Nesrin Nas
مايو 13 2018

تركيا و العتبة الانتخابية.. اطردوا الأكراد!

 

مضى 28 عامًا منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في 12 سبتمبر، ولكن تصميم وشكل السياسة المدنية ظل كما هو.
لم تستطع السياسة حتى الآن أن تتجاوز الخطوط الحمراء العريضة التي رسمها الانقلابيون آنذاك.
لم يتم الاعتراف بالأكراد كمواطنين متساوين مع غيرهم في أي وقت قط. دائمًا ما تمّ اعتبارهم مشكلة أمنية، وجُعلوا ذريعة لا غنى عنها بالنسبة للسياسات الأمنية.
وقد استهدف الانقلابيون إقصاء الأكراد خارج المشهد السياسي، ولتحقيق ذلك الهدف وضعوا شرط تجاوز العتبة الانتخابية التي تمثل 10%، والتي كانت العقبة الكؤود بالنسبة لذلك الوقت.
كم هو مؤسف أن تتبنى السياسة المدنية هذا التصرف منذ 28 عامًا؛ فما ألغت العتبة الانتخابية، وما تخلت عن اعتبار الأكراد مشكلة أمنية.
لو أن هذا العائق المتمثل في العتبة الانتخابية وضع اليوم، لجعلت انتخابات 7 يونيو 2015 أساسًا، ولصارت تلك العتبة الانتخابية 15 %.
يبدو أنه لا بد من الشكر على هذا أيضًا...
جدير بالذكر أنه في الانتخابات العامة الأولى التي أجريت بعد الانقلاب العسكري 12 سبتمبر كان كنعان أورن يحدد عبر شاشات التلفاز من الذين يرغب في انتخابهم، واليوم أيضًا يقوم رئيس الأركان العامة بـ "زيارة" الشخص الذي لا ترغب السلطة المدنية في ترشحه. العقلية هي نفس العقلية، ما تغيّر هو الأبطال والأدوار والأدوات فحسب.
 
المؤسف أيضًا أن السياسة في بلادنا تُعتبر امتيازًا لا يمكن أن يمارسه إلا الأتراك السُّنَّة. والقومية الإسلامية المتهالكة تُستبدل اليوم بشكل غير متهالك باسم "تحالف الأمة". وبهذه الطريقة يتم توثيق عدم الاعتراف بأن 15% ممن يعيشون في هذه الأراضي؛ في تركيا ليسوا مواطنين أتراك متساوين مع غيرهم؛ وذلك يحدث عبر سياسة "طرد الأكراد" التي تنفذ بالشراكة بين السلطة والمعارضة.
علاوة على ذلك فإن هذين التحالفين يعدان بـِ"الديمقراطية والعدالة والحرية وسيادة القانون".
ونحن نعرف مفهوم الديمقراطية والعدالة لدى من يشكلون جبهة السلطة.
لقد احتلت تركيا المراكز الأخيرة في مؤشرات الديمقراطية والقانون والحرية.
 
أما بالنسبة لتحالف المعارضة المكون من أربعة أحزاب؛ فإن وعد قليجدار أوغلو بتوفير الديمقراطية والعدالة والحرية مجروح منذ البداية بالرغم من كل الجهود المبذولة.
ذلك أن قليجدار أوغلو مهندس هذا التحالف الذي شكلته أربعة أحزاب من المعارضة أعلن ترشيح محرم إينجه للانتخابات الرئاسية، ومن المعلوم أن محرم إينجه أكثر خصوم قليجدار أوغلو معارضة له، كما أنه سبق وترشح مرتين ضده لتولي منصب الرئيس العام لحزب الشعب الجمهوري، ومع أن قليجدار أوغلو خطا خطوات مفاجأة وغير مألوفة ما أن تم إعلان تاريخ الانتخابات المباغتة؛ إلا أنه لم يستطع تتويج تلك الخطوات التي بعثت الأمل فينا جميعًا لصالح الديمقراطية بـ "تحالف أساسه صفر في المائة" تشارك فيه جميع الأحزاب.
جدير بالذكر أن قليجدار أوغلو كان يقول:
"إنهم يسألوننا: لماذا تريدون تحالفًا؟ نقول أولًا: نريد تحالفًا أساسه صفر في المائة لإلغاء العتبة الانتخابية 10 % التي فرضها انقلاب 12 سبتمبر. ثانيًا: نريد إزالة جميع العقبات التي تعترض طريق الحق في الانتخاب. الناس لا يستطيعون التصويت لصالح الحزب الذي يريدونه. وإن ننجح في تشكيل تحالف أساسه صفر في المائة سيتمكن كل مواطن من التصويت لصالح الحزب الذي يميل إليه. ثالثًا: نريد تحالفًا من أجل تنمية وتطوير ثقافة الديمقراطية. يجب أن تجتمع الأحزاب السياسية من أجل مصالح البلاد، لا من أجل الصراع والنزاع. رابعًا: نريد أن نجتمع من أجل القضاء على فكرة الاستقطاب في هذا البلد...".
وعلى الرغم من كلمات قليجدار أوغلو هذه إلا أنه لم يستطيع تحطيم الصمود والمقاومة التي تسبب فيها الترشح المبكر لرئاسة الجمهورية من قبل ميرال أكشنر الاسم الطموح، الذي يُقدم على أنه وجه قديم في السياسة، ولكنه "جديد" بفضل أنصاره الذين تم تجديدهم. ويبدو أن ما أثر في هذا هو احتمالية أن تذهب بعض أصوات حزب الشعب الجمهوري لصالح أكشنر.
وبناءً على استطلاعات رأي "مفاجأة" قامت بها بعض شركات استطلاع ودراسة الرأي العام؛ فإن أكشنر التي وضعت حزب الشعب الجمهوري في مأزق بهذا الشكل، قد كشفت بسبب موقفها المتشدد هذا أن انفصالها عن حزب الحركة القومية لم يكن من أجل تأسيس رؤية سياسية جديدة، وأن مفهوم القومية لديها لا يختلف كثيرًا جدًا عمّا لدى حزب الحركة القومية، وبالتالي فإنها لن تستطيع أن تصبح حزبًا مركزيًا.
والأكثر من ذلك أنها تضيق إطار طموحها وتحصره في مجرد الإطاحة بأردوغان وسلطته فحسب بدلًا من أن تقول شيئًا جديدًا للناخبين باسم الديمقراطية والعدالة والحرية والمساواة. بل إنها لا تكتفِ بهذا أيضًا؛ إذ تهدي ترشحها لتولي الرئاسة إلى أردوغان، حتى وإن انتقلت الانتخابات الرئاسية إلى الجولة الثانية.

 

الآن دعونا ننتقل بالحديث إلى نتائج استبعاد حزب الشعوب الديمقراطي من التحالف:
 
لقد تمّ التغاضي عن أكثر الطرق تأثيرًا وفاعلية لضمان أمن الانتخابات وصناديق الاقتراع؛ حيث أُغفلت حقيقة إجراء هذه الانتخابات في ظل قانون الطوارئ.
لا تزال عملية حظر تجوال استبدادية مفروضة في بعض المناطق الريفية في الجنوب الشرقي من البلاد، وهناك بعض الولايات منع فيها إجراء كافة الأنشطة والفعاليات لمدة 30 يومًا، باستثناء حفلات الافتتاح الرسمي والمراسم الحكومية، كما تمّ تجاهل خطابات بعض المحافظين التي تحمل تهديدًا من شأنه أن يؤثر في اختيارات الناخبين.
لذلك فإنّ تصويت الناخبين الأكراد في الولايات والمناطق التي يعيشون فيها بكثافة وتخطي حزب الشعوب الديمقراطي العتبة الانتخابية متروك لموقف وضمير سلطة حزب العدالة والتنمية- وحزب الحركة القومية والموظفين العموميين أذناب تلك السلطة.
إن مبدأ العدالة والمساواة في التمثيل النيابي مجروح نظرًا لأن عتبة الــ 10 % موجودة من أجل حزب الشعوب الديمقراطي فحسب. ومهما كان من سيفوز بهذه الانتخابات فقد تم إهمال أن هذا سيلقي بظلاله على مشروعيتها.
والأهم من ذلك أنه لم يتم التفكير قط في الأضرار التي سيلحقها بوحدة البلاد وصمودها ذلك الاعتقاد السائد بأن الأكراد قد استُبعِدُوا تمامًا من المواطنة المتساوية.
لقد تم بقدر كبير القضاء على الأمل في تأسيس برلمان تعددي وديمقراطي، وإقامة السلام والأمان والعدالة التي يرغب فيها المجتمع تحقيقًا للتعددية.
وخاصة أنه قد ضاعت هباء التوقعات والآمال المعقودة من أجل تضميد جراحٍ سببتها انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرض لها في السنوات الأخيرة مئات الآلاف من الناس وعلى رأسهم الأكراد، اعتمادًا على السياسة الأمنية المتشددة.
وحتى وإن لم يتسنّ الفوز بالانتخابات الرئاسية فسوف يتم، عبر الحصول على الأغلبية في البرلمان التركي، نسف إمكانيات توفير ممارسة إعلامية وصحفية أكثر حرية، وإقامة نظام قضائي أكثر استقلالية ونزاهة عبر تغيير بنية وهيكل اتحاد الإذاعة والتليفزيون التركي وكذلك أعضاء المجلس الأعلى للقضاء والمدعين العموميين.
لذلك فإنه يجب لحزب الشعوب الديمقراطي أن يتجاوز بكل تأكيد وبشكل قاطع العتبة الانتخابية من أجل الوصول إلى السلام وإلى دولة أكثر قانونية وديمقراطية. فالسلطة والمعارضة كلاهما يعرف أنه في حال عجز حزب الشعوب الديمقراطي عن تجاوز العتبة الانتخابية؛ فإن 60-80 نائبًا من الذين يجب أن يأخذهم سينتقلون كلهم تقريبًا إلى الحرية والعدالة. ولن تتبقى أية فرصة على الإطلاق للتصدي لتعسف نظام حكم الرجل الواحد في تركيا.
وهذا يعني انفجار المجتمع داخليًا. يعني الدخول في مغامرة إثر أخرى في السياسة الخارجية. يعني الفقر الكلي المدقع بسبب انهيار الاقتصاد.
وحيث لا ترى المعارضة هذه الحقيقة تقع على عاتق المجتمع مسؤولية التغلب على العقبات التي وضعتها السلطة والمعارضة أمام حزب الشعوب الديمقراطي.
وإذا اتحد كل من يؤمنون بالديمقراطية والعدالة والمساواة فسوف يمكن إعادة إنشاء تركيا التي نشتاق إليها جميعًا؛ ونستطيع حينئذ أن ترك لأولادنا بلدًا ديمقراطيًا سعيدًا، آمنًا، يعيش في سلم وسلام، بدلًا من بلد غارقٍ في بحر الدموع والدماء.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: