من شأن ذلك أن يوفر لأنقرة فرصاً استثمارية كبرى، على مستوى العلاقات الاقتصادية والروابط التجارية، وفيما يخص الصناعات العسكرية، وتعمل السلطات التركية على فتح أسواق جديدة لمنتجاتها العسكرية الناشئة، وتعد قطر ممولا مرُجحا لبعض مشروعات تركيا الدفاعية.

تمثل العناصر السابقة محركات تحالف استراتيجي ناشئ بين أنقرة والدوحة، غير أنها في جوهرها وأنماطها ومساراتها تكشف أن ثمة علاقات تحالفية في مضمونها هشة، وزمنياً مؤقتة، والمحرك الرئيسي فيها محض علاقات نخب تصوغ سياساتها وفق توجهات أيديولوجية، على نحو يجعل منها رهينة بقاء هذه الأنظمة، وجمود توجهاتها، وعدم حدوث تطورات محلية أو إقليمية طارئة تفضي لتشتت مواقفها وتباين سياساتها.

وهى معطيات تشير بوضوح إلى أن ما بين البلدين ليس أكثر من توافق مصلحي بين أنظمة سياسية، لا تحالف استراتيجي بين مؤسسات حاكمة.